اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

أبو العلاء المعري: هل كان شاعرًا متشائمًا أم مفكرًا سابقًا لعصره؟

تصوير فني رمزي لأبي العلاء المعري جالسًا بين المخطوطات في ضوء هادئ يوحي بالعزلة والتأمل الفكري
صورة توضيحية أصلية تستلهم عالم أبي العلاء المعري الفكري، ولا تمثل مشهدًا تاريخيًا موثقًا.

حين يصبح التشاؤم طريقة لفحص العالم لا مجرد مزاج أسود

هل كان أبو العلاء المعري شاعرًا رأى الحياة شرًا خالصًا، أم أن كلمة "متشائم" اختصرت مفكرًا أكثر تعقيدًا مما نتصور؟ السؤال ليس جديدًا. منذ قرون والمعري يُستدعى كلما أراد قارئ أن يجد في التراث العربي صوتًا ساخطًا على البشر، شاكًا في المألوف، زاهدًا في الدنيا، شديد الحساسية تجاه الألم والموت. وبعض أبياته، إذا عُزلت عن بقية شعره، تكاد تقدم الرجل بنفسها بوصفه شاعرًا لا يرى في الوجود إلا الخيبة.

لكن المشكلة تبدأ من هنا بالضبط. فأبو العلاء لم يكتب كتابًا فلسفيًا منظمًا يضع في فصله الأول نظرية عن الحياة وفي فصله الأخير نتيجة نهائية. كتب شعرًا، ورسائل، ومحاورات ساخرة، ونثرًا لغويًا بالغ التعقيد. وفي هذه الأعمال تتجاور الشكوى مع السخرية، والزهد مع الفضول العقلي، والشك مع الحديث عن الله، والقسوة في الحكم على البشر مع رحمة لافتة بالحيوان.

الجواب المبكر: نعم، في شعر أبي العلاء نزعة تشاؤمية واضحة، خصوصًا في نظرته إلى الألم والموت والتناسل وتقلب الدنيا. لكن اختزاله في "شاعر متشائم" يضيّع نصف صورته على الأقل. الأدق أن نراه عقلًا نقديًا شديد الشك، استخدم التشاؤم أحيانًا أداة لكشف غرور الإنسان ونفاق المجتمع وحدود المعرفة، وطرح أسئلة أخلاقية ما زال بعضها يبدو معاصرًا حتى اليوم.

ولا يعني هذا أنه كان "رجلًا حديثًا وُلد في العصر الخطأ". مثل هذه العبارة جذابة، لكنها تقتلع المعري من القرن الذي عاش فيه وتجعله نسخة مبكرة منا. الأهم هو أن نفهم كيف استطاع رجل من القرن الخامس الهجري أن يدفع بعض أسئلة عصره إلى نهايات شديدة الجرأة، من داخل اللغة والثقافة والجدالات الفكرية التي عرفها زمنه.


كيف صُنعت صورة الشاعر المتشائم؟

وُلد أحمد بن عبد الله التنوخي، المعروف بأبي العلاء المعري، في معرة النعمان سنة 363 هـ، الموافقة تقريبًا لسنة 973م. أصيب بالجدري صغيرًا وفقد بصره. درس اللغة والأدب والشعر، وتنقل في طلب المعرفة، ثم ذهب إلى بغداد في مطلع القرن الحادي عشر، وكانت آنذاك واحدة من أهم مراكز الثقافة والجدل الفكري في العالم الإسلامي.

لم تطل إقامته فيها. عاد إلى معرة النعمان، واتخذ بعد ذلك حياة شديدة العزلة والزهد، مع أنه لم ينقطع عن العالم معرفيًا. كان يستقبل التلاميذ، ويتلقى الرسائل، ويكتب إلى علماء وأدباء وشخصيات معروفة. أي أن عزلته لم تكن انطفاءً للعقل، بل تحولت إلى موقع يراقب منه البشر من مسافة.

وهذه المسافة مهمة في فهم شعره. فقد عاش المعري ما يمكن أن نسميه خبرة مضاعفة بالعزلة: فقد البصر، ولزوم البيت، ثم شعور أعمق بأن النفس نفسها حبيسة الجسد. وفي أحد أشهر تصورات حياته وصف نفسه بأنه واقع في سجون ثلاثة: العمى، والبيت، والجسد.

أراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسد الخبيث

إذا قرأنا هذه الأبيات وحدها، يصبح الحكم سهلًا: هذا رجل متشائم. لكن الشعر لا يعمل مثل تقرير نفسي. فالصورة مبنية على تحويل الحياة نفسها إلى بنية من القيود. ليست المسألة أن الشاعر حزين فقط، بل أنه يطرح سؤالًا عن الحرية: ما الذي يجعل الإنسان حرًا إذا كان محكومًا بالجسد والمكان والمصير؟

ومن المفيد هنا ألا نفصل المعري تمامًا عن تاريخ الشعر العربي الذي سبقه. كان يعرف شعر المتنبي معرفة عميقة، وكتب في شرحه، كما يظهر أثر الشعر العربي القديم في صناعته اللغوية. لكنه انتهى إلى منطقة مختلفة. المتنبي غالبًا ما يبني ذاتًا تريد أن تتجاوز العالم بالقوة والطموح، أما المعري فيسأل إن كان العالم نفسه يستحق كل ذلك التنافس.

هل كان يكره الحياة فعلًا؟

هناك أدلة قوية تفسر التصاق التشاؤم باسمه. في "لزوم ما لا يلزم"، أو "اللزوميات"، تتكرر صور الموت، وفساد البشر، وخداع الدنيا، وقلة الثقة بالمجتمع. يتعامل المعري كثيرًا مع الولادة لا كبداية بريئة، بل كبداية لسلسلة لا مفر منها من الألم والمرض والفقد ثم الموت.

ومن هنا جاءت أشهر عبارة مرتبطة بقبره، والتي تروى بصيغة:

هذا جناه أبي عليَّ
وما جنيت على أحد

سواء قرأها القارئ بوصفها خلاصة فلسفية أو عبارة شديدة التكثيف عن موقفه من الإنجاب، فهي تكشف منطقًا أخلاقيًا أكثر مما تكشف مزاجًا عابرًا. الفكرة ليست: أنا حزين لأن حياتي سيئة. الفكرة الأشد قسوة هي: إذا كان الإنسان يولد من دون أن يختار الولادة، ثم يتعرض للألم والموت، فهل من الأخلاقي أن نكرر السلسلة؟

بهذا المعنى يصبح موقفه من التناسل جزءًا من رؤيته للأذى. وقد يبدو هذا للقارئ الحديث قريبًا من أفكار ظهرت لاحقًا تحت أسماء فلسفية مختلفة، لكن من الخطأ أن نضع المعري ببساطة تحت لافتة معاصرة ثم نعلن أنه سبق الجميع. الرجل لم يكن يكتب في قاموس الفلسفة الحديثة، ولا كانت أسئلته منفصلة عن الزهد والموت ومفهوم التكليف والرحمة ومشكلة الشر في بيئته الثقافية.

الأهم أن تشاؤمه لا ينتهي دائمًا إلى اللامبالاة. وهنا تظهر المفارقة التي تجعل صورته أكثر إثارة. فالإنسان الذي يظن أن الحياة مليئة بالأذى يمكن أن يصل إلى نتيجتين متناقضتين: أن يقول إن لا شيء يستحق الاهتمام، أو أن يصبح أكثر حساسية تجاه كل ألم لأنه يعرف مقدار ما في الحياة منه.

المعري اقترب كثيرًا من الطريق الثاني.

من التشاؤم إلى الرحمة: لماذا توقف أمام ألم الحيوان؟

من أكثر جوانب أبي العلاء إثارة للقارئ الحديث موقفه من الحيوان. كان يمتنع عن أكل اللحم، وامتد امتناعه إلى منتجات حيوانية أخرى. لكن الأهم من النظام الغذائي نفسه هو الطريقة التي برر بها ذلك.

لم تكن المسألة عنده مجرد ترف شخصي أو حمية صحية. في شعره ورسائله تظهر الحجة الأخلاقية: الحيوان يتألم، والإنسان لا ينبغي أن يجعل ألمه وسيلة إلى لذته متى استطاع الامتناع.

وقد دار بين المعري والداعية الفاطمي المؤيد في الدين الشيرازي نقاش معروف حول امتناعه عن المنتجات الحيوانية. تكشف هذه المراسلات أن موقفه لم يكن عادة عابرة؛ لقد ربطه بالشفقة على الكائن الحي وبسؤال أكبر عن العدل والرحمة في عالم يفترس بعضه بعضًا.

وهذه النقطة تغير معنى "التشاؤم". إذا كان العالم في نظره مكانًا كثيف الألم، فإنه لا يستنتج أن الألم تافه. بالعكس، يصبح الألم هو الواقعة التي يجب أن نأخذها بجدية.

وتظهر هذه الحساسية أيضًا في نصوص أخرى. ففي "رسالة الصاهل والشاحج" تتحول الحيوانات إلى أصوات تستطيع أن تتكلم عن معاناتها وعن المجتمع البشري. ليست الحيوانات مجرد أقنعة سهلة للسخرية، بل إن طريقة حضورها تسمح للمعري بعكس زاوية النظر: بدل أن يسأل الإنسان ما المنفعة التي يحصل عليها من الحيوان، يصبح ممكنًا أن نتخيل كيف يبدو الإنسان من جهة الحيوان الذي يسخره أو يقتله.

هذا التحول في زاوية الرؤية مهم جدًا. فالرحمة هنا لا تحتاج إلى أن يكون الحيوان نسخة ناقصة من الإنسان حتى يستحقها. يكفي أنه كائن قابل للألم.

لهذا يصعب وصف المعري بالعدمية. العدمية، بالمعنى الشائع، تستطيع أن تقول إن القيم كلها فارغة. أما هو فيبدو في كثير من مواضعه شديد التمسك بقيمة أخلاقية أساسية: تقليل الضرر. قد يشك في ادعاءات البشر، لكنه لا يتعامل مع معاناتهم ومعاناة الكائنات الأخرى كشيء غير مهم.

العقل عند المعري: أداة للخلاص أم مصدر جديد للحيرة؟

الصورة الثانية الشائعة عن أبي العلاء تقول إنه "عقلاني" سبق عصره. وهذه العبارة تحتاج بدورها إلى شيء من الحذر.

نعم، منح المعري العقل مكانة عالية، وهاجم التقليد الأعمى، وسخر من أشكال من الخرافة ومن الذين يستفيدون من سلطة الدين أو المعرفة. لكن العقل عنده ليس مفتاحًا سحريًا يستطيع فتح كل أبواب الكون.

وهنا يكمن جانب مهم من فرادته. إنه يشك في الموروث، لكنه يستطيع أيضًا أن يشك في قدرة الإنسان على بلوغ الحقيقة النهائية. فالشك عنده لا يعمل في اتجاه واحد.

يمكن لشخص أن يرفض رواية قديمة لأنه يعتقد أنه يملك الحقيقة البديلة. أما المعري فكثيرًا ما يبدو أقل اطمئنانًا من ذلك: البشر يتوارثون معتقداتهم، ويتنازعون، ويثق كل فريق بما وصل إليه، لكن كيف يستطيع الإنسان المحدود أن يضمن أنه وصل إلى يقين لا يداخله الوهم؟

لهذا يصبح العقل عنده أداة تنظيف أكثر منه آلة لإنتاج يقين نهائي. يزيل التعصب، يكشف التناقض، يسأل عن الدليل، لكنه قد يصل في النهاية إلى حدود لا يستطيع تجاوزها.

وهذه النقطة تفسر سبب اختلاف الباحثين حتى اليوم في تحديد موقفه الديني. لقد وُصف بالمشكك، والزنديق، والملحد، والموحد، والزاهد، والمفكر الحر. وكل تسمية منها تجد أبياتًا أو نصوصًا تستطيع أن تستند إليها إذا انتُقيت المادة بعناية.

لكن "اللزوميات" ليست بيانًا عقائديًا مكتوبًا في عشر نقاط. إنها آلاف الأبيات التي كتبت في سياق شعري، وتتجاور فيها أصوات وأفكار لا تنسجم دائمًا في نظام واحد. وقد نبّه باحثون حديثون إلى أن محاولة تحويل كل بيت إلى تصريح فلسفي مباشر يمكن أن تصنع من المعري مذهبًا أكثر اتساقًا مما كان عليه شعره فعلًا.

وهذه مشكلة نجد شبيهًا لها حين نحاول أن نحدد موقف عمر الخيام من خلال الرباعيات المنسوبة إليه: النص الشعري لا يتحول تلقائيًا إلى وثيقة اعتراف شخصية، ولا كل صوت شعري يمثل برنامجًا فلسفيًا مكتملًا.

لماذا يصعب حشره في خانة الإيمان أو الإلحاد؟

تنتشر على الإنترنت أبيات منسوبة إلى المعري تُقدَّم أحيانًا بوصفها "الدليل القاطع" على إلحاده، بينما تُجمع في مواقع أخرى أبيات مختلفة لتثبت أنه كان مؤمنًا بالمعنى التقليدي. المشكلتان متشابهتان: كل فريق يدخل إلى ديوان ضخم بحثًا عما يؤكد حكمًا جاهزًا.

الأدق تاريخيًا وأدبيًا أن نقول إن نصوصه تكشف شكًا حقيقيًا وعميقًا في دعاوى البشر، وسخرية من رجال دين ومن التعصب ومن الموروث الذي يتحول إلى سلطة. لكنها تحتوي أيضًا على حديث عن الله والتقوى والزهد والجزاء، ولا تنتظم جميعها في فلسفة إلحاد واضحة بالمعنى الحديث.

بعض الدراسات تقرأه بوصفه مفكرًا حرًا ينتقد أشكال الدين المؤسسي أكثر مما ينفي الإله، وبعضها يذهب أبعد في تفسير شكوكه، بينما حاولت قراءات أخرى فهمها ضمن تقاليد الزهد والجدل الديني في عصره. لا يوجد سبب علمي لأن نمحو هذا الخلاف ونصنع جوابًا مريحًا لمجرد أن الإنترنت يحب التصنيفات السريعة.

والأهم من سؤال "في أي خانة نضعه؟" هو سؤال آخر: لماذا كان شديد المقاومة للخانات أصلًا؟

جزء من الإجابة يتعلق بأسلوبه. المعري لا يكتب دائمًا لكي يثبت رأيًا ثم يغلق الملف، بل ليزعزع راحة القارئ. المفارقة والسخرية والاحتمال واللغة المركبة تترك مساحة بين الجملة وصاحبها. وهذا واضح بصورة خاصة في عمله النثري الأشهر، رسالة الغفران، حيث تتحول الرحلة في العالم الآخر إلى مسرح لاختبار الأحكام التي يصدرها البشر على الشعراء والعقائد والمصائر.

فالمعري هناك لا يقدم لنا كتابًا في العقيدة، بل يبني وضعًا ساخرًا تصبح فيه ثقة البشر بتصنيفاتهم نفسها موضوعًا للامتحان. وهذا امتداد لطريقته في النظر إلى العالم: الإنسان واثق أكثر مما تسمح به معرفته.

لماذا اختار "لزوم ما لا يلزم"؟

حتى عنوان ديوانه الأكبر يحمل شيئًا من شخصية صاحبه. "لزوم ما لا يلزم" مصطلح فني يشير إلى أن الشاعر فرض على نفسه في القافية قيدًا زائدًا على ما يطلبه الوزن والقافية عادة. أي أنه ألزم نفسه بما لم يكن ملزمًا به.

قد يبدو هذا مجرد استعراض لغوي، والمعري كان بلا شك واحدًا من أكثر شعراء العربية قدرة على التعامل مع غرائب اللغة ومفرداتها. لكن العلاقة بين الشكل والرؤية تستحق الانتباه.

رجل اختار حياة الزهد والعزلة وفرض على غذائه قيودًا شديدة، ثم اختار لديوانه نظامًا شعريًا يضيف فيه قيدًا إلى القيد. لا يلزم أن نحول الأمر كله إلى رمز مقصود، لكن من الصعب ألا نلاحظ التقارب بين أخلاق الامتناع وشعرية الامتناع.

إنه لا يريد الحرية السهلة. يضع نفسه داخل شبكة من القيود ثم يختبر ما تستطيع اللغة فعله داخلها.

وهذا ما يجعل "اللزوميات" عملًا أدبيًا، لا مستودع اقتباسات فلسفية. المعنى لا ينفصل عن الصنعة. القافية النادرة، والمفارقة، والاشتقاق، والتلاعب باللفظة، والإحالات الثقافية واللغوية، كلها جزء من التفكير نفسه.

حين نقتطع بيتًا ونضعه فوق صورة داكنة على مواقع التواصل، يمكن أن نحصل على حكمة جذابة. لكننا نفقد الشاعر الذي اختار أن يجعل التفكير نفسه صعبًا، كما لو أن الحقيقة لا ينبغي أن تصل إلى القارئ بلا مقاومة.

العزلة لم تمنعه من السخرية

إذا كانت صورة "الشاعر المتشائم" تجعلنا نتخيل رجلًا جالسًا طوال حياته في غرفة مظلمة يرثي وجوده، فإن "رسالة الغفران" وحدها كافية لهدم هذه الصورة.

فيها خيال، وحركة، ومزاح لغوي، وسخرية، ومبالغات مقصودة، ومجالس شعراء، وجدالات حول اللغة والرواية والشعر. يستطيع المعري أن يكون قاتمًا، لكنه يستطيع أيضًا أن يكون شديد الطرافة.

وهذا مهم لأن الفكاهة تكشف أن علاقته بالعالم لم تكن مجرد انسحاب منه. الساخر يحتاج إلى مراقبة دقيقة. يحتاج إلى أن يعرف كيف يفكر الناس، وكيف يتكلمون، وأين تتناقض أقوالهم مع أفعالهم.

ولهذا فإن عزلة المعري كانت غريبة: ابتعد عن الاجتماع اليومي، لكنه بقي شديد الاشتباك مع البشر فكريًا. كأنه كان يحتاج إلى المسافة لكي يراهم أوضح.

وفي هذا الجانب يمكن أن يوضع إلى جوار تقاليد عربية فلسفية وأدبية أخرى اختبرت العلاقة بين العزلة والمعرفة، وإن اختلفت نتائجها. وفي حي بن يقظان مثلًا تصبح العزلة مختبرًا لمعرفة العالم والوصول إلى الحقيقة، أما عند المعري فهي أقل اطمئنانًا: الابتعاد عن الناس لا يضمن الوصول إلى اليقين، لكنه قد يخفف ضجيجهم.

هل كان سابقًا لعصره؟

بعد كل ذلك، يمكن العودة إلى النصف الثاني من السؤال: هل كان المعري مفكرًا سابقًا لعصره؟

إذا قصدنا أنه طرح أفكارًا نجد لها صدى قويًا في نقاشات حديثة، فالجواب نعم في أكثر من مجال. موقفه من الحيوان يبدو لافتًا جدًا في ضوء النقاش المعاصر حول أخلاقيات استهلاك الحيوان. اعتراضه على التقليد الأعمى قريب من قيمة النقد العقلي. تشكيكه في ثقة الجماعات المطلقة بعقائدها يستطيع القارئ الحديث أن يفهمه بسهولة. وحتى موقفه من الإنجاب يجد اليوم فلسفات تناقش فكرة وجود الإنسان والألم من زاوية مشابهة في بعض جوانبها.

لكن عبارة "سابق لعصره" تصبح مضللة إذا أوحت بأن عصره كان كتلة مظلمة واحدة ظهر فيها رجل من المستقبل.

القرنان الرابع والخامس الهجريان عرفا نشاطًا فلسفيًا وكلاميًا وعلميًا ولغويًا هائلًا، واحتكاكًا بالتراث اليوناني والفارسي والهندي، وجدالات بين مدارس دينية وفكرية متعددة. أبو العلاء لم يفكر في فراغ. كان ابن ثقافة ممتلئة بالمناظرة، حتى عندما تمرد على بعض أجوبتها.

تميّزه الحقيقي ليس أنه الوحيد الذي عرف الشك أو العقل أو الزهد، بل في التركيبة التي صنعها منها: شاعر بالغ التمكن من التراث اللغوي، يعيش حياة تقشف، يسخر من يقين البشر، يشك في قيمة التناسل، يوسع دائرة الرحمة إلى الحيوان، ثم يصوغ كل ذلك داخل شعر بالغ الصعوبة ونثر قادر على الضحك من صاحبه وقارئه معًا.

وهذا أكثر إثارة من تحويله إلى "فيلسوف حديث قبل الحداثة".

التشاؤم الذي ينتج أخلاقًا

لعل المفارقة الأساسية في أبي العلاء تظهر هنا. ما نسميه تشاؤمه لم يجعله دائمًا أقل اكتراثًا بالعالم، بل ربما جعله أكثر حساسية تجاهه.

إن كان الألم جزءًا أصيلًا من الحياة، فهناك سبب إضافي ألا نضاعفه. وإن كان الإنسان لا يملك يقينًا كاملًا، فهناك سبب إضافي ألا يتعصب لما ورثه. وإن كان الموت ينهي تفاخر الناس، فهناك سبب إضافي للنظر بشك إلى السلطة والجاه والثروة. وإن كانت الحيوانات تتألم مثلنا، فليس من السهل اعتبار ألمها تفصيلًا لا قيمة له.

بهذا المعنى يمكن أن نقرأ كثيرًا من قسوة المعري بوصفها قسوة موجهة إلى الغرور أكثر مما هي موجهة إلى الحياة نفسها.

كان يرى الإنسان كائنًا محدودًا يتصرف أحيانًا كما لو أنه مركز الكون، ويعرف القليل لكنه يعلن اليقين، ويعيش سنوات قصيرة ثم يقضيها في التنافس والافتخار والحكم على الآخرين. من هذه الزاوية يصبح التشاؤم طريقة لتصغير الأنا البشرية.

لكن المعري نفسه لا ينجو دائمًا من أحكام قاسية يمكن للقارئ الحديث أن يعترض عليها، وبعض آرائه الاجتماعية لا تنسجم إطلاقًا مع قيم المساواة المعاصرة. وهذه نقطة ضرورية حين نصف شخصًا بأنه "سابق لعصره": الإنسان التاريخي لا يتحول إلى بطل معاصر بمجرد أننا وجدنا عنده فكرتين تثيران إعجابنا.

نحن لا نحتاج إلى تحديث أبي العلاء لكي يصبح جديرًا بالقراءة. تعقيده نفسه هو ما يجعله جديرًا بها.

ما الذي يبقى من أبي العلاء بعد ألف عام؟

ربما يكون الظلم الأكبر الذي تعرض له أبو العلاء هو نجاح بعض عباراته إلى درجة أنها حجبت بقية الرجل.

بيت عن الموت، وآخر عن الإنجاب، وسطر ساخر عن الدين، ثم لقب "فيلسوف المتشائمين"، ويبدو الملف مكتملًا.

لكن الرجل الذي يظهر عند قراءة أعماله بصورة أوسع أقل قابلية للاختزال: شاعر يفرض على لغته قيودًا شديدة، ولغوي يعيش داخل التراث لكنه لا يخاف السخرية منه، وزاهد لا تعني عزلته انقطاعه عن الفكر، وشاك لا يتحول شكه بالضرورة إلى إنكار لكل قيمة، وناقد للبشر يستطيع أن يتخذ من ألم الحيوان قضية أخلاقية.

حتى "رسالة الغفران"، التي يمكن قراءتها اليوم بوصفها عملًا تخييليًا ساخرًا واسع الثقافة، تمنعنا من جعل صاحبها تمثالًا للحزن. وقد رأينا في مقالة هل سبق المعري دانتي؟ كيف استطاع أن يحول العالم الآخر إلى فضاء للجدل الأدبي والسخرية من يقين البشر، لا إلى وعظ مباشر فحسب.

ولهذا فإن السؤال: "هل كان متشائمًا أم مفكرًا سابقًا لعصره؟" يحمل في داخله فخًا صغيرًا. كلمة "أم" توحي بأن علينا اختيار أحد الرجلين.

لكن أبا العلاء كان يستطيع أن يكون متشائمًا ومفكرًا نقديًا في الوقت نفسه. بل ربما كانت بعض أفكاره الأكثر جرأة نتيجة مباشرة لنظرته القاتمة إلى الألم البشري. لم يقل: العالم سيئ، إذن لا شيء مهم. كثير من كتاباته توحي بمنطق أكثر إزعاجًا: العالم مليء بالألم، ولذلك تصبح مسؤوليتنا عن الألم الذي نصنعه أكثر أهمية.

وإذا كان هناك شيء يجعله قريبًا من القارئ بعد نحو ألف عام، فليس أنه امتلك أجوبتنا قبل أن نولد، بل أنه رفض أن يطمئن بسهولة إلى الأجوبة التي كانت أمامه.

فهل نقرأ أبا العلاء اليوم لأنه كان متشائمًا فعلًا، أم لأن شكوكه تجبرنا على مراجعة الأشياء التي اعتدنا أن نعدها بديهية؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق