اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

عبد المنعم المحجوب شاعرًا: شعرية الحرب وتفكيك الخراب

 

بورتريه عمودي بالألوان المائية للشاعر والباحث الليبي عبد المنعم المحجوب، يرتدي قميصًا أسود ونظارة طبية، وخلفه مشهد رمزي لمدينة طرابلس والبحر تغطيه سحب من الدخان، بما يعكس أجواء الحرب والخراب في شعره.


حين يصبح الموت عادة
                    بقلم: الورّاق الجزائري

يُعرف عبد المنعم المحجوب في المشهد الثقافي العربي بوصفه باحثًا ولغويًا ومفكرًا ليبيًا، انشغل بالتاريخ القديم، والفلسفة، واللغة السومرية، والجذور الحضارية للغات، والنقد الديني والثقافي. وقد حجبت كثافة مشروعه الفكري جانبًا آخر من تجربته، هو الكتابة الشعرية التي لا تنفصل تمامًا عن أسئلته الفلسفية واللغوية، وإن كانت تتحرر من صرامة البحث لتدخل منطقة الصورة والصدمة والمفارقة.

في قصيدتي "قصائد الحرب" و"دماء لا تنتهي" لا يتعامل المحجوب مع الحرب باعتبارها موضوعًا سياسيًا يمكن وصفه من الخارج، ولا يكتفي بإدانتها أخلاقيًا أو بتعداد ضحاياها. إنه يكتب من داخل عالم اختلّت علاقاته، وفقدت أشياؤه أسماءها ووظائفها، وأصبح فيه الموت مألوفًا إلى درجة مرعبة. الحرب هنا ليست معركة تقع في مكان محدد ثم تنتهي، وإنما قوة تتسرّب إلى الجسد والبيت والمدرسة والبحر والحديقة والذاكرة والحلم، حتى تكاد تتحول إلى قانون جديد للوجود.

ومن هذه الزاوية يمكن الحديث عن "شعرية اعتياد الموت" عند عبد المنعم المحجوب؛ إذ تقوم القصيدتان على فضح اللحظة التي يفقد فيها الموت قدرته على إثارة الدهشة، ويتحول من كارثة استثنائية إلى تفصيل يومي. غير أن القصيدة تحاول مقاومة هذا الاعتياد بإعادة الغرابة إلى الأشياء، فتجعل الرصاصة التي مرّت مساء البارحة لم تصل بعد، والجندي يبحث عن رأسه، والظل يختبئ، والبحر يكاد يقيء، والحجر يموت، وماء البئر يسأل عن هويته. هكذا تستعيد اللغة قدرتها على الصدمة في مواجهة واقع أفرط في إنتاج الموت حتى كاد يجرّده من معناه.


بوستر شعري بالألوان المائية للشاعر الليبي عبد المنعم المحجوب، وخلفه طرابلس والبحر وسط الدخان، يتضمن مقطعًا من قصيدة "قصائد الحرب": "تتفاقم الحرب بينما يتدلّى الشعب متخمًا من النشيد الوطني".


 

سيرة أخرى للمفكر

لا يدخل المحجوب إلى الشعر تاركًا وراءه شخصية الباحث والمفكر، بل يصطحب معه حساسيته تجاه اللغة والتاريخ والأسطورة والهوية. إلا أن المعرفة في شعره لا تظهر على شكل أفكار جاهزة أو خلاصات نظرية، وإنما تتحول إلى صور وعلاقات غير متوقعة. ويبدو ذلك منذ مفتتح "قصائد الحرب":

صنعتُ ورقَ بيافرا شفافاً
ألفّ به هذه الترويكا.

تستدعي "بيافرا" تاريخًا من الحرب والمجاعة والصور المروعة التي رسخت في الذاكرة الإنسانية، بينما تحيل "الترويكا" إلى بنية سياسية أو ائتلاف ثلاثي أو قوة مركبة. لكن الشاعر لا يشرح العلاقة بين المرجعين، بل يجعلهما يتصادمان داخل صورة سريالية: ورق شفاف مصنوع من ذاكرة المجاعة، يُلفّ به كيان سياسي غامض.

لا تعمل الثقافة هنا زينةً للنص، وإنما تمنحه بعدًا تاريخيًا يتجاوز الواقعة الليبية. فما يحدث في طرابلس ليس حادثًا محليًا معزولًا، بل فصل جديد من تاريخ طويل تتشابه فيه الحروب، وتتغير أسماؤها وأعلامها بينما يظل الجسد البشري مادتها الأساسية.

ويصرّح النص بعد ذلك بمكانه وتاريخه:

المكان: طرابلس
التاريخ: 23 مايو 2017
الموضوع: لم يعد أحدٌ يسمع صوت البحر.

تشبه الصياغة رأس تقرير رسمي أو محضرًا إداريًا: المكان، التاريخ، الموضوع. لكن "الموضوع" لا يقدم معلومة عسكرية أو حصيلة للقتلى، بل يعلن غياب صوت البحر. بهذا الانتقال يفرغ الشاعر اللغة الإدارية من وظيفتها المألوفة، ويستخدم شكل الوثيقة لتسجيل ما لا تسجله الوثائق: موت الحساسية، واختفاء الصوت الطبيعي للمدينة تحت هدير الأسلحة.

إن تحديد طرابلس والتاريخ يمنح القصيدة أساسًا واقعيًا، لكن الجملة الثالثة تنقل الواقعة فورًا من التسجيل الصحفي إلى الدلالة الشعرية؛ فالبحر لم يصمت بالضرورة، وإنما غطّت الحرب صوته، أو أفقدت الناس القدرة على سماعه. وقد يكون فقدان صوت البحر إشارة إلى فقدان الوجه القديم للمدينة، تلك المدينة المتوسطية المفتوحة على الأفق والرحلة والاختلاط، بعد أن حاصرتها الميليشيات وأصوات الرصاص.

 

القصيدة بوصفها ألبومًا من الشظايا

لا تُبنى "قصائد الحرب" على حبكة متصلة، وإنما تتكون من مقاطع قصيرة تفصل بينها علامات النجمتين. لكل مقطع مشهده وشخصياته ومفارقته، حتى يبدو النص ألبومًا من الصور الملتقطة في أزمنة متجاورة. الطفل، والجندي، والميليشياوي، والكهل، والولد ذو الأطراف الصناعية، والأم الغائبة، والقطة، والجرذان، والنخلة، والمقهى؛ جميعهم يظهرون لحظة ثم يختفون، تاركين أثرًا سريعًا وحادًا. ويلائم هذا التشظي طبيعة الحرب نفسها. فالواقع لم يعد قابلًا للسرد المتماسك، لأن الحرب قطّعت الزمن والمكان والذاكرة. لا توجد بداية واضحة يمكن العودة إليها، ولا نهاية يمكن انتظارها، وإنما مشاهد منفصلة تتكرر فيها الخسارة. لذلك لا تسرد القصيدة قصة الحرب، بل تحاكي بنيتها المتكسرة.

يمنح استقلال المقاطع النص قدرة على المفاجأة. كل مقطع يشبه ومضة أو خبرًا أو شاهد قبر، لكنه ينحرف في نهايته نحو مفارقة تفتح معناه:

مساء البارحة
مرّت رصاصة طائشة
ولم تصل بعد.

تتوقف الرصاصة في زمن غريب. لقد "مرّت"، أي إن فعلها وقع وانقضى، لكنها "لم تصل بعد". هذه الاستحالة المنطقية تكشف طبيعة الخوف في زمن الحرب؛ فالرصاصة قد تنتهي ماديًا، لكن انتظار وصولها يستمر نفسيًا. وربما يكون الإنسان قد نجا منها لحظة إطلاقها، لكنه لم ينجُ من احتمالها. إنها تظل طائشة في الذاكرة، قادرة على الوصول في كابوس أو ارتعاشة أو خوف متأخر.

ولا يكتب الشاعر المشهد كاملًا، بل يكتفي بثلاثة أسطر، تاركًا الفراغ المحيط بها يتولى توسيع الصدمة. الاقتصاد اللغوي هنا ليس حذفًا للمشهد، وإنما تكثيف له.

 

بوستر بالألوان المائية للشاعر الليبي عبد المنعم المحجوب، وخلفه مدينة طرابلس والبحر وسط الدخان، يتضمن مقطعًا من قصيدة "قصائد الحرب": "لم يحدث شيء، لقد متنا فقط، كما نفعل دائمًا".

الحرب تتعرّى والدعاية تكسوها

يقول المحجوب:

إنها الحرب تتعرّى
لن تروا دعايةً أرخصَ
لفنّ الموت.

تقوم الصورة على تعارض بين الحرب العارية والدعاية التي تحاول كسوتها بالشعارات. عندما تتعرى الحرب لا يبقى من خطاب البطولة والتحرير والانتصار شيء؛ يظهر "فن الموت" في صورته الرخيصة. واستعمال كلمة "فن" هنا ساخر، لأنها تُطلق عادة على القدرة الجمالية والابتكار، لكنها تُسند إلى آلة تتفنن في قتل البشر.

إن وصف الدعاية بأنها "أرخص" لا يشير إلى انخفاض قيمتها المادية، بل إلى ابتذال اللغة التي تحاول منح القتل معنى نبيلًا. فكل حرب تحتاج إلى قاموس يبررها، وإلى أناشيد وأعلام وخطب تجعل الموت مقبولًا. ولهذا يكتب المحجوب:

تتفاقم الحربُ
بينما يتدلّى الشعبُ متخَماً
من النشيد الوطني.

الجسد الشعبي هنا متدلٍّ، كأنه مشنوق أو ذبيحة، لكنه "متخم" بالنشيد الوطني. والمفارقة أن الامتلاء لا يأتي من الطعام أو الحياة، بل من الخطاب؛ فالشعب جائع أو مقتول، إلا أنه محشو بالأناشيد حتى التخمة. ومن خلال اجتماع "يتدلّى" و"متخمًا" تتحول الوطنية الخطابية إلى عبء معلّق في عنق الضحية.

لا يهاجم النص الانتماء إلى الوطن، بل يفضح استخدام رموزه لتغطية الحرب. فالنشيد الذي يفترض أن يوحّد الناس يصبح جزءًا من الضجيج الذي يحجب أنينهم. ومن هنا تتجاور في القصيدة أداتان من أدوات الحرب: السلاح الذي يقتل الجسد، واللغة الدعائية التي تبرر قتله.

 

المدينة البيضاء تحت الحجر الأسود

تحتفظ قصيدة الحرب بعلاقة وثيقة بطرابلس. تظهر المدينة بأحيائها وبحرها وكورنيشها ومقهى الكورنيش، لكنها لا تظهر على هيئة خريطة، بل كجسد تتغير ملامحه تحت الدخان:

دخان بكثافة حجر أسود يغطي المدينة البيضاء
عيون كحّل السُخام رموشها تحدق في لا شيء
وجنود قدماء يقارنون بين حربين.

تجمع الصورة بين الأسود والأبيض، لكن العلاقة بينهما ليست تشكيلية خالصة؛ فالسواد يغطي بياض المدينة ويعيد رسم عيون أهلها. الكحل الذي ارتبط في الذاكرة بالجمال صار سخامًا، والرموش لم تعد تحدد العين وإنما تحمل أثر الاحتراق. أما العيون فتحدق "في لا شيء"، لأن الحرب لا تدمر الأشياء فحسب، بل تدمر موضوع النظر نفسه.

وفي نهاية المشهد يظهر الجنود القدماء وهم يقارنون بين حربين. تحمل العبارة قدرًا من السخرية القاتمة: حتى الحرب تصبح مادة للمقارنة والخبرة، كأن لها نسخًا ومواسم ودرجات. الجندي القديم لا يسأل كيف يمكن منع الحرب، بل يقارن الحرب الراهنة بسابقتها، لأن التكرار جعله خبيرًا في أشكال الخراب. وتعود المدينة في مشهد آخر:

استعادت المدينة عافيتها
غير أن أصواتاً مألوفةً ونداءات
تضجّ كلّ ليلةٍ من حطام مقهى الكورنيش.

تبدو جملة "استعادت المدينة عافيتها" شبيهة بما تقوله البيانات الرسمية بعد توقف الاشتباكات. لكن ما يليها ينقضها؛ فالأصوات لا تزال تخرج من الحطام. قد تكون أصوات القتلى أو الذكريات أو من اعتادوا الجلوس في المقهى. المدينة استعادت مظهرها الخارجي، لكنها لم تستعد أرواحها. والحطام هنا ليس ساكنًا، بل يحتفظ بالصوت. وبذلك يصبح المكان ذاكرةً حية ترفض الرواية الرسمية عن التعافي. يمكن ترميم الشوارع والواجهات، لكن النداءات المألوفة تظل عالقة في المكان، ويصعب إعلان نهاية الحرب ما دام صوت ضحاياها ينبعث كل ليلة.

بوستر بالألوان المائية للشاعر الليبي عبد المنعم المحجوب، وخلفه طرابلس والبحر وسط الدخان، يتضمن مقطعًا من قصيدة "قصائد الحرب": "اختبأت من الرصاص خلف شجرة نخيل، اختبأ ظلي خلف الشجرة المجاورة".

 

السخرية السوداء ومقاومة الابتذال

يعتمد المحجوب كثيرًا على السخرية السوداء، لأنها الأداة القادرة على كشف عبث الحرب من دون الوقوع في الرثاء المباشر. ومن أبرز أمثلتها قوله:

لم يحدث شيءٌ
لقد متنا فقط
كما نفعل دائماً.

تبدأ العبارة بإنكار الحدث، ثم تعترف بالموت، لكنها تجعله عادة. هذا التركيب من أكثر مقاطع النص قدرة على تلخيص عالمه. فالقول "لم يحدث شيء" يمكن أن يكون لغة الإعلام، أو السلطة، أو الإنسان الذي استُنزفت قدرته على الانفعال. أما "لقد متنا فقط" فتضع الموت في منزلة التفصيل الصغير، ثم تأتي "كما نفعل دائمًا" لتكشف اكتمال الكارثة: لم يعد الموت قطيعة في الزمن، بل نشاطًا دوريًا.

السخرية هنا ليست ضحكًا على الضحية، وإنما احتجاج على النظام الذي جعل موتها عاديًا. إنها تعيد إلى الموت فظاعته من خلال تمثيل اللغة التي تتعامل معه بلا اكتراث. وتبلغ المفارقة درجة أشد في تصوير الميليشياوي:

ابتكر الميليشياوي محفظةً
يحشرها في جيبه الخلفي
تَسَعُ مدينةً بأسرها.

يتقلص الوطن إلى غنيمة شخصية، وتتحول المدينة بكل بيوتها وسكانها وتاريخها إلى شيء يوضع في جيب. المحفظة أداة امتلاك وإنفاق، والجيب الخلفي موضع يومي مبتذل، لكنهما يتسعان هنا لمدينة كاملة. بهذه المبالغة يكشف الشاعر منطق الميليشيا الذي يختزل المجال العام في مصلحة خاصة. ثم يكتب:

بعدَ أن مات
تذكّر الميليشياوي
أنه لم يكن حيّاً أبداً.

يبدو الموت في الظاهر عقوبةً أو نهايةً للميليشياوي، لكن المفارقة تنقل الحكم إلى حياته كلها؛ فمن كرّس وجوده للموت لم يعش أصلًا. ولا تنشأ دلالة المقطع من الوعظ أو الإدانة المباشرة، بل من اكتشاف متأخر يقع بعد الموت، في زمن يستحيل أن ينفع فيه التذكر.

 

الجسد الذي تفككه الحرب

الجسد هو السجل الأكثر وضوحًا للحرب، لكنه لا يظهر في القصيدة متماسكًا. هناك رؤوس مفقودة، وأيدٍ مبتورة، وأطراف صناعية، وأجساد تسبح في الضوء الأبيض. إن تشظي بنية النص يوازي تشظي أجساد شخصياته. يقول الشاعر:

قال الجنديُّ وهو يبحث عن رأسه
لا أكسجين.. ويداي مبتورتان
لا يبدو الفوسفوريُّ مجدياً بعدُ.

تجتمع في المشهد استحالة البحث عن الرأس مع استحالة استخدام اليدين. الجندي يتكلم من دون رأس، ويصف يديه المبتورتين، فيتحول الجسد إلى مفارقة سريالية. لكن السريالية هنا لا تهرب من الواقع؛ إنها اللغة الوحيدة القادرة على الاقتراب من واقع تجاوز حدود المعقول. واللافت أن الجندي يعدد خسائره بلهجة تكاد تكون تقريرية: لا أكسجين، اليدان مبتورتان، ولا جدوى من الفوسفور. كأن الجسد يكتب تقريرًا أخيرًا عن تعطّل أعضائه. تتخذ اللغة العلمية أو العسكرية نبرة عبثية، لأن كل أدوات النجاة فقدت معناها بعد أن جرى تفكيك الإنسان نفسه.

وفي مشهد آخر:

بخبرته في الرقص
أراد أن يتفادى لغماً لا يُرى،
سَبَحَ في ضوء أبيض وشموس كثيرة.

يبدأ المقطع بحركة رشيقة؛ فالراقص يملك خبرة في التحكم بالجسد وتفادي العوائق. لكن اللغم الذي لا يُرى يهزم خبرته، فتتحول الرقصة إلى انفجار، ويتحول الجسد إلى سباحة في الضوء والشموس. لا يذكر الشاعر الدم أو الأشلاء، بل ينقل لحظة الانفجار إلى صورة ضوئية شديدة الجمال. ومن هذا التعارض بين جمال الصورة وفظاعة الواقعة تنشأ الصدمة. فالجمال هنا ليس تزيينًا للموت، وإنما طريقة لتمثيل اللحظة التي يخرج فيها الجسد من قوانينه: الراقص الذي أتقن الحركة الأرضية يجد نفسه يسبح في فضاء أبيض؛ لكن هذا التحليق ليس خلاصًا، بل نتيجة انفجار.

 

الطفل بوصفه ذاكرةً للحرب

لا تكتفي الحرب بقتل الأطفال، بل تعيد تشكيل نومهم وحركتهم وعلاقتهم بالمدرسة والألعاب. يقول المحجوب:

لم يعد هذا الطفل ينام..
كلما أغمض عينيه
تنهار به الأرض.

النوم الذي يفترض أن يكون ملاذًا يصبح امتدادًا لساحة القتال. لا يحتاج الطفل إلى رؤية الانفجار مجددًا؛ يكفي أن يغمض عينيه حتى تنهار الأرض. هكذا تنتقل الحرب من الخارج إلى الداخل، ومن الحدث إلى الذاكرة الجسدية. ويظهر أثرها كذلك في قوله:

ترتعشُ أطراف الولد الصناعية
كلما اقترب
من المدرسة.

لا ترتعش أطراف الولد الطبيعية، بل أطرافه الصناعية، وكأن المادة الجامدة نفسها اكتسبت ذاكرة الخوف. والمدرسة التي ترمز عادة إلى الأمان والمستقبل أصبحت محفزًا للصدمة. قد تكون المدرسة مكان إصابته، أو قد يكون الطريق إليها مرتبطًا بانفجار سابق؛ وفي الحالتين لم يعد التعليم عودةً طبيعية إلى الحياة.

هذه الصورة من أقسى صور القصيدة، لأنها تجمع بين الإعاقة الناتجة عن الحرب، والذاكرة، والمكان الذي يفترض أن يعيد دمج الطفل في الحياة. الأطراف الصناعية تعوض ما فقده، لكنها لا تمحو لحظة الفقد. إنها ترتعش بما لا تستطيع الآلة أن تنساه.

وفي مقطع آخر يتبع الطفل الباحث عن أمه قطةً تقوده إلى "معسكر الجرذان". تبدأ الصورة كما لو أنها حكاية أطفال؛ طفل تائه وقطة يمكن أن تكون دليلًا، لكن الحكاية تنقلب إلى كابوس. لا يجد الطفل بيتًا أو أمًا، بل يصل إلى معسكر تحكمه الجرذان. وهكذا تستعير القصيدة عناصر الحكاية لتعلن انهيار العالم الذي كانت الحكايات تعد الأطفال فيه بالنجاة.

 

بوستر شعري بالألوان المائية لعبد المنعم المحجوب، يظهر فيه أمام مدينة مدمرة وأشخاص يخرجون من تحت الأنقاض، مع مقطع من قصيدة "قصائد الحرب": "بعد كل هؤلاء الآلهة الدمويين، يتهيأ شعب الزومبي للخروج من تحت الأنقاض".

انفصال الإنسان عن ظله

من أكثر مقاطع "قصائد الحرب" تكثيفًا قوله:

اختبأتُ من الرصاصِ
خلفَ شجرة نخيل،
اختبأ ظلّي خلف الشجرة المجاورة.

يتشقق الإنسان إلى جسد وظل، ويختار كل منهما مخبأ مستقلًا. وكما نعرف كلنا، في الظروف الطبيعية يتبع الظل صاحبه؛ لكن الخوف يفصل بينهما. وكأن الرصاص لم يعد يهدد الجسد وحده، بل يهدد صورته وقرينه ودليل وجوده.

تمثل النخلة عنصرًا ليبيًا وعربيًا مألوفًا، وترتبط بالحياة والخصب والثبات، لكنها تتحول هنا إلى ساتر من الرصاص. أما انتقال الظل إلى شجرة مجاورة فيمنح المشهد طرافة سوداء، قبل أن يكشف معناه النفسي: الذات لم تعد واثقة من وحدتها، وكل جزء منها يبحث عن نجاته الخاصة. ويمكن وصل هذا المشهد بخاتمة القصيدة:

صرت أحلم أنني بلا رأس
أمشي هكذا دون أن أعرف ما هو الوقت أو أين أنا
هل يجب أن أستيقظ الآن أم عليّ أن أمشي وأمشي.

لم يعد فقدان الرأس حكرًا على الجندي، بل انتقل إلى المتكلم في الحلم. تفقد الذات مركز إدراكها، ويضيع معها الوقت والمكان. والسؤال عن الاستيقاظ لا يجد إجابة، لأن الحلم والواقع صارا متشابهين، فقد يكون المشي داخل الكابوس استمرارًا للحياة في الحرب، وقد يكون الاستيقاظ انتقالًا إلى كابوس آخر.

إن الحرب عند المحجوب لا تفصل الرأس عن الجسد فحسب؛ إنها تفصل الإنسان عن زمانه ومكانه وظله واسمه، أي عن العناصر التي تؤسس هويته.

 

من المشهد المتشظي إلى الطوفان اللغوي

إذا كانت "قصائد الحرب" تعتمد المقاطع القصيرة المنفصلة، فإن "دماء لا تنتهي" تقوم على حركة مضادة: سيل لغوي متصل تكاد الجملة فيه لا تتوقف. وفي الحالتين يعكس الشكل طبيعة التجربة. التشظي في القصيدة الأولى يحاكي الانفجار، أما التراكم في الثانية فيحاكي النزيف.

تبدأ "دماء لا تنتهي" بعبارة تحدد منطق النص:

تصيرُ الدماءُ سَيَلاناً مبهَماً كالشهيق والزفير
أو كالماء الذي لابد أن نشربه كلَّ يوم.

يقرن الشاعر سيلان الدم بالشهيق والزفير وبالماء الذي نشربه كل يوم. والمفارقة أن التنفس والماء شرطان لاستمرار الحياة، بينما يدل الدم المسفوح على انقطاعها. وبهذا التشبيه يصور الشاعر عالمًا انقلب فيه القتل إلى ظاهرة يومية مألوفة، حتى غدت رؤية الدم متكررة كتكرار الأنفاس وشرب الماء. وتظل هذه المفارقة بين ما يحفظ الحياة وما يشهد على إزهاقها حاضرة في القصيدة كلها.

تتحول كلمة "دماء" إلى لازمة تتكرر في مطلع الأسطر. وهي لا تؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل تصنع إحساسًا بأن كل شيء يبدأ من الدم ويعود إليه. مهما تغيّرت الصورة التالية، تبقى الدماء في أول السطر، كأنها قدر نحوي ودلالي لا تستطيع الأشياء الإفلات منه.

 

التكرار بوصفه محاكاةً للنزيف

يمكن أن يبدو تكرار "دماء" مفرطًا إذا عُزل عن موضوعه، لكنه يمثل جوهر البناء الشعري. فالنزيف نفسه تكرار مادي لا يتوقف، والحرب تكرار للقتل والخبر والجنازة والصورة. لذلك لا تصف القصيدة الدماء فقط، بل تجعل بنيتها تنزف. هكذا، يبدأ كل سطر تقريبًا بالكلمة نفسها، ثم يقترن بها شيء جديد:

دماءٌ وطفلٌ ينتظر أباً لن يعود
دماءٌ وأمٌّ لم تَعُدْ تُعِدُّ القهوة
دماءٌ وتلميذٌ لا يعرف متى ينتهي الدرس
دماءٌ وأرجوحةٌ مهجورة منذ لا أدري متى.

لا توجد أداة تشرح العلاقة السببية بين الدم والطفل أو الأم أو التلميذ أو الأرجوحة. تكتفي واو العطف بوضعهما متجاورين. غير أن هذا التجاور هو المعنى نفسه: لقد اقتحم الدم العالم اليومي وصار ملازمًا لكل عناصره.

تؤدي واو العطف وظيفة حاسمة؛ فهي لا ترتب الأشياء هرميًا ولا تمنح أحدها خاتمة، بل تضعها جميعًا داخل تدفق واحد. الإنسان والحيوان والنبات والطعام والفن والتكنولوجيا والأسطورة والطقس أشياء متجاورة في فضاء الخراب. لا وقت في الحرب لبناء علاقات منطقية طويلة؛ ثمة دماء، وشيء آخر أصابته الدماء. كما تمنع بنية التكرار القارئ من الاستقرار، فكلما ظن أنه بلغ الصورة النهائية جاءت "دماء" جديدة. وبهذا تتحول القراءة نفسها إلى اختبار للإرهاق. لا يريد النص أن يمنح متلقيه مشهدًا جميلًا مكتملًا، بل يدفعه إلى الشعور بطول الكارثة ورتابتها.

 

أرشيف الحياة اليومية

لا يبني المحجوب صورة الحرب من الأسلحة والمعارك وخطط القتال، بل يرصد آثارها في تفاصيل الحياة اليومية وأشيائها المألوفة: البيتزا، وأقراص الموسيقى، والقهوة، والصابون، وأرغفة الباغيت، وأعواد الثقاب، والألعاب، والمكياطة، والنافذة، والرصيف. وهذه التفاصيل ليست هامشية؛ فهي المجال الحقيقي الذي تدمره الحرب. حين يكتب:

دماءٌ وهيموغلوبين مستورد
دماءٌ وبيتزا بفواكه البحر

يضع المصطلح الطبي بجوار وجبة مألوفة. وقد يبدو التجاور عبثيًا، لكنه يعكس عالمًا تختلط فيه المستشفيات والمطاعم، والإصابة والاستهلاك، والحاجة إلى الدم المستورد مع استمرار بعض مظاهر الحياة العادية. وتتسع المفارقة في قوله:

دماءٌ وأقراص CD منسوخة تحت رخصة المشاع
دماءٌ وهجمات إلكترونية جديدة.

تدخل الحرب عصر النسخ الرقمي والفضاء الإلكتروني. الدم قديم قدم الإنسان، لكن الأدوات والوسائط المحيطة به حديثة. هكذا، تجمع القصيدة بين البدائي والتقني، لتقول إن الحداثة لم تنه العنف؛ لقد منحتنا فقط وسائل جديدة لتداوله وتصويره ونسخه. أما الإشارة إلى "رخصة المشاع" فتحمل سخرية مرة. فالدم نفسه أصبح كأنه مادة مشاعيَّة، يمكن إعادة إنتاجها وتوزيعها بلا حدود. وتوحي العبارة كذلك بأن صور الموت خرجت من خصوصية الضحية، وأصبحت محتوى عامًا يتداوله الجميع.

 

الأشياء تفقد وظائفها

من أبرز سمات شعرية الحرب عند المحجوب أن الأشياء تظل موجودة، لكنها لا تعود قادرة على أداء وظائفها؛ فالأم موجودة لكنها لا تعد القهوة، والأرجوحة موجودة لكنها مهجورة، والبالونات موجودة لكنها غير منفوخة، وأعواد الثقاب بعضها محترق وبعضها لم يشتعل، والكوب لم يعد كوب نبيذ، والنجوم لا تدل أحدًا. وهذا التعطيل أشد دلالة من التدمير الكامل. فالشيء المدمّر يختفي، أما الشيء المعطّل فيبقى شاهدًا على وظيفته المفقودة. الأرجوحة الخالية تستدعي الطفل الغائب، والبالون غير المنفوخ يستدعي احتفالًا لم يحدث، والقهوة التي لم تعد الأم تعدها تستدعي روتينًا منزليًا انقطع.

يكتب الشاعر:

دماءٌ وصحنٌ خزفيّ تآكلت أطرافه
دماءٌ وكوبُ نبيذٍ لم يعدْ كوبَ نبيذ.

لا يوضح ما أصبحه الكوب. وربما تكمن قوة الصورة في هذا الامتناع؛ فالحرب تسلب الأشياء أسماءها من دون أن تمنحها أسماء بديلة. الكوب موجود ماديًا، لكنه فقد هويته الوظيفية والرمزية.

ويظهر المنطق نفسه في سؤال البئر:

دماءٌ وماءُ البئرِ يسألُ عن هويّته
دماءٌ وأسماءٌ تتسلّخُ مثلَ جلدِ أفعى.

حين يختلط الماء بالدم أو بالتلوث، لا يعود قادرًا على معرفة نفسه. ثم تنتقل أزمة الهوية من الماء إلى الأسماء. فالاسم الذي يمنح الأشياء والأشخاص ثباتهم يتسلخ، وكأن الحرب لا تقتل المسمّى فقط، بل تجرح نظام التسمية نفسه.

 

الطبيعة بوصفها ضحيةً ثانية

تتسع دائرة الخراب في "دماء لا تنتهي" من الإنسان والمدينة إلى الطبيعة. الحقل يتنفس وحيدًا، وعَبّاد الشمس لا يدور كما كان، والنحلة لا تعرف قفيرها، والضفدع لا يجد ماءه، والمطر يحتبس، والتراب تحترق مسامه، والصحراء تتلاشى، والجبل يبتعد، والنهر يحن إلى منبعه، والحجر يموت.

لا تظهر الطبيعة خلفيةً صامتة للمذبحة، وإنما كائنًا حيًا أصيب باضطراب شامل. يقول المحجوب:

دماءٌ وشجرةٌ تجفُّ أغصانها وهي تكره ذلك.

إضافة "وهي تكره ذلك" تنقل الشجرة من المجال النباتي إلى المجال الشعوري؛ فهي لا تجف فقط، بل تعي جفافها وتقاومه نفسيًا. وقد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تمنح الفناء بعدًا أخلاقيًا: حتى الشجرة لا تقبل ما يحدث لها. ثم يبلغ التشخيص ذروته في قوله:

دماءٌ والكثيب يحفر باحثاً عن بذرته
دماءٌ والحجرُ يموتُ كما لم يفعل من قبل.

الكثيب نفسه يحفر، مع أن الريح هي التي تحرك الرمل، والحجر يموت مع أنه رمز الجماد والبقاء. وإذا وصل الموت إلى الحجر، فقد تجاوز حدود الحياة العضوية وصار خللًا في معنى الوجود. العبارة لا تقول إن الحرب قتلت البشر والحيوانات فقط، بل إنها غيّرت تعريف الموت حتى أصبح الجماد قادرًا على اختباره. وقد تكون هذه الصورة وثيقة الصلة بتكوين المحجوب الباحث في الحضارات واللغات القديمة. فالحجر عند المؤرخ والآثاري حامل للكتابة والذاكرة، وموته يعني ضياع الشاهد نفسه، لا ضياع الكائن الحي وحده.

 

البحر الليبي: من أفق إلى جسد مريض

يحضر البحر في القصيدتين بوصفه عنصرًا مركزيًا. في الأولى لم يعد أحد يسمع صوته، وفي الثانية يصبح فضاءً معتمًا يكاد يتقيأ:

دماءٌ ومرسىً تعوم فيه طحالبٌ وجرذان
دماءٌ وقاربٌ أصابَه الذُّهول فضحكَ ثم شهَقَ
دماءٌ وبحرٌ معتمةٌ أطرافه يكادُ يقيءُ
دماءٌ وجزيرةٌ مسلوخةٌ مثلَ لسانِ ثَوْر.

البحر الذي ارتبط تاريخيًا بالسفر والتبادل والحياة يتحول إلى جسد مريض، فالمرسى لم يعد مكان وصول آمن، والقارب يصاب بالذهول، والجزيرة مسلوخة. حتى الضحك الذي يصدر عن القارب لا يدل على الفرح؛ إنه ضحك الصدمة الذي ينتهي بشهقة.

ويمكن قراءة البحر أيضًا بوصفه ذاكرة ليبيا المتوسطية؛ فإسكات صوته أو دفعه إلى القيء يعنيان أن الحرب لا تدمر الحاضر فحسب، بل تقطع المكان عن صورته الحضارية وعن انفتاحه القديم على العالم.

 

السريالية ليست هروبًا من الواقع

تكثر في القصيدتين الصور المستحيلة: ظل يختبئ وحده، جندي يبحث عن رأسه، قارب يضحك ويشهق، مطر يدرس نظرية الألوان ويصدر بيانًا، جبل يبتعد، وَعْلٌ لا يثق بالقمر، وأساطير تتحول إلى أفواه كبيرة.

قد توصف هذه الصور بالسريالية، لكن سريالية المحجوب ليست تمرينًا حرًا على الخيال. إنها تنشأ من واقع فقد منطقه. حين يصبح قتل المدنيين وتدمير المدن أمرًا عاديًا، لا تعود اللغة الواقعية المباشرة كافية، لأن الواقع نفسه صار أكثر غرابة من الخيال. ومن أجمل أمثلة ذلك قوله:

دماءٌ والمطرُ احتبس يدرسُ نظريّةَ الألوان
دماءٌ والمطرُ يخترعُ سحابةً نائية
دماءٌ والمطرُ يصدر مانفيستو.

يتحول المطر إلى فنان ومفكر وثائر. يدرس الألوان لأن لونه الطبيعي اختلط بلون الدم، ويخترع سحابة بعيدة ربما هربًا من الأرض، ثم يصدر بيانًا احتجاجيًا. وفي الوقت نفسه تسخر الصورة من البيانات السياسية والثقافية التي تتكاثر بينما يستمر النزيف. حتى المطر أصدر "مانفيستو"، لكن الدماء لا تتوقف.

 

اللغة الجادة واللغة الساخرة

لا يلتزم المحجوب مستوى لغويًا واحدًا؛ فهو يجاور بين العبارة الفلسفية والمصطلح الطبي، وبين الصورة الغنائية والتعبير اليومي، وبين الفصحى وعبارة المحادثة:

دماءٌ وشمسٌ تشرق أو تغيب، يمكن إيه يمكن لا.

ينقطع النسق الشعري الفصيح فجأة بعبارة تبدو مرتجلة أو ساخرة. وهذا الانخفاض المتعمد في مستوى اللغة يعكس انهيار اليقين. حتى شروق الشمس وغروبها، وهما من أكثر الظواهر الطبيعية ثباتًا، أصبحا موضع تردد: يمكن أن يحدثا، ويمكن ألا يحدثا.

كما يقول:

دماءٌ ويومٌ كباقي الأيام معتادٌ جداً
دماءٌ ووقتٌ بعضه سهلٌ، معظمه مدخَّن جداً.

تدخل مفردة "مدخن" في وصف الوقت، فتجعله كثيفًا ومختنقًا وربما محترقًا. اللغة لا تبحث عن النقاء البلاغي، وإنما تلتقط مفرداتها من الشارع والمستشفى والمقهى والشاشة والكتاب. وهذه الهجنة جزء من رؤيتها؛ فالحرب نفسها لا تحترم الفواصل بين العالي واليومي، أو بين المأساوي والمبتذل.

 

أزمة الفن أمام الدم

تتوقف القصيدة عند الفنون والوسائط الثقافية مرارًا:

دماءٌ وفيلم الكلب الأندلسي بملصق جديد
دماءٌ ولوحة أكواريل تسيل وتسيل وتسيل
دماءٌ وشعراءٌ ونقّاد وأصوات أخرى مصابة بالحَبْسَة.

تحيل صورة "الكلب الأندلسي" إلى الفيلم السريالي الشهير المرتبط بالصدمة البصرية، وكأن الواقع يعيد إصدار السريالية بملصق جديد. لكن ما كان صدمة فنية في الفيلم أصبح خبرًا يوميًا في الحرب. أما لوحة الألوان المائية التي "تسيل وتسيل وتسيل" فتجمع بين سيلان اللون وسيلان الدم. الفن يحاول تمثيل المذبحة، لكنه قد يتحول هو نفسه إلى سطح نازف. ويكشف التكرار الثلاثي للفعل أن الصورة لا تثبت؛ فالألوان تستمر في الانحدار ولا تكتمل اللوحة.

ثم يواجه الشاعر موقع الشعر والنقد مواجهة ساخرة: الشعراء والنقاد مصابون بالحبسة، أي إنهم عاجزون عن الكلام. ليست المشكلة غياب اللغة، بل فقدان القدرة على استخدامها أمام الإفراط في العنف. وقد تكون القصيدة نفسها محاولة للخروج من هذه الحبسة، لكنها لا تدّعي القدرة على تفسير الكارثة أو إنهائها. كل ما تستطيع فعله هو إعادة ترتيب شظاياها بطريقة تمنعها من التحول إلى خبر عابر.

 

ما بعد الإنسان في زمن الميليشيا

تستخدم "قصائد الحرب" تعبير "شعب الزومبي":

بعد كل هؤلاء الآلهة الدمويين
يتهيّأ شعبُ الزومبي
للخروج من تحت الأنقاض.

الآلهة الدمويون قد يكونون زعماء الحرب أو الميليشيات أو الأفكار التي يُقتل الناس باسمها. إنهم جمع، لأن الحرب لا تعترف بإله دموي واحد، بل تنتج آلهة متنافسة يطالب كل منها بحصته من الضحايا. أما الخارجون من تحت الأنقاض فليسوا أحياء بالمعنى الكامل ولا موتى بالمعنى الكامل؛ إنهم "زومبي". تستعير القصيدة صورة من الثقافة الشعبية لتصف مجتمعًا استُنزفت حياته، لكنه يواصل الحركة. وهو وصف يتجاوز الإصابة الجسدية إلى الموت النفسي والاجتماعي.

ومن هذه الزاوية، لا تكون نهاية الحرب عودة آلية إلى الحياة؛ فالناجون يحملون الحرب داخلهم، ويخرجون من الأنقاض بأجساد حية وذاكرات ميتة، أو بأجساد جريحة ووعي يعمل بصورة آلية. إنهم الدليل على أن عدد القتلى لا يساوي الحجم الحقيقي للخسارة.

 

ضد البطولة الزائفة

لا يظهر في القصيدتين بطل حربي تقليدي. الجندي مقطوع اليدين يبحث عن رأسه، والميليشياوي لم يكن حيًا، والراقص يفشل في تفادي اللغم، والطفل يتبع قطة، والكهل يخاطب جيرانه الموتى. تختفي البطولة لتحل محلها هشاشة الإنسان. وحتى حين يقول بائع البوخا لجيرانه الموتى إنهم كان يمكن أن يختبئوا في برميل، فإن النص لا يقدم حكمة للنجاة، بل مفارقة عبثية. برميل الخمر الذي يرتبط بالاحتفال أو النشوة يصبح مخبأً متخيلًا من الموت، والنصيحة لا تصل إلا بعد وفاة المخاطبين.

بهذا ترفض القصيدة خطاب الحرب الذي يمنح الموت معنىً بطوليًا؛ فالضحايا لم يموتوا في مشاهد ملحمية؛ بل ماتوا في المقاهي والبيوت والمدارس والشوارع، أو وَهُم يبحثون عن أمهاتهم ويعدون القهوة ويحملون أكوابهم.

إن إنزال الموت من منصة البطولة إلى تفاصيل الحياة اليومية لا يقلل من قيمة الضحايا، وإنما يعيد إليهم إنسانيتهم؛ فقيمتهم لا تأتي من الطريقة التي ماتوا بها، بل من الحياة العادية التي سُلبت منهم.

 

من الدم الحقيقي إلى الدم بوصفه بنية

لا تشير "الدماء" في القصيدة إلى السائل الجسدي وحده. إنها تتحول بالتكرار إلى بنية تربط الموجودات كلها؛ فهناك دماء في المدينة والحديقة والبحر والصحراء والكتب والأغاني والأخبار والأساطير، ولا يعني ذلك أن الدم يغطيها حرفيًا جميعًا، بل إن الحرب غيّرت طريقة رؤيتها.

بعد انتشار الموت لا يعود بالإمكان رؤية الأرجوحة بوصفها لعبة فقط بينما يظهر معها الطفل الغائب. ولا تعود القهوة مشروبًا يوميًا بينما تستحضر الأم التي توقفت عن إعدادها. ولا يعود الحقل مساحة للزراعة بينما يصبح كائنًا متروكًا يتنفس وحده. لقد أصبح الدم وسيطًا للإدراك. ومن هنا تأتي خطورة عنوان "دماء لا تنتهي"، فالذي لا ينتهي ليس النزيف المادي وحده، بل أثره في الوعي. حتى إذا جف الدم على الرصيف، تظل العين تراه في الأشياء المحيطة.

 

نهاية ترفض أن تكون نهاية

تصل القصيدة إلى خاتمتها بعد سلسلة طويلة من الصور:

دماءٌ.. هل هي مثل كلّ الدماء؟
دماءٌ لا تنتهي، فعلاً لا تنتهي
دماءٌ تأتي ودماءٌ تذهب
دماءٌ تذهب ودماءٌ تأتي.

يأتي السؤال متأخرًا: هل هذه الدماء مثل كل الدماء؟ من الناحية الجسدية قد تتشابه الدماء، لكن لكل دم مسفوح اسم وقصة وعلاقات. وهنا تواجه القصيدة خطرين متعارضين: أن تتحول الدماء إلى كتلة مجهولة، وأن تُستخدم الفروق بين الضحايا لتبرير دم بعضهم.

أما التبادل في السطرين الأخيرين فلا ينتج حركة إلى الأمام. تأتي الدماء وتذهب، ثم تذهب وتأتي. يتغير ترتيب الفعلين، لكن النتيجة واحدة. إنها حركة دائرية تلغي مفهوم النهاية، وتجعل خاتمة القصيدة عودةً إلى بدايتها. ولهذا لا تنتهي القصيدة فنيًا بقدر ما تتوقف. لا توجد خلاصة أو حكمة أو وعد بالخلاص. فكل خاتمة حاسمة ستكون خيانة لبنية النزيف الذي تريد القصيدة تمثيله.

 

شعرية الحرب لا قصيدة المناسبة

تكمن قيمة هذين النصين في أن عبد المنعم المحجوب لا يكتب قصيدة مناسبة عن معركة بعينها، رغم تثبيته اسم طرابلس وتاريخ 23 مايو 2017. إنه يبدأ من لحظة ليبية محددة، ثم يفتحها على معنى إنساني أوسع. فالحرب لديه ليست خبرًا سياسيًا، وإنما انقلاب في علاقة الإنسان بجسده ومكانه ولغته. وتتميز هذه الشعرية بجملة من السمات المتضافرة: التشظي، والتكرار، والسخرية السوداء، والتشخيص، والصورة السريالية، ومزج مستويات اللغة، وإدخال التفاصيل الاستهلاكية والتقنية في النسيج الشعري. إلا أن هذه الأدوات لا تعمل منفصلة؛ إنها جميعًا محاولات للعثور على شكل فني يوازي واقعًا فقد شكله.

في "قصائد الحرب" تتفتت القصيدة إلى ومضات، لأن الانفجار فتت العالم. وفي "دماء لا تنتهي" تتراكم الأسطر بلا توقف، لأن النزيف لا يمنح القارئ فرصة لالتقاط أنفاسه. الأولى قصيدة الشظية، والثانية قصيدة السيلان. وبين الشظية والسيلان يرسم المحجوب وجه الحرب: لحظةً خاطفة تمزق الجسد، وزمنًا طويلًا يستمر فيه نزفه.

ولا يرفع الشاعر صوته بخطابة مباشرة، بل يترك المفارقة تؤدي عملها. يقول إننا متنا "كما نفعل دائمًا"، وإن المدينة استعادت عافيتها بينما أصوات موتاها تضج من الحطام، وإن الميليشياوي تذكر بعد موته أنه لم يكن حيًا. هذه الجمل تفضح عبث الحرب بقدر أكبر مما يمكن أن تفعله الإدانة المباشرة.

 

القصيدة بوصفها مقاومةً للاعتياد

المعركة الأساسية في هذين النصين ليست بين جيشين، بل بين الذاكرة والنسيان، وبين حساسية الإنسان وقدرته المخيفة على التكيف مع المذبحة؛ فحين تتكرر صور القتلى، قد يتحول الموت إلى رقم، وحين تتكرر الأخبار، قد تفقد اللغة قدرتها على الإدهاش. لذلك تعيد القصيدة تركيب الواقع بصورة تمنعنا من المرور به بلا انتباه: الرصاصة لا تصل، والظل يهرب، والأطراف الصناعية ترتعش، والبحر يتقيأ، والمطر يكتب بيانًا، والحجر يموت. وكل هذه الانحرافات عن المنطق تعيد إلى الكارثة غرابتها التي سلبها منها التكرار الإعلامي. وكأن المحجوب يقول إن استعادة المعنى تتطلب أولًا كسر اللغة التي تعودت على الموت.

هذه القصيدة لا تمنح القارئ طمأنينة أخلاقية سهلة، فليست هناك ذات شاعرية تقف خارج الدمار وتعلن براءتها. المتكلم نفسه يختبئ وينفصل عن ظله ويحلم أنه بلا رأس. إنه جزء من العالم الجريح، لا شاهد محصّن عليه. وفي هذه النقطة تحديدًا تبرز قوة شعرية الحرب عند عبد المنعم المحجوب. فهو لا يحوّل آلام الآخرين إلى مشهد للفرجة، بل يسمح للحرب بأن تصيب بنية صوته وصوره وجمله حيث تتشظى القصيدة لأن الذات تشظت، ويتكرر الدم لأن الوعي لم يعد يستطيع رؤية شيء بمعزل عنه.

 

خاتمة: حين تموت الأسماء

تكشف قصيدتا "قصائد الحرب" و"دماء لا تنتهي" وجهًا مهمًا من تجربة عبد المنعم المحجوب، هو وجه الشاعر الذي يحمل أسئلة الباحث والفيلسوف إلى قلب الكارثة، ثم يتركها هناك من دون إجابات جاهزة. لا يسأل فقط من بدأ الحرب أو من سينتصر فيها، بل يسأل ضمنيًا: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد رأسه وظله وبيته واسمه؟ وماذا يبقى من المدينة حين يصمت بحرها وتخرج أصوات أهلها من الحطام؟ وماذا يبقى من اللغة حين تصبح الدماء أكثر الكلمات قابلية للتكرار؟

الحرب عنده لا تقتل البشر فحسب؛ إنها تميت الحجر، وتشوّش ذاكرة النحلة، وتبعد الجبل، وتفقد الماء هويته، وتمنع النجوم من دلالة المسافرين. إنها عدوان على شبكة العلاقات التي تجعل العالم قابلًا للسكن والفهم.

لكن القصيدة، على قتامتها، تمثل فعل مقاومة. إنها تجمع ما بعثرته الحرب، لا لتعيده إلى صورته السابقة، فهذا لم يعد ممكنًا، بل لتحفظ أسماء الأشياء التي أوشكت على التسلخ. الطفل، والأم، والقهوة، والأرجوحة، والقارب، والشجرة، والحقل، والجبل، والمطر، والحجر؛ تعبر كلها في القصيدة محاطة بالدماء، لكنها تظل مسماة.

وما دامت القصيدة قادرة على تسمية الضحية، ووصف ارتعاشة الطرف الصناعي، وسماع النداءات الخارجة من حطام المقهى، فإن الموت لم ينجح تمامًا في تحويل البشر إلى أرقام.

قد لا تستطيع اللغة إيقاف الحرب، لكنها تستطيع أن تمنع الحرب من امتلاك الرواية الأخيرة.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق