اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

جيفارا في الأدب والفن: كيف تحوّل إلى أيقونة عالمية؟

صورة توضيحية تستلهم حضور تشي جيفارا في الكتب والملصقات والفنون
صورة توضيحية أصلية تستلهم تحوّل جيفارا من شخصية تاريخية إلى أيقونة في الأدب والفن.

من الرجل الذي عاش في التاريخ إلى الوجه الذي انفصل عنه وصار يعيش وحده

كيف أصبح تشي جيفارا واحدًا من أكثر الوجوه حضورًا في الأدب والفن، مع أن ملايين الذين يعرفون صورته لم يقرأوا كتبه، وربما لا يعرفون بالتفصيل ماذا فعل في كوبا أو الكونغو أو بوليفيا؟ ولماذا استطاعت صورة لرجل بلحية وشعر طويل وقبعة ذات نجمة أن تعبر اللغات والقارات، فتظهر في قصيدة عربية وأغنية احتجاجية، وفي رواية وملصق سياسي ولوحة فنية، ثم تنتهي مطبوعة على قميص يباع في متجر قد لا تربطه بأفكار جيفارا أي صلة؟

الجواب المختصر هو أن جيفارا لم يتحول إلى أيقونة بسبب حياته وحدها، بل بسبب اجتماع ثلاثة أشياء نادرًا ما تجتمع بهذه القوة: سيرة قابلة للتحول إلى حكاية، وموت مبكر صنع صورة الشهيد في عيون أنصاره، وصورة فوتوغرافية اختزلت الإنسان المعقد في وجه يسهل نسخه وإعادة تأويله. ثم جاء الشعر والرواية والملصق والسينما والثقافة الشعبية، فأعادت كل واحدة منها اختراع جيفارا الذي تحتاج إليه.

وهنا تبدأ المشكلة الأدبية الحقيقية. فحين يدخل شخص تاريخي إلى الفن، لا يبقى هو نفسه تمامًا. يتحول إلى شخصية. تُحذف منه تفاصيل وتُضخّم أخرى، ويأخذ المؤلف أو الرسام أو المغني من حياته ما يصلح للعمل الذي يصنعه. لهذا فإن "جيفارا الأدب" ليس مطابقًا بالضرورة لجيفارا الذي تكشفه الوثائق التاريخية، و"جيفارا الملصق" ليس هو الرجل الذي عاش تناقضات الثورة ومؤسساتها واختياراتها العنيفة.

لهذا أيضًا لا تكفي الإجابة السهلة التي تقول إن الفن "خلّد" جيفارا. الأدق أن الفن صنع منه نسخًا كثيرة: جيفارا الرحالة، وجيفارا المتمرد، وجيفارا الشهيد، وجيفارا الثوري الأممي، وجيفارا الشاب الذي لم يشِخ، ثم جيفارا آخر يكاد يصبح مجرد علامة بصرية منفصلة عن الأفكار التي حملها صاحب الوجه.


قبل أن يصبح صورة: جيفارا الذي كان يكتب

من السهل أن ننظر إلى جيفارا اليوم بوصفه موضوعًا كتبت عنه الكتب، وننسى أنه ترك هو نفسه نصوصًا ويوميات ورسائل. وهذه الحقيقة مهمة لأن انتقاله إلى الأدب لم يبدأ بعد موته فقط؛ فقد كان يدوّن تجربته ويعيد صياغة حياته بالكلمات قبل أن يعيد الآخرون صياغتها بالقصيدة واللوحة والرواية.

في الرحلة التي قام بها عبر أميركا اللاتينية سنة 1952 مع ألبرتو غرانادو، كان إرنستو جيفارا لا يزال طالب طب شابًا. اليوم نقرأ تلك التجربة في "يوميات دراجة نارية"، فنجد شخصًا يراقب المدن والمناجم والمرض والفقر والاختلافات الاجتماعية، لكنه لم يكن بعدُ الصورة المكتملة التي ستعرفها الستينيات. أهمية الكتاب ليست في أننا نستطيع أن نستخرج منه لحظة سحرية واحدة "ولد فيها الثائر"، بل في أننا نرى فيه حركة الشخصية نفسها وهي تتغير أثناء السفر.

وهذا يجعل اليوميات مادة أدبية شديدة الإغراء. فالرحلة تمنح الكاتب بناء جاهزًا للتحول: مكان يتغير، ووجوه تتبدل، وذات تبدأ من نقطة ثم تصل إلى أخرى. وعندما نقرأ النص بعد أن نعرف مصير صاحبه، يحدث شيء إضافي: المستقبل يتسلل إلى الماضي. نقرأ الشاب الذي يسافر على دراجة ونحن نعرف مسبقًا الرجل الذي سيظهر لاحقًا في كوبا ثم يموت في بوليفيا. المعرفة اللاحقة تجعل التفاصيل الصغيرة تبدو كأنها إشارات مبكرة، حتى عندما لا تكون كذلك بالضرورة.

وفي "اليوميات البوليفية" تصبح الكتابة مختلفة. نحن أمام تسجيل يومي لحملة مسلحة ستنتهي بالفشل والقبض على جيفارا ثم مقتله في أكتوبر/تشرين الأول 1967. هنا تكتسب اليوميات توترها من الفجوة بين معرفة الكاتب في لحظة الكتابة ومعرفة القارئ بالنهاية. جيفارا الذي يكتب اليوم لا يعرف ما نعرفه نحن عن الغد. وهذه المسافة وحدها كافية لأن تمنح الوثيقة التاريخية خاصية قريبة من المأساة الأدبية.

صورة واحدة بدأت تبتلع السيرة

لكن الكتاب لم يكن الوسيط الذي حمل جيفارا إلى أكبر عدد من الناس. الذي فعل ذلك كان صورة.

في الخامس من مارس/آذار 1960 التقط المصور الكوبي ألبرتو كوردا الصورة التي عرفت لاحقًا باسم "Guerrillero Heroico". لا يظهر فيها جيفارا وهو يقاتل ولا وهو يخطب ولا وهو يكتب. الوجه وحده تقريبًا هو الحدث: الشعر، اللحية، القبعة والنجمة، والنظرة التي تتجاوز الكاميرا إلى شيء لا نراه.

هذه النقطة جوهرية لفهم قوتها الفنية. الصورة لا تخبر المشاهد ماذا يحدث خارج الإطار. ليس فيها عدو ولا بندقية ظاهرة ولا خريطة ولا شعار يفسر الموقف. ولذلك تستطيع أن تنفصل بسهولة عن لحظتها الأصلية. ما إن تُقصّ الخلفية وتُبسّط الخطوط حتى يتحول الوجه إلى قالب قابل للاستعمال في سياقات مختلفة.

بعد موت جيفارا، ساهمت إعادة إنتاج الصورة، ولا سيما المعالجات الطباعية والملصقات التي انتشرت في أواخر الستينيات، في تحويلها إلى علامة عالمية. الفنان الإيرلندي جيم فيتزباتريك صنع سنة 1968 معالجة رسومية شديدة الاختزال للصورة: تباين قوي، مساحات لونية حادة، ووجه يمكن استنساخه بسرعة. لم يعد المشاهد في حاجة إلى معرفة أين التقطت الصورة أو في أي مناسبة. الوجه صار يحمل قصته معه.

وهنا تفعل الصورة ما يفعله الرمز الناجح عادة: تختصر ما هو معقد. الإنسان يحتاج إلى سيرة طويلة، أما الأيقونة فتحتاج إلى ثانية واحدة.

لكن الاختصار له ثمن. فعندما يتحول الإنسان إلى وجه، تختفي أجزاء من تاريخه. جيفارا الشخصية السياسية والعسكرية التي شاركت في سلطة ثورية وخاضت صراعات مسلحة وارتبط اسمها بقرارات وممارسات ما تزال موضع خلاف حاد، يصبح في الملصق أقل تعقيدًا بكثير. أنصاره رأوا فيه رمزًا للتحرر ومقاومة الهيمنة، بينما ركز منتقدوه على العنف السياسي والمحاكمات والإعدامات في المرحلة الثورية الكوبية. الصورة لا تحسم شيئًا من ذلك؛ إنها ببساطة تضع التاريخ كله خلف وجه واحد.

حين وصل جيفارا إلى العربية: القصيدة لا تكتب السيرة

في الثقافة العربية، لا يمكن الحديث عن جيفارا من دون التوقف عند قصيدة أحمد فؤاد نجم "جيفارا مات"، التي ارتبطت بصوت الشيخ إمام. المثير هنا أن القصيدة لا تحاول تعريف المستمع بجيفارا ولا سرد حياته. إنها تبدأ من الخبر: مات الرجل.

بهذا الاختيار يتحول الموت نفسه إلى مدخل فني. القصيدة لا تقول للقارئ: من كان جيفارا؟ بل تسأله ضمنيًا: ماذا يكشف موت هذا الرجل عن الأحياء؟ ولذلك تتحرك سريعًا من الرثاء إلى نقد المتفرجين والمتكلمين وأصحاب النضال المريح. الشخصية التاريخية تصبح مرآة يختبر بها الشاعر مجتمعه.

هذه التقنية مألوفة في الشعر السياسي الجيد: الشخصية الخارجية لا تبقى موضوعًا خارجيًا، بل تصبح أداة للكشف. ويمكن للقارئ أن يلاحظ طريقة قريبة في تجارب عربية أخرى ناقشها "الوراق الجزائري"، مثل تجربة معين بسيسو حين تصبح القصيدة متراسًا؛ إذ لا يبقى الحدث السياسي خبرًا، وإنما يتحول داخل اللغة إلى سؤال عن الفرد والجماعة والفعل.

في "جيفارا مات" لا نحتاج إلى سيرة كاملة لأن الشاعر يعمل على الصورة التي كانت قد بدأت تتكون حول الموت: رجل بعيد جغرافيًا يتحول إلى قريب رمزي. وهذا يكشف جانبًا مهمًا من انتقال الرموز بين الثقافات. لكي يدخل جيفارا القصيدة العربية لم يكن مطلوبًا أن يصبح عربيًا أو أن تكون تجربته مطابقة لتجربة المنطقة. كان يكفي أن توجد نقطة اتصال: الثورة، الهزيمة، التمرد، الفقراء، والموت في مواجهة قوة أكبر.

وتفسر هذه القابلية للانتقال لماذا استطاعت شخصية من أميركا اللاتينية أن تدخل مخيلة عربية كانت تعيش هزائم وتحولات سياسية كبرى. لم يكن استقبال جيفارا مجرد إعجاب برجل أجنبي؛ كان أيضًا بحثًا عن لغة يمكن بواسطتها التعبير عن أزمات محلية.

وهذا يضعه في جوار رمزي مع شعراء عرب جعلوا القصيدة مكانًا لمواجهة السلطة والهزيمة. فالاحتجاج الصريح الذي نقرأه عند مظفّر النوّاب، أو الصراع الأخلاقي والسياسي الذي تبنيه قصيدة "لا تصالح" لأمل دنقل، يوضحان أن الأدب لا يحتاج إلى أن يكون بيانًا حزبيًا حتى يدخل في صميم السياسة؛ يستطيع أن يفعل ذلك عبر الصورة والنبرة والمفارقة والضمير الأخلاقي.

من القصيدة إلى الرواية: عندما يصبح جيفارا نصًا داخل نص

الحضور العربي لجيفارا لم يبق عند الرثاء والأغنية. الدراسات التي تناولت التبادل الثقافي بين أميركا اللاتينية والعالم العربي تتبع أثر اليوميات والأيقونة الجيفارية في أعمال سردية عربية، ومن أبرز الأمثلة رواية "وردة" لصنع الله إبراهيم.

في الرواية، التي تستعيد تجربة الثورة في ظفار، تدخل يوميات جيفارا في بناء وعي الشخصية الثورية وفي الطريقة التي تتخيل بها نفسها داخل تاريخ أوسع من حدود المكان. وهذه نقطة أكثر تعقيدًا من مجرد الإعجاب بشخصية سياسية: الكتاب يصبح وسيطًا بين ثورتين، والقارئ داخل الرواية يقرأ ثائرًا من قارة أخرى لكي يفهم ما يفعله هو.

هذا النوع من التناص يكشف كيف تتحرك الأفكار الأدبية والسياسية عبر الحدود. اليوميات التي كتبت في أميركا اللاتينية يمكن أن تصبح بعد عقود جزءًا من رواية عربية عن عُمان. وفي الانتقال يحدث التحوير. لا يعود جيفارا مجرد صاحب اليوميات؛ يصبح "نموذجًا مقروءًا"، أي صورة للشخصية التي تحاول شخصية أخرى أن تقيس نفسها عليها.

وهنا تكمن قيمة الرواية مقارنة بالملصق. الملصق يحتاج إلى الاختزال، بينما تستطيع الرواية أن تستعيد التناقض. الشخصية التي تتخيل نفسها امتدادًا لجيفارا يمكن أن تصطدم بالتعب والعلاقات الشخصية والانقسامات التنظيمية والمكان والقبيلة والواقع الذي لا يطيع الشعارات بسهولة. وهكذا تنتقل صورة الثائر من المثال إلى الاختبار.

لماذا كان جيفارا مناسبًا جدًا للفن؟

هناك شخصيات سياسية أكثر تأثيرًا في مسار القرن العشرين، وأصحاب كتب أكثر عمقًا، وقادة حققوا نتائج عسكرية وسياسية أكبر. ومع ذلك لم تتحول وجوههم بالضرورة إلى علامة عالمية بالطريقة نفسها. لذلك لا تكفي الأهمية التاريخية لتفسير الظاهرة.

قوة جيفارا الفنية جاءت جزئيًا من شكل سيرته. هناك شباب واضح، ورحلة طويلة، وطب، وثورة، وانتصار في مكان، ثم خروج من السلطة، ثم انتقال إلى قارة أخرى، ومحاولة جديدة، وعزلة متزايدة، ونهاية مبكرة في التاسعة والثلاثين. هذه العناصر تشبه، من حيث البناء لا من حيث الحكم الأخلاقي، المواد التي تجذب الأدب منذ المآسي القديمة: شخصية تتحرك باستمرار نحو حد نهائي.

ثم يأتي الموت المبكر ليوقف الزمن. جيفارا لم يعش حتى الشيخوخة، ولذلك لم تضطر الأيقونة إلى التكيف مع صورة رجل يتقدم في السن ويغير مواقفه أو يدخل مرحلة طويلة من المراجعات. الصورة الأشهر بقيت شابة، بينما مضت العقود من حولها.

وهذا مهم جدًا في صناعة الرمز. الشيخوخة تعيد الإنسان إلى الزمن، أما الصورة الثابتة فتعطي انطباعًا بأنه خارجه.

هناك أيضًا عنصر المسافة. كلما ابتعد الرمز عن الحياة اليومية لمن يستخدمه صار أسهل في إعادة تشكيله. العربي الذي سمع "جيفارا مات" لم يكن يعيش التفاصيل الداخلية للسياسة الكوبية، والطالب الأوروبي الذي علق الملصق في غرفته لم يكن بالضرورة خبيرًا في الاقتصاد الكوبي أو حرب العصابات في بوليفيا. المسافة تسمح باختيار المعنى المطلوب وترك الباقي.

الفن لا يحفظ الإنسان كما هو

من المغري أن نقول إن القصائد والأغاني واللوحات حافظت على جيفارا من النسيان. العبارة صحيحة جزئيًا فقط، لأن الفن حين يحفظ شخصية تاريخية يغيرها في الوقت نفسه.

أحمد فؤاد نجم لم يحتفظ لنا بجيفارا المؤرخ؛ احتفظ بجيفارا الذي احتاجته القصيدة. فيتزباتريك لم يحتفظ بتفاصيل الصورة الفوتوغرافية؛ حذفها حتى يحصل على رمز بصري قوي. الروايات لا تحتاج إلى استعادة الرجل بكامل وثائقه، بل تستدعي الجزء الذي يستطيع أن يدخل في عالمها السردي.

هذه ليست خيانة بالضرورة، بل طبيعة التمثيل الفني. لا يوجد عمل فني قادر على حمل حياة كاملة. الاختيار يبدأ لحظة اختيار زاوية الكاميرا، ويستمر في القصيدة والرواية والمونتاج واللون.

لكن المشكلة تظهر عندما ننسى أن الاختيار حدث أصلًا. عندئذ نبدأ في التعامل مع الرمز وكأنه الشخص نفسه، ومع القصيدة وكأنها وثيقة تاريخية، ومع الملصق وكأنه سيرة ذاتية.

لهذا من المفيد أن نفصل بين ثلاثة مستويات: جيفارا التاريخي الذي يمكن بحثه بالوثائق، وجيفارا الذي كتبه بنفسه في يومياته ورسائله، وجيفارا الذي صنعه الآخرون بعد ذلك في الفن والأدب. المستويات تتقاطع، لكنها ليست شيئًا واحدًا.

المفارقة الكبرى: كيف دخل عدو الرأسمالية إلى السوق؟

ربما لا يوجد مشهد يلخص مفارقة جيفارا الثقافية أكثر من قميص يحمل وجهه يباع بوصفه سلعة.

فالصورة التي ارتبطت بالثورة والاشتراكية والاعتراض على الهيمنة الرأسمالية دخلت تدريجيًا في دورة تجارية واسعة: قمصان، أكواب، حقائب، ملصقات، إعلانات ومنتجات لا تحصى. وهنا بدا لكثير من الباحثين أن الرمز انقلب على معناه: لقد تحولت صورة المعترض على ثقافة السوق إلى واحد من منتجاتها.

لكن المسألة أكثر تعقيدًا من إعلان "انتصار السوق" أو "موت المعنى السياسي". بعض دراسات الثقافة البصرية ترى أن التسليع والمعنى الاحتجاجي يمكن أن يعيشا معًا في الصورة نفسها. الشاب الذي يشتري قميصًا قد يشتري تصميمًا فقط، وقد يشتري رمزًا للتمرد العام، وقد يقصده بوصفه إعلانًا سياسيًا. لا تستطيع السلعة وحدها أن تخبرنا بنيته.

وبهذا تصبح صورة جيفارا مثالًا على ظاهرة أوسع: الرمز حين ينتشر يفقد صاحبه السيطرة عليه. يستطيع الخصوم استخدامه كما يستخدمه الأنصار، ويستطيع السوق بيعه، ويستطيع الفنان السخرية منه، ويستطيع متظاهر إعادة شحنه بالمعنى السياسي بعد أن بدا أنه تحول إلى زينة.

ولذلك فالسؤال "هل أفرغت التجارة صورة جيفارا من معناها؟" لا يملك جوابًا واحدًا. في بعض السياقات نعم، إذ لا يبقى من الرجل إلا التصميم. وفي سياقات أخرى تعود الصورة لتعمل علامة احتجاجية. وما يجعل الأيقونة باقية هو تحديدًا قدرتها على الانتقال بين هذه الاستخدامات المتعارضة.

جيفارا بين التقديس والإدانة: أين يقف الأدب؟

من أخطاء التعامل مع الشخصيات السياسية في الأدب أن يتحول المقال النقدي إلى محكمة تطلب حكمًا نهائيًا: بطل أم مجرم؟ قديس أم مستبد؟ الأسئلة التاريخية والأخلاقية المرتبطة بجيفارا مشروعة وضرورية، لكن الفن لا يعمل دائمًا بهذه الثنائية.

يمكن للكاتب أن يدرس قوة الرمز من دون أن يطلب من القارئ تبني أيديولوجية صاحبه. ويمكن قراءة قصيدة "جيفارا مات" بوصفها نصًا عن معنى الالتزام والفجوة بين الكلام والفعل، حتى لو اختلف القارئ مع جيفارا سياسيًا. ويمكن دراسة صورة كوردا بوصفها حدثًا في تاريخ التصوير والتصميم من دون تحويل الدراسة إلى تأييد للثورة الكوبية.

في المقابل، لا ينبغي لجمال الصورة أن يمحو التاريخ. الشخص الحقيقي عاش في صراعات استخدمت فيها القوة والعنف، وكان جزءًا من مشروع سياسي ذي مؤيدين وخصوم، وارتبطت بعض مراحله بإعدامات ومحاكمات وسياسات ما تزال موضع نزاع أخلاقي وتاريخي. تحويل جيفارا إلى قديس بلا تناقضات يختزل التاريخ بالقدر نفسه الذي يختزله تحويله إلى شر مطلق.

وهنا يستطيع الأدب الجيد أن يفعل ما لا يفعله الملصق بسهولة: أن يعيد التعقيد إلى الوجه.

هل صار الرمز أشهر من الرجل؟

على الأرجح نعم، وهذه هي النقطة التي تجعل جيفارا حالة ثقافية استثنائية. كثيرون يستطيعون التعرف إلى الصورة قبل أن يقرؤوا صفحة واحدة من كتاباته، وقد يستخدمونها للتعبير عن "التمرد" بمعنى فضفاض لا يطابق مشروعه السياسي المحدد.

لكن هذا لا يعني أن الرجل اختفى تمامًا. في كل مرة يعود قارئ إلى "يوميات دراجة نارية"، أو إلى يوميات بوليفيا، أو إلى دراسة تاريخية جادة، تحدث حركة عكسية: ننتقل من الوجه المبسط إلى الإنسان المركب. نكتشف المسافة بين الرمز ومصدره.

وربما لهذا لا تزال قصة جيفارا مناسبة للأدب أكثر مما تبدو. إنها ليست فقط قصة رجل تحول إلى صورة، بل قصة صورة بدأت تعيد كتابة الرجل.

الصورة أخذت من حياته ما تحتاج إليه لكي تصبح عالمية: الشباب، النظرة، النجمة، الموت. الشعر أخذ الموت وحوله إلى احتجاج. الرواية أخذت اليوميات وحولتها إلى ذاكرة عابرة للقارات. السوق أخذ الوجه وحوله إلى منتج. وكل مرحلة أضافت جيفارا جديدًا فوق جيفارا السابق.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: أي صورة منها هي "جيفارا الحقيقي"؟ فالحقيقة التاريخية لا توجد في ملصق واحد أصلًا. السؤال الأهم هو: لماذا احتاجت أزمنة ومجتمعات مختلفة إلى إعادة استعمال هذا الوجه؟

قد تكون الإجابة أن الأيقونات لا تعيش لأنها تحمل معنى ثابتًا، بل لأنها تترك مساحة كافية لكي يضع كل زمن فيها قلقه الخاص. من رأى في جيفارا ثائرًا قرأ الصورة بطريقة، ومن رآه ممثلًا لمشروع سياسي عنيف قرأها بطريقة أخرى، ومن اشتراها بوصفها موضة ربما لم يقرأها سياسيًا أصلًا.

وبين هذه القراءات بقي الوجه نفسه.

وهذا هو الانتصار الحقيقي للصورة بوصفها صورة، لا حكمًا على الرجل الذي فيها: لقد تجاوزت اللحظة التي وُلدت فيها، وأصبحت نصًا مفتوحًا يتصارع الناس على معناه.

فحين ترى وجه جيفارا اليوم على جدار أو كتاب أو قميص، هل ترى الرجل الذي عاش في التاريخ، أم الرمز الذي صنعه الأدب والفن بعد موته؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق