بقلم: الورّاق الجزائري
لا
تدخل حوراء الهميلي إلى الشعر من باب الاعتراف المباشر، بل من باب الصورة التي
تحوّل التجربة النفسية إلى مشهد مرئي ومحسوس. فالحزن عندها ليس معنى ذهنيًّا،
والحب ليس انفعالًا مجرّدًا، والقلب ليس عضوًا صامتًا؛ كلّها كائنات تتحرك وترتدي
وتحترق وتبحر وتصلي. ومن هنا تنبع أبرز جماليات المختارات الثلاث: "من زرّر
قميص المعنى؟!"، و"جمرة مستلقية تحت ضلوعي!"، و"نجوى أخيرة…!"؛
إذ تبدو القصيدة فيها محاولة دائمة لمنح الباطن جسدًا، ولجعل اللغة مكانًا تلتقي
فيه الأنوثة والذاكرة والقلق الوجودي والتوق الروحي.
القصيدة بوصفها جسدًا أنثويًّا
تقوم
قصيدة "من زرّر قميص المعنى؟!" على وعي واضح بفعل الكتابة نفسه.
فالشاعرة لا تكتفي بإنشاء الصور، بل تتأمل كيفية ولادتها، وتقدّم القصيدة بوصفها
جسدًا تكسوه وتزيّنه وتدفعه إلى الرقص:
زاوجتُ أجناسَ
اللغاتِ على فمي
وكسوتُ جسمَ قصائدي بثيابي
يتحوّل
النص هنا إلى امتداد للذات، فلا يعود الثوب زينة خارجية، وإنما علامة على اتحاد
الشاعرة بما تكتب. وهي تتابع بناء هذه الهوية عبر حقل دلالي أنثوي غني: الأقراط،
والخلخال، والخضاب، والحناء، والسوسن، والثياب. غير أن هذه المفردات لا تؤدي وظيفة
زخرفية فحسب؛ فقولها:
أقراطي الأفكارُ
خلخالي الهوى
يجعل
الفكر نفسه حُلِيًّا، ويحوّل الهوى إلى إيقاع مسموع في حركة الجسد. وهكذا تتجاوز
الأنوثة معناها الجسدي المباشر لتصبح طريقة في تشكيل العالم وإنتاج المعرفة
والجمال. ويتصل عنوان القصيدة بهذا
التصور اتصالًا وثيقًا؛ فالسؤال "من زرّر قميص المعنى؟" ينظر إلى المعنى
كأنه جسد يمكن ستره أو كشفه. والزرّ في هذا السياق حدّ فاصل بين ما تقوله اللغة
وما تخفيه، بين الدلالة الظاهرة والسر الكامن خلفها. لذلك تبدو القصيدة كلها فعلًا
مترددًا بين الإبانة والاحتجاب: تفتح قميص المعنى قليلًا، ثم تعيد إغلاقه بالمجاز.
هذه
الأنوثة الشعرية ليست وديعة أو ساكنة؛ إنها ذات متمردة تعلن حضورها وتبني عرشها
اللغوي، ثم لا تلبث أن تشك في هذا العرش:
ما العرشُ؟
مملكةُ الهوى
أنّى اعتليتُ
سقطتُ من أعلايَ للمحرابِ
تجمع
الصورة بين العرش والمحراب، وبين الكبرياء والخشوع، فتبدو الذات في حركة هبوط هي،
في حقيقتها، صعود روحي. فالسقوط من سلطة الأنا يقود إلى مقام التعبد، والانكسار
يغدو سبيلًا إلى الكشف.
