بقلم: الورّاق الجزائري
يعرف الناس أن
المدينة غارقة في الظلام، لكن المادح يقف أمام الكاميرا ليشيد بالنور الذي يشع من
جبين الزعيم. يعرفون أن الخبز صار أمنية، فيحدثهم عن الموائد العامرة. يرون
المدارس المتداعية والمستشفيات التي تطلب من المريض أن يحضر دواءه ووسادته وربما
طبيبه معه، بينما يؤكد المادح أن الوطن أصبح مقصدًا لطالبي العلم والعلاج من أرجاء
المعمورة. وحين يسأل مواطن بسيط: أين تقع هذه المعمورة؟ ينظر إليه المادح بازدراء،
كأن نقص المواد الغذائية قد يكون مفهومًا، أما نقص الخيال فخيانة وطنية لا تُغتفر.
المفارقة أن أحدًا
لا يجهل الحقيقة. لا الناس، ولا المادح، ولا الدكتاتور نفسه. الجميع يعرف أن
البلاد ليست جنة، وأن الزعيم ليس عبقريًا نادرًا، وأن الإنجازات التي تُتلى في
نشرات الأخبار لا يعثر المواطن على أثر لها حين يخرج من بيته. ومع ذلك تستمر حفلة المديح
بكامل أناقتها الرسمية: موسيقى حماسية، صور ضخمة، مقدم برامج يرتجف من شدة
الإعجاب، وشاعر يفتش في القاموس عن صفة لم تُستعمل بعد، بعد أن استهلك زملاؤه
الشمس والقمر والبحر والجبل والتاريخ والمستقبل.
فماذا يستفيد
الدكتاتور من مديح يعرف هو قبل غيره أنه كاذب؟
شهادة زور لا تقنع المتهم
يختلف مديح
الدكتاتور عن المديح العادي؛ فحين تمدح صديقًا لأنه كريم، قد يصدقك ويسعد بكلامك.
أما حين تصف دكتاتورًا أحرق البلاد بأنه باني نهضتها، فالمسألة لا تحتاج إلى سوء
فهم؛ هو يعرف جيدًا ماذا بنى وماذا هدم. يعرف عدد السجون أكثر مما يعرف عدد
المكتبات، ويعرف أسماء خصومه أكثر مما يعرف أسماء العلماء، ويعرف بدقة مقدار المال
الذي خرج من الخزانة ولم يعد إليها.
وحين يقول له
المادح: "لقد نقلتم البلاد إلى مصاف الدول المتقدمة"، قد يشعر الدكتاتور
بالحيرة لحظة واحدة: هل يقصد دولة أخرى؟ ثم يتذكر أن المديح في بلاده لا يصف
الواقع، بل يؤدي واجبًا وظيفيًا. فالمادح لا يقدم معلومة، وإنما يقدم نفسه. إنه
يقول للزعيم، بلغة مزينة بالقوافي والاستعارات: أنا مستعد لأن أنكر ما تراه عيناي
إذا كان إنكاره يفتح لي بابًا. ولهذا لا يسأل الدكتاتور مادحه عن صحة الكلام،
وإنما يكون السؤال الحقيقي: إلى أي حد تستطيع أن تكذب من أجلي؟ هل يمكنك أن تصف
الهزيمة بالنصر؟ والفقر بالازدهار؟ والخوف بالاستقرار؟ والسجن بالحماية؟ والفرار
الجماعي للمواطنين بانفتاح الوطن على العالم؟
إذا استطاع المادح
فعل ذلك دون أن يضحك، فقد اجتاز الاختبار.
البلاد مزدهرة، باستثناء البلاد نفسها
يملك المديح
السلطوي قدرة عجيبة على الحديث عن وطن لا يراه سكانه. ففي خطاب المادح: الاقتصاد
ينمو، والعدالة تزدهر، والفرص تتكاثر، والشباب يتطلعون إلى المستقبل بثقة. أما في
الشوارع، فينمو الدين، وتزدهر الواسطة، وتتكاثر طوابير العاطلين، ويتطلع الشباب
إلى أقرب سفارة. لكن المادح لا ينزعج من
هذا التناقض؛ لأن مهمته ليست إصلاح الواقع، بل إصلاح الجملة. إذا عجز المواطن عن
شراء اللحم، فالحل ليس تخفيض الأسعار، وإنما إعداد تقرير تلفزيوني عن "ثقافة
الغذاء الصحي". وإذا هاجر الأطباء، فلا ينبغي السؤال عن سبب هجرتهم، بل
الإشادة بوصول الكفاءات الوطنية إلى العالمية. وإذا تعطلت المصانع، كان ذلك فرصة
للاحتفال بنجاح الدولة في خفض التلوث الصناعي.
لكل كارثة اسم لطيف
في قاموس المديح. فالبطالة "وقت متاح لتنمية المهارات"، وارتفاع الأسعار
"إعادة هيكلة للدعم"، وقمع الصحافة "حماية للمجتمع من
الشائعات"، وغياب الانتخابات "تجنيب للوطن أعباء الاستقطاب". أما
الصمت العام فليس خوفًا، بل إجماع شعبي منقطع النظير. والأطرف أن المواطن يسمع هذا كله وهو واقف في
طابور الخبز. ينظر إلى الكيس الفارغ في يده، ثم إلى الشاشة التي تؤكد له أن الأمن
الغذائي تحقق، فيحتار أيهما أصدق: معدته أم المذيع؟ وسرعان ما يفهم أن معدته
مغرضة، وأن الجوع نفسه قد يكون جزءًا من مؤامرة خارجية.
المادح الذي يهزم المنطق
لا يكتفي المادح
بأن يجعل الدكتاتور رجلًا صالحًا؛ فهذا مستوى متواضع لا يليق بطموحه. عليه أن
يجعله متفوقًا في كل شيء. فهو القائد السياسي الفذ، والخبير الاقتصادي، والمفكر
الاستراتيجي، وراعي الثقافة، وحامي التراث، وصديق الشباب، وأب الفقراء، ورفيق
العمال، وملهم الشعراء، وربما صاحب الفضل في انتظام الفصول الأربعة.
إذا هطل المطر، فبفضل
حكمته. وإذا انقطع، فبسبب الحصار. وإذا انتصر فريق كرة القدم، كان النصر ثمرة
رعايته. وإذا خسر، كان التحكيم مسيسًا. وإذا ارتفع محصول القمح، فذلك إنجاز
تاريخي. وإذا انخفض، فلأن القيادة اختارت، ببصيرة بعيدة المدى، تقليل استهلاك
المياه. فالدكتاتور لا يخطئ في أدبيات المديح؛ بل
تقع حوله أحداث لم تفهم توجيهاته. الوزراء هم الذين يخطئون، والموظفون يقصرون،
والمواطنون يستهلكون أكثر من اللازم، والطقس يتآمر، والجغرافيا تعرقل، والتاريخ
يضع العراقيل. وحده الزعيم يبقى بريئًا من النتائج، حتى حين يكون وحده صاحب
القرارات؛ فلو حكم خمسين عامًا، ثم سألتَ المادح: من المسؤول عن حال البلاد؟ لأجاب
بثقة: المرحلة السابقة.
هل يصدق الدكتاتور ما يقال عنه؟
قد لا يصدق في
البداية. يبتسم للمبالغات ويعرف أنها جزء من المراسم. لكنه مع مرور الوقت يسمع
العبارة نفسها من الوزير والصحفي والشاعر وأستاذ الجامعة ورئيس النقابة ورجل
الدين. تتكرر أمامه الأكذوبة حتى تصبح الحقيقة هي الصوت الوحيد الغائب. ثم يبدأ الخطر الحقيقي: لا
يعود الدكتاتور قادرًا على التمييز بين من يحبه ومن يخافه، بين من يؤيده ومن يبحث
عن وظيفة، بين التصفيق العفوي والتصفيق الذي ينتظر صاحبه إشارة رجل الأمن كي
يتوقف. يرى آلاف الأيدي ترتفع، ولا يرى أن كل يد منها تنظر بطرف عينها إلى اليد
المجاورة.
هنا يؤدي المديح
وظيفته الأشد ضررًا: لا يخدع الناس بالدكتاتور، بل يخدع الدكتاتور بالناس. يقنعه
بأن الصمت رضا، وأن الخوف محبة، وأن غياب الاعتراض دليل على غياب المشكلات. يصبح
القصر آخر مكان تصل إليه الأخبار، مع أنه المكان الذي تصدر منه القرارات.
وقد يسأل الدكتاتور
مستشاريه: هل الشعب سعيد؟
فيجيبونه بحماسة:
أكثر مما ينبغي، يا سيدي.
يسأل: وهل توجد
شكاوى؟
فيقولون: لا توجد
إلا شكاوى من شدة الحب، فالمواطنون يتمنون لو أن اليوم أطول كي يمدحوكم ساعات
إضافية.
ثم تأتي لحظة
الانفجار، فيظهر المسؤولون على الشاشات مذهولين: من أين جاء كل هذا الغضب؟ لقد
كانت التقارير ممتازة!
بالطبع كانت
ممتازة؛ فقد كتبها الأشخاص أنفسهم الذين كانوا يكتبون القصائد.
المديح بوصفه جهازًا لقياس الخوف
لا يحتاج الدكتاتور
إلى المديح كي يعرف أنه عظيم، بل يحتاج إليه، غالبًا، ليعرف مقدار الخوف الذي
يستطيع فرضه. فعندما يجبر الناس على ترديد ما يعرفون أنه كذب، لا يطلب منهم تصديق
العبارة، وإنما يطلب منهم التنازل عن حقهم في وصف الواقع. فحين يقول المواطن إن
الزعيم حكيم وهو يراه يكرر الكارثة نفسها، فذلك إعلان طاعة. وحين يشكر موظفٌ
الدولة على راتب لا يكفيه، فذلك إثبات أن الحاجة أغلقت فمه. وحين يكتب شاعر قصيدة
في الحرية مهداة إلى من صادرها، فذلك انتصار لا تحققه الشرطة وحدها؛ لأن السجين
هنا يزيّن قيده ثم يناقش جماله البلاغي.
لهذا يحب الدكتاتور
المديح الفاضح أكثر من المديح المعقول. المديح المعقول قد يكون رأيًا، أما الكذبة
التي تناقض ما يراه الجميع فهي بيعة علنية. وكلما كانت العبارة أكثر سخافة، كانت
أكثر فائدة في كشف استعداد صاحبها للإذعان. فالدكتاتور لا يريد أن يسمع أنه قائد جيد فحسب؛ يريد من المادح أن
يعلن أن الشمس لم تشرق قبل توليه الحكم. وإذا وافق المادح، سُئل في العام التالي
إن كانت الشمس قد أخذت إذنًا رسميًا بالشروق.
المادح لا يرفع الدكتاتور، بل يصغّر نفسه
يظن المادح أنه
كلما رفع الحاكم ارتفع معه. لذلك يضعه فوق التاريخ، ثم يقف تحته منتظرًا أن تسقط
عليه مكافأة. يخلع على الزعيم صفات الأنبياء والحكماء والأبطال، ولا ينتبه إلى أنه
يحول نفسه في الجملة نفسها إلى كائن بلا عينين ولا ذاكرة ولا كرامة. والمشكلة أن المديح لا
يتوقف عند حد؛ فإذا قال أحدهم إن الحاكم شجاع، سيظهر غدًا من يقول إنه أشجع رجل في
التاريخ. ومن جعله شاعرًا سيأتي بعده من يجعله أعظم من كتب الشعر حتى لو كان آخر
كتاب قرأه دليل استعمال جهاز التكييف. وهكذا يدخل المادحون في سباق لا يفوز فيه
الأصدق أو الأبلغ، بل الأكثر استعدادًا للتخلص من ملامحه.
أحدهم يقول: الزعيم
أب للأمة.
فيأتي الثاني: بل
الأمة لم تكن موجودة قبله.
فيضيف الثالث: بل
التاريخ نفسه كان ينتظر مولده.
أما الرابع، وقد
نفدت منه الصور، فيقترح أن يبدأ التقويم من يوم تسلمه السلطة.
في نهاية السباق لا
يصبح الدكتاتور أعظم؛ بل تصبح اللغة أرخص.
حين تتحول القصيدة إلى طلب توظيف
أشد أشكال المديح
إثارة للأسى ذلك الذي يرتدي ثياب الثقافة. فالكلمات التي يُفترض أن تكشف الزيف
تُستعمل لتلميعه، والقصيدة التي كان يمكن أن تدافع عن الإنسان تصبح معاملة رسمية
ذات وزن وقافية.
يكتب الشاعر عن عدل
الحاكم، ثم يرسل النص إلى الصحيفة أو الموقع الإلكتروني. يمتدح زهده في مقدمة
الكتاب، ثم يسأل عن المكافأة. يعلن أنه قال كلمته للتاريخ، لكنه يتصل كل صباح
ليتأكد أن التاريخ أدرج اسمه في قائمة المدعوين إلى المهرجان. وحين يُسأل: كيف تمدح من أغلق الصحف ومنع الكتب
وطارد الكتّاب؟ يجيب بأن القصيدة لا تُقرأ سياسيًا، مع أنه كتبها كي يقرأها
السياسي تحديدًا. وقد يتحدث عن "رمزية الأب" و"جدلية الوطن
والقائد" و"تجليات الحكمة"، وهي عبارات مفيدة حين يحتاج الضمير إلى
ستارة لغوية سميكة.
ليس المطلوب من كل
شاعر أن يهجو السلطة، ولا من كل مثقف أن يتحول إلى خطيب سياسي. لكن الفرق واسع بين
ألا تهاجم الظلم وأن تحوّله إلى فضيلة، وبين أن تصمت خوفًا وأن تجعل خوفك قصيدة
مديح، وبين أن تنجو بنفسك وأن تطالب الجمهور بالتصفيق لشجاعتك.
ما الذي يحصل عليه الدكتاتور حقًا؟
يحصل على صورة ضخمة
معلقة فوق جدار متشقق، ويحصل على نشرة أخبار من بلد متخيل، وعلى مستشارين يخبرونه
بما يحب، وعلى شعراء يستطيعون إثبات أن الخراب مشروع حضاري إذا توفرت المكافأة
المناسبة. ويحصل على ساعات من التصفيق، لكنه لا يعرف إن كان بين المصفقين شخص واحد
يتمنى بقاءه في الحكم.
يحصل أيضًا على
عزلة محكمة. فالمادح يبعد عنه الحقيقة، والوزير يبعد عنه الأرقام، والإعلامي يبعد
عنه أصوات الناس. ومع كل طبقة جديدة من الثناء، يصبح الحاكم أقل معرفة بالبلاد
التي يحكمها. يرى الوطن من نافذة سيارة مصفحة، ثم يسمع من مستشاريه أن الناس
يلوحون له حبًا، مع أن بعضهم كان يحاول إيقاف السيارة ليسأل عن ابنه المعتقل.
قد ينجح المديح في
صناعة هيبة مؤقتة، لكنه لا يبني شرعية. فالحاكم يستطيع أن يملأ الشوارع بالصور،
لكنه لا يستطيع أن يملأ قلبًا واحدًا بالاحترام. ويستطيع أن يمنع الناس من قول ما
يفكرون فيه، لكنه لا يستطيع أن يجبرهم على التفكير فيما يقولونه.
وهذه هي المفارقة
الكبرى: كلما ارتفع صوت المديح حول الدكتاتور، ازداد الشك في وجود شيء حقيقي يستحق
المديح. فالإنجاز الواضح لا يحتاج إلى شاعر يشرحه، والعدل لا يحتاج إلى مذيع يصرخ
لإثباته، والمحبة لا تُقاس بعدد اللافتات التي أشرفت السلطة على تعليقها.
النهاية التي لا يحضرها الشعراء
عندما يضعف
الدكتاتور، يكتشف أن للمادحين مواهب أخرى غير الشعر. فهم يستطيعون تعديل القصيدة
بسرعة مذهلة، واستبدال الاسم باسم، والصورة بصورة، وعبارة "قائدنا إلى
الأبد" بعبارة "لقد حذرنا منذ البداية". بعضهم يتحول إلى معارض
قديم لم تسنح له فرصة إعلان معارضته، وبعضهم يكتشف فجأة أن صمته كان مقاومة، مع أن
صمته نُشر في عشرين ديوانًا من المديح.
أما الدكتاتور،
فيقرأ النسخة الجديدة من التاريخ متعجبًا. أين ذهب الذين جعلوه شمسًا؟ لماذا أشرقت
الشمس في الجهة الأخرى؟ كيف صار "باني الوطن" مسؤولًا عن الخراب خلال
ليلة واحدة؟ والجواب بسيط: المديح لم يكن حبًا قط. كان عقد منفعة، ينتهي بانتهاء
الجهة القادرة على الدفع والحماية. لم يكن المادح يرى في الدكتاتور بطلًا؛ كان يرى
فيه بابًا. وحين يُغلق الباب، يبحث عن باب آخر ويكتب فوقه القصيدة نفسها. وفي المحصلة، لا يستفيد الدكتاتور من المديح
إلا بقدر ما يستفيد مريض من طبيب يؤكد له أن صحته ممتازة كي لا يزعجه بنتائج
الفحوص. قد ينام مرتاحًا، لكنه لن يستيقظ أكثر عافية. المديح لا يحوّل الفشل إلى
نجاح، ولا الخوف إلى ولاء، ولا الكذب إلى حقيقة. إنه فقط يؤجل لحظة الاصطدام
بالواقع، ويضمن أن تكون أشد قسوة حين تأتي.
إن فكرة مدح
الدكتاتور سخيفة من أصلها؛ لأنه يعرف أنه لا يستحق ما يقال، والمادح يعرف أنه لا
يعني ما يقول، والناس يعرفون أن الاثنين يمثلان. ومع ذلك تستمر المسرحية:
الدكتاتور يتظاهر بأنه صدق، والمادح يتظاهر بأنه أحب، والجمهور يتظاهر بأنه لم
يسمع.
لكن خارج المسرح
تبقى الحقيقة واقفة بلا دعوة، تبتسم من ركاكة النص، وتنتظر أن يُسدل الستار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق