بقلم: الورّاق الجزائري
لا
تدخل حوراء الهميلي إلى الشعر من باب الاعتراف المباشر، بل من باب الصورة التي
تحوّل التجربة النفسية إلى مشهد مرئي ومحسوس. فالحزن عندها ليس معنى ذهنيًّا،
والحب ليس انفعالًا مجرّدًا، والقلب ليس عضوًا صامتًا؛ كلّها كائنات تتحرك وترتدي
وتحترق وتبحر وتصلي. ومن هنا تنبع أبرز جماليات المختارات الثلاث: "من زرّر
قميص المعنى؟!"، و"جمرة مستلقية تحت ضلوعي!"، و"نجوى أخيرة…!"؛
إذ تبدو القصيدة فيها محاولة دائمة لمنح الباطن جسدًا، ولجعل اللغة مكانًا تلتقي
فيه الأنوثة والذاكرة والقلق الوجودي والتوق الروحي.
القصيدة بوصفها جسدًا أنثويًّا
تقوم
قصيدة "من زرّر قميص المعنى؟!" على وعي واضح بفعل الكتابة نفسه.
فالشاعرة لا تكتفي بإنشاء الصور، بل تتأمل كيفية ولادتها، وتقدّم القصيدة بوصفها
جسدًا تكسوه وتزيّنه وتدفعه إلى الرقص:
زاوجتُ أجناسَ
اللغاتِ على فمي
وكسوتُ جسمَ قصائدي بثيابي
يتحوّل
النص هنا إلى امتداد للذات، فلا يعود الثوب زينة خارجية، وإنما علامة على اتحاد
الشاعرة بما تكتب. وهي تتابع بناء هذه الهوية عبر حقل دلالي أنثوي غني: الأقراط،
والخلخال، والخضاب، والحناء، والسوسن، والثياب. غير أن هذه المفردات لا تؤدي وظيفة
زخرفية فحسب؛ فقولها:
أقراطي الأفكارُ
خلخالي الهوى
يجعل
الفكر نفسه حُلِيًّا، ويحوّل الهوى إلى إيقاع مسموع في حركة الجسد. وهكذا تتجاوز
الأنوثة معناها الجسدي المباشر لتصبح طريقة في تشكيل العالم وإنتاج المعرفة
والجمال. ويتصل عنوان القصيدة بهذا
التصور اتصالًا وثيقًا؛ فالسؤال "من زرّر قميص المعنى؟" ينظر إلى المعنى
كأنه جسد يمكن ستره أو كشفه. والزرّ في هذا السياق حدّ فاصل بين ما تقوله اللغة
وما تخفيه، بين الدلالة الظاهرة والسر الكامن خلفها. لذلك تبدو القصيدة كلها فعلًا
مترددًا بين الإبانة والاحتجاب: تفتح قميص المعنى قليلًا، ثم تعيد إغلاقه بالمجاز.
هذه
الأنوثة الشعرية ليست وديعة أو ساكنة؛ إنها ذات متمردة تعلن حضورها وتبني عرشها
اللغوي، ثم لا تلبث أن تشك في هذا العرش:
ما العرشُ؟
مملكةُ الهوى
أنّى اعتليتُ
سقطتُ من أعلايَ للمحرابِ
تجمع
الصورة بين العرش والمحراب، وبين الكبرياء والخشوع، فتبدو الذات في حركة هبوط هي،
في حقيقتها، صعود روحي. فالسقوط من سلطة الأنا يقود إلى مقام التعبد، والانكسار
يغدو سبيلًا إلى الكشف.
صناعة المجاز وتراسل الحواس
تعتمد
الهميلي على خيال تركيبي يؤلف بين عناصر متباعدة. فهي لا تصف الشيء من الخارج، بل
تفككه ثم تعيد خلقه ضمن علاقات جديدة. تقول:
وتبخّرَ المعنى
الكثيفُ
سحابةً حبلى
تُقطّرُ جملةَ الإعرابِ
في
هذه الصورة ينتقل المعنى من حال الكثافة إلى التبخر، ثم يصير سحابة حبلى، قبل أن
يعود قطرات لغوية. إنها دورة كاملة للماء، لكنها تتحول إلى تمثيل لدورة الكتابة:
تجربة داخلية كثيفة، فتصعيد تخييلي، ثم هطول لغوي. والمثير أن "جملة الإعراب"
ــ وهي عبارة تنتمي إلى الدرس النحوي الجاف ــ تدخل في نسيج مائي خصب، فتتحرر من
اصطلاحيتها وتكتسب حياة حسية. وتظهر الطاقة نفسها في
قولها:
نادمتُ صحوي
أومأتْ لي نجمةٌ
عصرتْ شفاهَ الغيمِ في أنخابي
تتراسل
الحواس في المشهد؛ فالنجمة تومئ، والغيم يمتلك شفاهًا، والمطر يُعصر في كأس. وبدل
أن يكون الشراب خمرًا ماديًّا، يصبح شرابًا من الفكر والسماء. إن الصورة لدى
الهميلي لا تنقل الواقع، بل تعيد تنظيمه وفق منطق الشعور.
وفي
"جمرة مستلقية تحت ضلوعي!" تبلغ الصورة درجة أكبر من الإدهاش والمفارقة.
فالجمرة، بما فيها من حرارة واضطراب، توصف بأنها "مستلقية"، وكأن
الاحتراق اتخذ هيئة السكون. ومن هذه المفارقة يولد توتر القصيدة: قلب شديد
الرهافة، لكنه حاد؛ شفاف، لكنه مكتظ بالألم:
أرهفُ من خيطِ
الإبرةِ هذا القلبُ
أحدُّ من الشفرةِ في كفِّ الحلاق
تقوم
العبارة على تدرج يجمع بين الرهافة والخطر. فالقلب قابل للجرح بقدر ما هو قادر
عليه، وهو ضحية الشفرة وشفرتها في آن. ثم توسع الشاعرة الصورة عبر تشبيهات مأخوذة
من تفاصيل الحياة اليومية: المنديل المهجور على طاولة المطعم، وستارة الروح،
والقماش المهترئ، وصالون الحي. وتمثل هذه التفاصيل ملمحًا مهمًّا؛ إذ تُنزل
التجربة من فضاء التجريد إلى أشياء مألوفة، لكنها تمنح المألوف طاقة رمزية غير
مألوفة.
القلب: بطل القصيدة وخصمها
يحتل
القلب مركز العالم الشعري في هذه المختارات. لكنه ليس رمزًا تقليديًّا للحب، بل
شخصية مستقلة تحاور الشاعرة وتفاجئها. حين تسأل:
مَن يجرؤُ أن يطرقَ
هذا الوقت؟
يجيبُ القلبُ: أنا!
ينفصل
القلب عن صاحبته، ويغدو قوة تقتحم عزلتها. ويتكرر جوابه «أنا» ليمنح النص بنية
حوارية، كأن القصيدة مسرح داخلي تتوزع فيه الذات بين صوت يسأل وقلب يجيب. وتكشف صورة الفزاعة عن عمق
هذا الانقسام. فالقلب "يصبح أحيانًا فزاعة" تخيف جراد الموسم، والشاعرة
نفسها ترقص وحيدة كالفزاعة وتطرد عشاقها. الفزاعة هنا صورة ساخرة ومؤلمة معًا:
هيئة تشبه الإنسان لكنها محرومة من دفئه، مهمتها حماية الحقل، غير أنها تدفع
الكائنات بعيدًا عنها. وبذلك تصبح حماية الذات شكلًا من أشكال الوحدة؛ فالقلب يخيف
ما يخشى أن يفقده. ومن أجمل المفارقات قولها
عن ضلوعها إنها:
أضيقُ من أن يسرحَ
فيها الخيالُ
وأوسعُ من صحنٍ في حرمٍ قدسي
تجمع
العبارة بين ضيق الجسد واتساع الروح. فالضلوع قفص، لكنها في الوقت نفسه حرم،
والقلب محاصر من جهة ومفتوح على المطلق من جهة أخرى. وهذا الانتقال من العاطفي إلى
المقدس سمة محورية في شعر الهميلي؛ فالحب لا يبقى علاقة بشرية مغلقة، وإنما يتطلع
إلى أصل روحي أعلى.
من قلق الجسد إلى طمأنينة المقدّس
يتجلى
البعد الروحي بوضوح في "نجوى أخيرة…!". تبدأ القصيدة بمشهد يلامس الموت
والخروج من الجسد:
فوقَ رفِّ الليلِ
ملقًى جسدي
قُبضتْ روحي، فأرخيتُ يدي
الليل
يتحول إلى رف يوضع عليه الجسد، فيغدو الإنسان شيئًا هامدًا، بينما تنطلق الروح نحو
فضائها الحر. ومنذ البداية تقيم القصيدة مواجهة بين ثقل الجسد وحرية الروح، ثم
تستدعي ألفاظًا وصورًا قرآنية مثل: "وكشفنا"، و"ربطنا على قلبها"،
ويونس في ظلمته. ولا يأتي هذا التناص بوصفه تزيينًا ثقافيًّا، بل يؤدي وظيفة
نفسية؛ فالشاعرة تستدعي الذاكرة المقدسة كي تواجه خوف الفقد والموت والاغتراب. وتصف عمرها بقولها:
كان عمري سُبحةً
وانفرطتْ!
بانفراطِ الروحِ حُلَّت عُقدي
الصورة
تجمع الزمني بالروحي؛ فسنوات العمر حبات سبحة، والموت انفراط لها. لكن الانفراط لا
يعني الضياع وحده، بل يعني أيضًا انحلال العقد والتحرر من القيود. وبذلك يحمل
الموت دلالتين متعارضتين: التبدد والخلاص. ثم تتصاعد القصيدة من الخوف إلى المناجاة:
صحتُ: يا الله!
قلبي جمرةٌ
فاسقِهِ باللطفِ قَطْرَ البَرَدِ
يتقابل
الجمر والبرد في صورة مباشرة وقوية؛ فالألم نار، واللطف الإلهي ماء بارد. ولا تطلب
الذات إلغاء التجربة، وإنما تطلب تخفيف اشتعالها. ثم تصل القصيدة إلى لحظة كشف
تتراجع فيها سلطة الجسد:
ووجدتُ اللهَ في
روحي
فما ضرَّني يومًا
عواءُ الجسدِ
إن
وصف صوت الجسد بـ"العواء" يجرّده من مركزيته، ويجعله قوة غريزية محتجة
أمام طمأنينة الروح. وهنا تبلغ الرحلة منتهاها: من جسد ملقى في مطلع القصيدة إلى
روح وجدت مركزها في الختام.
هندسة الإيقاع بين العمود والنثر
تكشف
المختارات عن قدرة على التنقل بين أنماط تعبيرية مختلفة. ففي "من زرّر قميص
المعنى؟!" يظهر ميل إلى البناء الموزون والقافية الموحّدة، ولا سيما تردد
قافية "ـابي"، بما تمنحه من امتداد صوتي مناسب للاعتراف والفخر
والانسياب. أما "نجوى أخيرة…!" فتستثمر قافية الدال المكسورة: "جسدي،
يدي، الأبدي، الغدِ، عقدي"، فتنتج إيقاعًا حزينًا متتابعًا يشبه قرعًا خافتًا
أو خطوات متجهة نحو النهاية.
في
المقابل، تتحرر "جمرة مستلقية تحت ضلوعي!" من انتظام القافية، وتعتمد
إيقاع الجملة والتكرار والتعداد والحوار. ويسمح هذا الشكل للنص بأن يلاحق تحولات
القلب بحرية، وأن يزاوج بين اللغة الشعرية والتفصيل اليومي. كما يؤدي تقطيع الأسطر
في المختارات وظيفة دلالية؛ فليس كل انتقال إلى سطر جديد مجرد ترتيب بصري، بل قد
يبطئ القراءة، أو يعزل كلمة، أو يحاكي التردد والاختناق والانكسار.
فتنة الكثافة وحدودها
تملك
الهميلي خيالًا خصبًا وقدرة واضحة على توليد الصور. غير أن هذه القدرة تمثل، في
بعض المواضع، موطن قوة النص وموطن مخاطره في آن واحد. فتتابع الاستعارات من دون
فسحة كافية بين صورة وأخرى قد يجعل القارئ ينتقل من دهشة إلى دهشة قبل أن تستقر
الأولى في وجدانه. وتبرز هذه الملاحظة خصوصًا حين تجتمع في مساحة قصيرة حقول شديدة
التنوع: الثياب، والنخيل، والسفن، والسحاب، والنحو، والولادة، والطوفان.
ليست
المشكلة في غرابة الصورة؛ فالغرابة من عناصر فرادة هذا الشعر، وإنما في تزاحم
الصور أحيانًا على مركز الدلالة. ففي المواضع التي تمنح فيها الشاعرة صورتها وقتًا
كافيًا للنمو ــ مثل صورة العمر/السبحة، والقلب/الجمرة، والذات/الفزاعة ــ تبلغ
القصيدة أثرًا أشد رسوخًا من المواضع التي تتوالد فيها المجازات بسرعة كبيرة. إن
الاقتصاد في بعض المقاطع كان من شأنه أن يزيد الصورة لمعانًا، لأن المجاز القوي لا
يحتاج دائمًا إلى مجاز آخر يفسره أو يجاوره.
ومع
ذلك، فإن هذا الفيض نفسه يكشف طبيعة التجربة: ذاتًا لا ترى العالم إلا متحولًا،
ولا تمسك بالمعنى إلا لتكسوه بصورة جديدة. لذلك لا تبدو الكثافة حيلة بلاغية
طارئة، بل جزءًا أصيلًا من رؤية شعرية قلقة وممتلئة.
خاتمة
تنبع
خصوصية شعر حوراء الهميلي، في هذه المختارات، من قدرتها على تحويل اللغة إلى جسد
حي: للقصيدة ثياب وساق ومشيمة، وللغيم شفاه، وللمعنى قميص وسحابة، وللعمر سبحة،
وللقلب صوت وجمرة وإرادة. وهي تبني عالمها عند الحدود التي تتلامس فيها الأضداد:
الرهافة والحدّة، الأنوثة والتمرد، الجسد والروح، الخطيئة والتطهر، العرش والمحراب،
الجمر والبرد.
ولا
تبدو الكتابة لديها وصفًا لتجربة انتهت، بل تجربة أخرى موازية تُعاد فيها صناعة
الذات. ويختصر قولها: "الشعرُ توأميَ"،
و"المشيمةُ فكرةٌ" جوهر هذا المشروع؛
فالشعر ليس مرآة خارجية لحياتها، وإنما كائن وُلد معها وتغذّى من تجاربها وأسئلتها
وأخطائها وصوابها. ومن هنا تكتسب قصائدها فتنتها: إنها لا تبحث عن المعنى عاريًا،
بل تسأل عمّن زرّر قميصه، ثم تمضي ــ صورة بعد صورة ــ في كشف ما تخفيه الأزرار.
القصائد المختارة:
من زرر قميص المعنى؟!
شعر: حوراء الهميلي
ما شابَ شعري بانتصافِ شبابي
إني ادَّخرتُ عذوبتي لعذابي
زاوجتُ أجناسَ اللغاتِ على فمي
وكسوتُ جسمَ قصائدي بثيابي
ورقصتُ فوقَ منصةِ المعنى
فما أغرى حضوري غيرُ عطرِ غيابي
أقراطي الأفكارُ
خلخالي الهوى
والشوقُ في كفِّ الهيامِ خضابي
حنائيَ المنقوشُ فوقَ أصابعي
دلَّلْتُه بتمردِ العنَّابِ
وربطتُ في خصرِ الغوايةِ سوسنًا
يهفو إليَّ بِرقَّةٍ وتصابي
حتى إذا الفردوسُ شرَّع بابَه
أرسلتُ هدهدَ رحلتي بخطابي
متقصيًا مدنَ السؤالِ بحدسِه
من قبل أن يرتدَّ طرفُ جوابي
ما عاد إلا خائفًا مترقبًا
جناتِ مغفرتي / جحيمَ عقابي
ودنا إلى عرشي
فأوجسَ خيفةً
من عينه انهمرتْ رؤى الأهدابِ
يحكي ليختزلَ المجازَ
بصورةٍ علويةٍ
من أفقِها الخلابِ:
أنثى
تريقُ الشمسَ في قسماتِها
ولها تقيم موائدَ الأنخابِ
ووجدتُها والضوءُ في منوالِها
منه تحيك مشيئةَ الأسبابِ
صلَّتْ فأمَّنت الرياحُ دعاءَها
والنهرُ فاضَ نوافلَ استحبابِ
عرفانُها
يكسو المساءَ بهالةٍ فضيةٍ
من دمعِها المنسابِ
سبأُ المدائن
لم تكن إلا قرى قلبي
زرعتُ من الحنينِ شعابي
عكستنيَ المرآةُ
ساقُ قصيدتي انكشفتْ رؤاها
عن قصورِ سرابي
وتحسستْ وجهي
تلاشى وجهها
كشحوبِ ضوءٍ منتشٍ بضبابِ
نكَّرتُ عرشي ما اهتدت
هل صدَّها قلقي
فلم تدركْ حقيقةَ ما بي
ما العرشُ؟
مملكةُ الهوى
أنَّى اعتليتُ
سقطتُ من أعلايَ للمحرابِ
مالي إذا انتبه اليقينُ تزعزعتْ
أركانُ قلبٍ مؤمنٍ مرتابِ!
أرسلتُ من رحمِ النخيلِ
نبوءةً خضراء
أرفدُ صبرَها بترابي
مني احتطبتُ شقايَ
نايًا
ربما بذرتْ يدي تنهيدةَ الحطَّابِ
مبعوثةً مما ترمَّد من دمي
أنثى المجازِ وفي يديَّ كتابي
ومعارفي خبزُ الحقيقةِ
ملحُها زادي
ومن نهرِ السؤالِ شرابي
مرَّتْ بعقلي الأبجديةُ
نهرُها يجري بأوردتي إلى أعصابي
متشبثٌ بالذكرياتِ
وسَيْلُه غمرَ الحكايةَ جارفًا أحبابي
مطرٌ
يبلوره الحنينُ
إذا انبرى بالدمعِ يرقب عودةَ الغُيَّابِ
ثَقبتْ سفينَ قصائدي تنهيدةٌ
لم تكترثْ لصلابةِ الأخشابِ
وتبخرَ المعنى الكثيفُ
سحابة حبلى
تُقطِّرُ جملةَ الإعرابِ
من بعدِ طوفانِ الكلامِ
وفيضِه
انحسر اندفاعُ الماءِ عن أعتابي
نادمتُ صحوي
أومأتْ لي نجمةٌ
عصرتْ شفاهَ الغيمِ في أنخابي
بسلافةِ الفكرِ المعتَّقِ أرتوي
حدَّ استفاضةِ رعشةِ الأكوابِ
الشعرُ توأميَ
المشيمةُ فكرةٌ
منها انبجسنا ساعةَ الإنجابِ
من حبلِنا السريِّ
غذَّتْنا التجاربُ
شُكِّلتْ من وعيِه وصِعابي
بتجاربي
بتساؤلي
بتخبطي
بصلابتي
بخطيئتي
وصوابي
بلورتُ صلصالي بماءِ تأملي
ونفختُ روحَ الشعرِ في الألبابِ
جمرة مستلقية تحت ضلوعي!
شعر: حوراء الهميلي
أرهفُ من خيطِ الإبرةِ هذا القلبُ
أحدُّ من الشفرةِ في كفِّ الحلاقِ بصالونِ الحيِّ
أرقُّ من المنديلِ المهجورِ على طاولةِ المطعمِ
قلبي أحسبه مثلَ ستارةِ روحيَ
شفافًا في أولِ إغماضةِ ليلةِ قدرٍ
كتَّانًا مصريًّا في تحنيطِ الذكرى المنسيةِ
شالًا كشميريًّا فوقَ ذراعِ الشمسِ
وحين يحبُّ يكون قماشًا مهترئًا
أدخلُ في حفلةِ حزنٍ صاخبةٍ
أسلاكٌ تُعقد بالشريانِ الأبهرِ،
أوعيةٌ من خمرٍ أحمرَ كالياقوتِ
دخلتُ الغرفَ الأربعَ؛
كي أعصرَ من قصبِ الأضلاعِ
وأعجنَ قاموسَ الشعراء المُرَّ
وأضربَ عرضَ الحائطِ بالمعنى المجترِّ
وألعقَ ملحَ البحرِ العالقَ في صدفِ الوجناتِ
يئنُّ صريرُ البابِ فلا أعبأ أيضًا
مَن يجرؤُ أن يطرقَ هذا الوقت؟
يجيبُ القلبُ: أنا!
يصبحُ أحيانًا فزاعةَ جاريَ وسْط الحقلِ
يخيفُ جرادَ الموسمِ مهتاجًا مِن ناحيةِ الشطِّ
كذا أطردُ عشاقيَ في ثالثِ عقدٍ مِن عمري
الفضفاضِ عليَّ
أصادقُ ريحَ صباي
وأرقصُ وحدي كالفزاعةِ
إذ لا فرق بفستانٍ قصَّرَه الهمُّ قليلًا
أو فستانٍ قصَّره الخياطُ!
أليس بكافٍ أنْ يُستر هذا القلبُ؟!
تلك ضلوعيَ ما الحيلةُ؟
أضيقُ من أنْ يسرح فيها الخيَّالُ
وأوسعُ من صحنٍ في حرمٍ قدسي
— هل أنتَ
الصلصالُ المارقُ من أرضِ الجنةِ؟!
كيف وهبتَ الجمرةَ من لونِ الحمرةِ في شدقيكَ
يجيبُ القلبُ: أنا؟!
أحلمُ يا رباه بقلبٍ لا يتمددُ حين أحبُّ
ولا يصبحُ كالفزاعةِ حين يخافُ
ولا يصدأُ حين يُبَلُّ بماءِ الذنبِ
ولا ييأسُ مِن شمسِ بهائكَ
لا يُعميهِ الضوءُ عن الإبصارِ لقدسِكَ
أقصى مطمحِه أن يستنطقَ وحيَكَ في الأشعارِ
بِرفَّةِ هُدبِ ملاكٍ ينعسُ
بالتقويسةِ في وجهِ صبيٍّ يحلمُ
بالنورِ السابحِ في ملكوتكَ
لا تغريه لزوجةُ هذا الطينِ الدابقِ
لا يجفلُ من شكلِ المجذومينَ
ولا يخشى الغربةَ بين ألوفِ الناسِ
بأنْ يلبسَ أثوابَ سمائِك،
يكشف ما تخفي الأسماءُ التسعةُ والتسعونُ من
الرحمةِ،
يستفرد بالاسمِ الأعظمِ حين يراك
أليس الإسمُ الأعظمُ ما سَكَّن قربَ النهرِ فؤادَ
الأم؟!
تلك ضلوعيَ ما الحيلةُ؟!
نجوى أخيرة…!
شعر: حوراء الهميلي
تقول سوزان عليوان:
" لا
أعلم ماذا أسمي الفراغَ الذي بين شاهد قبري، وشهادة ميلادي!
"
فوقَ رفِّ الليلِ ملقًى جسدي
قُبضتْ روحي، فأرخيتُ يدي!
كنتُ في الأعلى، وروحي حرةٌ
خِلتُني اجتزتُ ضفافَ الأبدِ
يا ملاكًا حينما أيقظْتَني
ظلَّ في عينيَ بعضُ الرمدِ
(وكشَفْنا) غشوةً عن بصري
صِيحَ في الصورِ:
أيا نفسُ اشهدي!
لوَّح الماضي بجفنيَّ
كما رعشةٍ
تفتضُّ أسرارَ الغدِ
كان عمري سُبحةً وانفرطتْ!
بانفراطِ الروحِ حُلَّت عُقدي
ودخلنا ساحةَ الحُبِّ
كما يدخلُ العابدُ
ساحَ المسجدِ
ورأينا النورَ يطفو سابحًا
يا له
مِن
منظرٍ
محتشدِ!
ثم سبَّحْنا بصوتٍ واحدِ
في خشوعٍ للجليلِ الأوحدِ:
أيها الأقربُ مِن حبلِ وريديَ
مَن ناديتهُ:
يااااامددي!
مَن إذا مسَّتْ فؤادي لَوثةٌ
مسحةٌ منه ويُشفى خَلَدي
تحتَ أضلاعي التي تنخرني
(صخرةٌ هذيَ
؟
أم ذي كبدي؟!)
لا عصًا تمنحني متكأً
لا أخٌ يُسند مَيلَ العضدِ
حاسرًا:
رأسي وخطوي
عاثرًا:
بلسانٍ واجمٍ منعقدِ
صحتُ: يا الله!
قلبي جمرةٌ
فاسقِهِ باللطفِ قَطْرَ البَرَدِ
لي فؤادٌ فارغٌ مِن جوفِهِ
كدتُ أنْ أُبديَ خوفًا كمدي
ما تُرى نادتْ؟
(ربَطْنا ….
قلبَها)
حسْبها اشتاقتْ جمالَ الولدِ!
إنه الحزنُ
الذي ابيضتْ على فقدِه العينان
مِن جفنٍ ندي
ما دَعا (يونسُ) في ظلمتِه؟
حينما ناجاكَ: يا مُعتمدي
كم تآلفنا
ظلالي والردى
حبلُه يتلفُّ منذُ المولدِ!
هل فراري يومَها مِن قبضةٍ؟
أم فراري لم أُحَضِّر عَتدي؟!
غربتي في جسدٍ ينهشني
أين تهفو الروحُ، تِلْكُم بلدي!
غدْرةٌ يا نفسُ دنيانا التي
لمْ نَفُزْ فيها بعيشٍ رَغِدِ!
لنْ تذوقي راحةً مُطْلقةً
ونعيمًا خالصًا لنْ تجدي
غيرَ ما يُدنيكِ منه،
ذكرُه، يغمرُ القلبَ بنورٍ سرمدي
ووجدتُ اللهَ في روحي
فما ضرَّني
يومًا
عواءُ الجسدِ!
وتركتُ الليلَ
ممدودًا
على
مَخدعٍ
بالٍ
بغيرِ
الوُسُدِ !
اقرأ المزيد من شعر حوراء الهميلي على موقع الديوان انقر هنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق