اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

الإخوة كارامازوف: من قتل الأب فعلًا؟ ولماذا يبدو الجميع مذنبًا؟

غرفة روسية قاتمة فيها كرسي فارغ ونقود وثلاثة رجال في الظلال في صورة مستوحاة من الإخوة كارامازوف
صورة توضيحية أصلية مستوحاة من سؤال الجريمة والذنب في رواية "الإخوة كارامازوف".
القاتل واحد، لكن دوستويفسكي يبني رواية تجعل الرغبة والصمت والفكرة والعدالة نفسها شركاء في جريمة لا يستطيع الحكم القضائي أن يفسرها كاملة.

من قتل فيودور بافلوفيتش كارامازوف؟

لو كانت "الإخوة كارامازوف" رواية بوليسية بالمعنى المعتاد، لكان هذا هو اللغز الذي ينبغي الاحتفاظ بحله حتى الصفحات الأخيرة. لكن دوستويفسكي يفعل شيئًا أكثر إزعاجًا. إنه يسمح لنا بأن نعرف القاتل، ثم يتركنا أمام سؤال أصعب بكثير: إذا كان شخص واحد قد نفذ الجريمة بيديه، فلماذا يبدو كأن البيت كله كان ينتظر موت الأب؟

الجواب المباشر هو أن بافل سميردياكوف هو الذي قتل فيودور بافلوفيتش وسرق المال، وهو يعترف بذلك لإيفان كارامازوف. دميتري، الذي تتجمع حوله الأدلة ويُدان في المحكمة، لم يقتل أباه. لكن الرواية لا تساوي بين براءة دميتري القانونية وبراءة الجميع أخلاقيًا؛ فهي تجعل الجريمة نتيجة شبكة من الكراهية والرغبة والصمت والأفكار التي سبقتها.

وهنا يصبح عنوان الرواية نفسه أكثر دلالة. نحن لا نقرأ قصة قاتل واحد بقدر ما ندخل إلى أسرة يستطيع كل فرد فيها أن يجد سببًا ليكره الأب، وأن يتخيل غيابه، وأن يقنع نفسه في لحظة ما بأن العالم ربما سيكون أفضل من دونه.

الجريمة محسومة في النص، فلماذا نظل نسأل من قتل الأب؟

نشرت "الإخوة كارامازوف" في حلقات بين عامي 1879 و1880، وكانت آخر رواية أكملها دوستويفسكي قبل وفاته في مطلع عام 1881. عنوانها الروسي "Братья Карамазовы" يعني ببساطة "الإخوة كارامازوف"، لكنها سرعان ما تتحول من تاريخ أسرة مضطربة إلى محاكمة واسعة لفكرة المسؤولية نفسها.

في مركز الحكاية يقف فيودور بافلوفيتش، الأب الذي يصعب على أبنائه احترامه. رجل شهواني، ساخر، مهمل لأبوته، شديد التعلق بالمال والملذات، وقد ترك أبناءه في طفولتهم ليكبروا بعيدًا عنه. يعودون إليه رجالًا، لكن العودة لا تعيد بناء الأسرة. إنها تجمع مادة قابلة للانفجار.

دميتري، الابن الأكبر، في صراع معه حول المال وحول غروشينكا. إيفان يعيش تمردًا فكريًا وأخلاقيًا يتجاوز خلافه الشخصي مع الأب. أليوشا يحاول أن يحافظ على شيء من الرحمة وسط بيت يتداعى. وفي الهامش الظاهر، لكنه في قلب المأساة، يقف سميردياكوف: الخادم الذي تشير الرواية بقوة إلى أنه الابن غير الشرعي لفيودور بافلوفيتش.

حين يقع القتل، تبدو القضية جاهزة تقريبًا ضد دميتري. كان يهدد أباه علنًا. كان يحتاج إلى المال. كان يعرف بوجود ثلاثة آلاف روبل في ظرف أعده الأب لغروشينكا. دخل حديقة المنزل ليلة الجريمة، وكان في حالة اضطراب شديد، ثم ظهر بعد ذلك ومعه مبلغ من المال. والأسوأ أنه كان قد عبّر مرارًا عن غضبه ورغبته في إيذاء أبيه.

هذا النوع من الأدلة هو حلم أي اتهام: دافع، وتهديدات، ومال، وسلوك متهور، ووجود قرب مكان الجريمة.

المشكلة الوحيدة أن المتهم لم يفعلها.

هنا يقلب دوستويفسكي وظيفة الرواية البوليسية. بدل أن نبدأ ببراءة ظاهرية ثم نكتشف الذنب المخفي، نبدأ بذنب يبدو واضحًا ثم نكتشف أن الحقيقة القانونية لا تتطابق مع الحقيقة النفسية التي بناها الجميع في أذهانهم.


دميتري: الرجل الذي أراد الجريمة ولم يرتكبها

لا يحتاج الادعاء إلى اختراع شخصية أخرى لدميتري. الرجل نفسه قدّم للآخرين معظم المواد التي ستستخدم ضده.

هو سريع الغضب، مندفع، مسرف، ممزق بين الحب والغيرة والعار، وعلاقته بأبيه وصلت إلى درجة من الكراهية تجعله قادرًا على التلفظ بما سيدفع ثمنه لاحقًا. يبحث بجنون عن ثلاثة آلاف روبل. يرى في أبيه خصمًا ماليًا وغريمًا عاطفيًا في الوقت نفسه. وفي لحظات الغضب لا يخفي رغبته في تحطيمه.

لكن دوستويفسكي يرسم خطًا دقيقًا بين الرغبة والفعل.

دميتري يصل بالفعل إلى منزل أبيه ليلة الجريمة. إنه قريب من اللحظة التي كان يمكن أن يصبح فيها قاتلًا. غير أنه لا يقتل فيودور بافلوفيتش. وفي أثناء هروبه يضرب الخادم غريغوري ضربة خطيرة، ثم يعود إليه لأنه يخشى أن يكون قد قتله. هذه العودة القصيرة مهمة لأنها تكشف التناقض في الشخصية: الرجل قادر على العنف، لكنه ليس الآلة الإجرامية البسيطة التي تحتاجها قصة الاتهام.

لاحقًا يعترف بأنه كان يريد قتل أبيه، ويقبل فكرة أنه مذنب بأشياء كثيرة، لكنه يصر على أمر محدد: دم أبيه ليس على يديه.

وهذه إحدى أكثر المفارقات قسوة في الرواية. المجتمع لا يعاقبه على الرغبة التي يعترف بها، بل على الفعل الوحيد الذي لم يرتكبه.

التمييز بين النية والفعل يبدو واضحًا في القانون، لكنه أقل وضوحًا داخل الضمير. دميتري نفسه لا يستطيع ببساطة أن يقول: أنا بريء، وينتهي الأمر. يعرف أنه ساهم في صنع المناخ الذي جعل الاتهام معقولًا، وأن حياته السابقة تقف في قاعة المحكمة معه.

بهذا المعنى، تشبه محاكمته السؤال الذي طرحناه في قراءة "المسخ" لكافكا: لماذا تحول غريغور سامسا إلى حشرة؟؛ ففي العملين توجد فجوة بين ما يراه المجتمع على السطح وما يجري بالفعل داخل الإنسان. غير أن دوستويفسكي يجعل هذه الفجوة مسألة حياة أو سجن: المجتمع يرى شخصية دميتري القديمة، ثم يحاكم الجريمة من خلالها.

سميردياكوف: القاتل الذي عرف كيف يستعمل قاتلًا آخر لم يقتل

المنفذ الحقيقي هو سميردياكوف، وهذه ليست فرضية نقدية ولا حلًا حديثًا أعيد تركيبه من القرائن. الرواية تجعله يعترف لإيفان.

بل إن اعترافه يزيل أهم غموض في الجريمة: دميتري بريء من قتل الأب.

سميردياكوف يعرف تفاصيل المنزل التي لا يعرفها الغرباء، ويعرف الإشارات التي يستخدمها فيودور بافلوفيتش لفتح الباب إذا جاءت غروشينكا، ويعرف مكان المال. كما يعرف شيئًا أكثر قيمة من كل ذلك: يعرف دميتري.

إنه يدرك أن الابن الأكبر يهدد أباه، وأن الجميع يتوقعون انفجاره في أي لحظة. وجود دميتري حول البيت لا يهدد خطة القاتل فقط؛ يمكن أن يتحول إلى جزء منها. فكل أثر يتركه الرجل الغاضب يزيد استعداد الآخرين لتصديق أنه القاتل.

هذه نقطة تجعل الجريمة أكثر خبثًا مما تبدو عليه. سميردياكوف لا يحتاج إلى صنع متهم بريء من الصفر. هناك متهم جاهز صنع نفسه طوال الأشهر السابقة.

ولهذا تصبح الثلاثة آلاف روبل عنصرًا مركزيًا. يعرف دميتري أن أباه يحتفظ بهذا المبلغ في ظرف لغروشينكا، ويبحث هو نفسه عن ثلاثة آلاف للخروج من أزمته مع كاترينا إيفانوفنا. وعندما يظهر لاحقًا ومعه المال، تلتصق القطع بعضها ببعض في ذهن المحققين.

لكن المال الذي مع دميتري ليس مال أبيه. إنه الجزء الذي احتفظ به من مبلغ سابق كانت كاترينا قد ائتمنته عليه، وهي حقيقة يخفيها لأنه يعد طريقة احتفاظه بالمبلغ عارًا أخلاقيًا في حقها.

وهكذا يصبح العار الشخصي دليلًا جنائيًا. يخفي دميتري حقيقة يمكن أن تنقذه لأنه يشعر بالخزي منها، فيساعد بصمته على بناء القضية ضده.

دوستويفسكي هنا لا يحتاج إلى مؤامرة قضائية سرية. يكفي أن تكون الحقائق موزعة على أشخاص لا يستطيعون قولها في الوقت المناسب، وأن يحمل كل واحد منهم سببًا مختلفًا للصمت.

لكن سميردياكوف يقول لإيفان: أنت القاتل الحقيقي

لو توقفت الرواية عند اعتراف سميردياكوف، لتحولت المسألة إلى تصحيح خطأ قضائي: القاتل هو الخادم، والمتهم بريء، وانتهى اللغز.

لكن الاعتراف نفسه يفتح بابًا جديدًا.

سميردياكوف لا يقدم نفسه لإيفان باعتباره مجرمًا تصرف وحده. إنه يضع إيفان داخل الجريمة، ويصر على أن القتل تم بمساعدته، وأنه لم يكن سوى الأداة التي نفذت ما فهمه من أفكاره وإشاراته.

هذه هي اللحظة التي يصبح فيها السؤال الفلسفي خطرًا ماديًا.

إيفان ليس رجلًا يأمر سميردياكوف بقتل أبيه. لا توجد مؤامرة بالمفهوم الجنائي التقليدي، ولا تعليمات مباشرة، ولا اتفاق مكتوب أو شفهي يمكن تقديمه إلى المحكمة. ولهذا سيكون من الخطأ القول ببساطة إن إيفان هو القاتل بالمعنى القانوني.

لكن سميردياكوف يستمع إليه طويلًا. يسمع أفكاره عن الأخلاق والدين والحرية، ويفهم منها أن سقوط الأساس المطلق للأخلاق يمكن أن يفتح الباب أمام فكرة أن كل شيء يصبح مباحًا. ثم يراقب رغبة إيفان في مغادرة المكان في الوقت المناسب، وكأنه يقرأ في الرحيل سماحًا لم ينطق به صاحبه.

سميردياكوف يفعل هنا ما يفعله المتطرف بالأفكار كثيرًا: لا يستقبلها بوصفها سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا، بل يحولها إلى إذن بالفعل.

وهذا لا يجعل صاحب الفكرة مسؤولًا آليًا عن كل من يسيء استخدامها. لو قال دوستويفسكي ذلك لتحولت الرواية إلى موعظة بسيطة ضد التفكير. لكنها تفعل شيئًا أدق: تسأل ماذا يحدث حين يقول الإنسان فكرة خطرة أمام شخص يعرف أنه ينتظر منها تبريرًا، ثم يبتعد عن النتائج وكأن الكلمات لا تترك أثرًا.

إيفان يدرك بالتدريج أن سميردياكوف لم يسمع نقاشًا فلسفيًا مجردًا. لقد سمع موافقة.

ومن هنا ينشأ عذابه الحقيقي. ليس لأنه أمسك أداة الجريمة، بل لأنه لا يستطيع أن يثبت لنفسه أنه كان بريئًا تمامًا من الرغبة التي استغلها القاتل.

هل إيفان مذنب إذن؟ الفرق بين المسؤولية والجريمة

ينبغي هنا مقاومة إغراء الجواب السريع.

قانونيًا، لا تضع الرواية إيفان في موقع سميردياكوف. سميردياكوف هو الذي ينفذ القتل، ويأخذ المال، ثم يعترف بما فعل. أما إيفان فلم يصدر أمرًا مباشرًا بالقتل.

أخلاقيًا، الأمر أعقد.

إيفان يعرف فساد أبيه. يعرف عداء دميتري له. ويعرف غرابة سميردياكوف واهتمامه بأفكاره. وقبل الجريمة يغادر، بينما يستطيع القارئ أن يشعر بأن المغادرة نفسها تحمل رغبة في ألا يكون موجودًا عندما يقع ما يخشاه وربما يتمناه في جزء دفين من نفسه.

هناك فرق هائل بين أن ترغب في اختفاء شخص وبين أن تقتله. الرواية لا تلغي هذا الفرق، لكنها تمنعنا من الاحتماء به بسهولة.

فالإنسان لا يعيش فقط في المنطقة التي يستطيع القانون إثباتها. هناك منطقة أخرى من التواطؤ الداخلي: أن تريد النتيجة من غير أن تريد الاعتراف بأنك تريدها، أن تسمح للظروف بأن تتحرك، وأن تكتشف لاحقًا أن شخصًا آخر أخذ رغبتك المضمرة بجدية أكبر مما فعلت أنت.

لهذا لا يصبح انهيار إيفان مجرد عقوبة روائية. إنه تصادم بين صورتين لنفسه: المفكر الذي كان يختبر حدود الأفكار، والابن الذي اكتشف أن الفكرة دخلت بيت أبيه وتحولت إلى جثة.

هذه المسافة بين النظرية والنتيجة هي التي تجعل إيفان واحدًا من أهم شخصيات الرواية. وفي سياق مختلف تمامًا، يقترب السؤال من القضية التي ناقشناها في "1984" لجورج أورويل: هل تنبأت الرواية فعلًا بعالم المراقبة الذي نعيش فيه؟؛ فالأفكار في الروايتين لا تبقى معلقة في فضاء نظري، بل تتحول حين تدخل المؤسسات أو عقول الآخرين إلى وسائل قادرة على تغيير حياة البشر.

وأين يقف أليوشا في دائرة الذنب؟

يبدو أليوشا للوهلة الأولى أبعد الإخوة عن الجريمة. إنه لا يريد المال، ولا ينافس الأب على امرأة، ولا يبني تمرده على إنكار النظام الأخلاقي. علاقته بالعالم تمر عبر التعاطف والإيمان ومحاولة الإصغاء.

فهل هو بريء تمامًا؟

من الناحية الجنائية، بالتأكيد. حتى تحميله مسؤولية أخلاقية مباشرة عن الجريمة سيكون تعسفًا.

لكن دوستويفسكي يبني حول الشيخ زوسيما وأليوشا تصورًا أوسع للمسؤولية الإنسانية: الإنسان ليس جزيرة أخلاقية يستطيع أن يقول فيها إن خطايا الآخرين لا تعنيه ما دام لم يرتكبها بيده.

هذه الفكرة لا تعني أن الجميع مذنبون بالدرجة نفسها، ولا أن الضحية والقاتل متساويان، ولا أن الحدود القانونية ينبغي أن تختفي. معناها أقرب إلى أن حياة الإنسان تدخل في حياة الآخرين بطرق لا يستطيع قياسها بالكامل.

أليوشا يرى الكارثة تقترب. يشعر بالتوتر بين الأب ودميتري. يحاول الوساطة، لكنه لا يستطيع إنقاذ الأسرة. وهذا العجز ليس جريمة، إلا أنه يمنعه من الوقوف خارج المأساة بوصفه متفرجًا نقيًا.

الأسرة كلها فشلت قبل أن يقع القتل بوقت طويل. الأب فشل بوصفه أبًا. الأبناء عادوا إلى بيت لم يتعلم كيف يكون بيتًا. والروابط التي كان يفترض أن تحمل شيئًا من الثقة استبدلت بالمال والغيرة والإهانة والانتقام.

الجثة تأتي في النهاية، لكن موت الأسرة أقدم منها.

الأب ضحية، لكنه ليس بريئًا من تاريخ الأسرة

توجد مشكلة أخلاقية أخرى يستطيع العنوان المثير أن يخفيها بسهولة: فيودور بافلوفيتش قُتل، وهذه الحقيقة لا تصبح أقل خطورة لأن الرواية تصوره بصورة منفرة.

من السهل أن يقع القارئ في الفخ نفسه الذي تقع فيه بعض الشخصيات: هذا أب سيئ، إذن موته مفهوم، وربما مستحق.

لكن الرواية ترفض هذا الاختصار أيضًا.

أن يكون الرجل أبًا سيئًا لا يمنح أبناءه حق قتله. وفي الوقت نفسه، كون القتل جريمة لا يمحو تاريخ الأبوة الذي سبقها. العدالة القانونية تستطيع أن تسأل: من ضرب الضحية؟ لكنها لا تستطيع وحدها أن تعيد كتابة عشرات السنوات التي صنعت تلك الليلة.

لقد أهمل فيودور أبناءه، وأدار علاقاته معهم بالمال والاستهزاء والمصلحة، ودخل مع دميتري في منافسة مهينة حول غروشينكا. وحتى سميردياكوف يعيش في المنزل في وضع ملتبس ومهين، قريبًا من الرجل الذي يرجح أنه أبوه، لكنه يُعامل خادمًا.

هذه الظروف لا تبرر القتل، لكنها تفسر لماذا استطاعت فكرة قتل الأب أن تجد أكثر من عقل تستقر فيه.

وهنا تختلف "الإخوة كارامازوف" عن الحكاية الأخلاقية التي توزع الشخصيات إلى أشرار وأبرياء. هناك قاتل حقيقي، لكن وجود القاتل لا يعفي بقية الشخصيات من مواجهة ما فعلته قبل أن يرفع يده.

المحكمة تبحث عن قصة بسيطة

يبلغ بناء دوستويفسكي ذروة ساخرة وقاسية في المحاكمة.

المحكمة تملك كثيرًا من الحقائق. لكنها ترتب الحقائق ترتيبًا خاطئًا.

هذه نقطة أكثر إثارة من فكرة أن القضاء أعمى أو فاسد. المحققون ليسوا مجموعة حمقى، والأدلة ضد دميتري ليست هزلية. لو عرفنا فقط ما يعرفه معظم شهود القضية، لكان الاشتباه فيه منطقيًا جدًا.

لقد هدد أباه. دخل المكان. احتاج إلى ثلاثة آلاف روبل. خرج ومعه مال. ضرب غريغوري. تصرف بعد ذلك بطريقة تبدو لإنسان من الخارج كأنها انفجار رجل ارتكب جريمة ثم ذهب لينفق غنيمته.

المشكلة أن قصة منطقية جدًا يمكن أن تكون خاطئة.

وهذه إحدى أخطر أفكار المحاكمة في الرواية: الحقائق لا تتحدث بنفسها. البشر يرتبونها في سردية.

الادعاء لديه سردية، والدفاع لديه سردية، والشهود يدخلون قاعة المحكمة وهم يحملون ذكرياتهم وأهواءهم ومخاوفهم. ومن هذه المواد يصنع الجميع شخصية اسمها "دميتري القاتل".

في النهاية يُدان الرجل الذي أراد قتل أبيه لكنه لم يقتله، بينما يكون الرجل الذي قتله بالفعل قد خرج من نطاق المحاكمة.

إنها ليست مفارقة بوليسية فقط، بل سؤال عن المعرفة: كم مرة نعتقد أننا عرفنا الإنسان لأن الوقائع التي أمامنا رتبت نفسها في قصة تبدو مقنعة؟

وهذا أيضًا ما يجعل المقالة قريبة من سؤال "مزرعة الحيوان": من ترمز إليه الشخصيات ولماذا تنتهي الثورة إلى ما بدأت ضده؟؛ فالسرد الذي ينجح في السيطرة على تفسير الوقائع يستطيع أن يصبح أقوى من الواقعة نفسها. عند أورويل تعمل هذه الآلية سياسيًا، وعند دوستويفسكي تظهر داخل المحكمة والضمير والأسرة.

ثلاثة أنواع من الذنب في جريمة واحدة

يمكن فهم المأساة بصورة أوضح إذا رفضنا استخدام كلمة "مذنب" بمعنى واحد.

هناك أولًا الذنب الجنائي. وفي هذا المستوى الجواب واضح: سميردياكوف هو القاتل.

وهناك الذنب القَصدي أو النفسي. دميتري تخيل قتل أبيه، هدد به، واقترب منه في لحظة غضب قادرة على التحول إلى فعل. لكنه لم يعبر الخط النهائي.

ثم هناك الذنب الأخلاقي الذي يطارد إيفان: هل يستطيع الإنسان أن يبرئ نفسه تمامًا حين يسمح لفكرة ورغبة بأن تنضجا أمام شخص آخر، ثم يتظاهر بأنه لم يفهم إلى أين يمكن أن تقودا؟

هذه المستويات ليست متساوية. قتل إنسان ليس مثل التفكير في موته. والتهديد ليس مثل التنفيذ. والصمت ليس مثل الضربة القاتلة.

قوة الرواية تأتي تحديدًا من أنها لا تخلط بينها، لكنها لا تسمح لنا أيضًا بإغلاق الأبواب بينها.

سميردياكوف مسؤول عن قراره وعن يده. لا يستطيع أن يمحو مسؤوليته بالقول إن إيفان ألهمه. وإيفان، في المقابل، لا يستطيع التخلص من أزمته الداخلية بمجرد أن يقول إنه لم يصدر أمرًا بالقتل. ودميتري لا يصبح قديسًا لأن تهمة القتل كاذبة؛ فهو يعرف أن في داخله عنفًا كان يمكن أن يقوده إلى النتيجة نفسها.

أما القارئ فيجد نفسه أمام مأزق لا تحله المحكمة: كيف نحاسب النية؟ ومتى تصبح اللامبالاة مشاركة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يكون بريئًا من فعل ومذنبًا تجاهه في الوقت نفسه بمعنى آخر؟

لماذا يبدو الجميع مذنبًا؟

لأن دوستويفسكي لا يبني الجريمة من لحظة واحدة.

لو كانت البداية الحقيقية هي الضربة التي قتلت فيودور بافلوفيتش، لكان سميردياكوف وحده كافيًا لتفسير كل شيء. لكن الرواية تعود بنا باستمرار إلى ما سبق الضربة: أب أهمل أبناءه، ميراث مسموم، رغبة متنافسة، إهانات، أفكار عن الحرية، صمت، غيرة، وعائلة لا يعرف أفرادها كيف يحب بعضهم بعضًا من دون أن يجرحوا بعضهم.

الجريمة بهذا المعنى ليست نيزكًا يسقط فجأة على بيت كارامازوف. إنها آخر حدث مرئي في تاريخ طويل من التفكك.

ولهذا يبدو كل واحد قريبًا منها بطريقة مختلفة.

دميتري أعطاها صورة القاتل المتوقع.

إيفان أعطاها لغة تستطيع أن تجد فيها تبريرًا.

سميردياكوف أعطاها اليد التي نفذتها.

فيودور بافلوفيتش أسهم عبر سنوات في بناء الأسرة التي أصبحت الجريمة ممكنة داخلها.

وأليوشا، الوحيد الذي يحاول الخروج من هذه الدائرة بالرحمة، يكتشف أن النقاء الشخصي لا يمنح الإنسان دائمًا القدرة على إنقاذ من يحبهم.

ومع ذلك ينبغي الحذر من جملة مغرية مثل "الجميع قتل الأب". أدبيًا تبدو قوية، لكنها إذا أُخذت حرفيًا تفسد دقة الرواية. لم يقتل الجميع الأب. شخص واحد قتله. ما توزعه الرواية على الآخرين ليس الفعل نفسه، بل أشكال مختلفة من الرغبة والمسؤولية والعار والتقصير.

وهذا الفرق ضروري، لأن المسؤولية الجماعية إذا أصبحت مطلقة انتهت إلى إعفاء الفاعل الحقيقي. وإذا قلنا إن الجميع قتلة، صار القاتل الفعلي واحدًا من الجميع، وفقد قراره الفردي معناه.

دوستويفسكي أكثر صرامة من ذلك. إنه يستطيع أن يحمل سميردياكوف مسؤوليته كاملة، ثم يعود ليسأل الآخرين عما فعلوه هم أيضًا.

الرواية التي تكشف القاتل وتترك الجريمة مفتوحة

حين نصل إلى النهاية لا يبقى سؤال "من قتل الأب؟" لغزًا.

سميردياكوف قتل فيودور بافلوفيتش. هذه هي الحقيقة التي يمنحها النص للقارئ حتى لو عجزت المحكمة عن تثبيتها.

لكن دوستويفسكي لا يريد أن تكون معرفة الاسم نهاية القراءة. فلو كان همّه العثور على صاحب الضربة فقط، لانتهت الرواية لحظة الاعتراف.

ما يهمه هو المسافة بين الجريمة والمسؤولية.

المحكمة تحتاج إلى متهم واحد لأن القانون لا يستطيع إصدار حكم بالسجن على من تمنى، أو صمت، أو كره، أو فشل في الحب. الرواية تستطيع أن تدخل هذه المناطق كلها. ولهذا ترى ما لا تستطيع قاعة المحكمة أن تراه.

قد يكون دميتري بريئًا من دم أبيه، لكنه ليس بريئًا من الكراهية التي حملها نحوه. وقد يكون إيفان بريئًا من التنفيذ، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يتخلص من السؤال عما إذا كان قد منح القاتل غطاء فكريًا ونفسيًا. وسميردياكوف، مهما حاول تحويل إيفان إلى شريك، يبقى الإنسان الذي اتخذ القرار ونفذ الجريمة.

بهذا تتحول "الإخوة كارامازوف" من قصة قتل إلى رواية عن الحدود غير المتطابقة بين القانون والضمير.

القانون يسأل: ماذا فعلت؟

والضمير قد يسأل سؤالًا أشد قسوة: ماذا تمنيت أن يحدث حين ظننت أن أحدًا لن يحاسبك على الأمنية؟

ربما لهذا لا يبقى القارئ بعد الاعتراف منشغلًا بسميردياكوف وحده. القاتل خرج من الظل، لكن الظلال لم تختف. لقد انتقلت إلى الآخرين، وإلى القارئ نفسه، لأن الرواية جعلت السؤال أوسع من بيت روسي في القرن التاسع عشر.

نستطيع أن نعرف من ارتكب الجريمة، ولا نعرف بالسهولة نفسها أين تبدأ مسؤولية الإنسان عن عالم ساعد، بفعل أو رغبة أو صمت، على جعله ممكنًا.

وأنت، لو كنت في هيئة المحلفين وعرفت الحقيقة كاملة: هل كنت ستعتبر دميتري بريئًا فقط، أم أن الرواية تجبرنا على الاعتراف بوجود ذنب لا تستطيع المحكمة أن تصدر فيه حكمًا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق