اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

ما الفرق بين الشخصية الرئيسية والشخصية الثانوية؟ وكيف نميز بينهما؟

شخصيات روائية تتوزع حول شخصية مركزية في مشهد يوضح الفرق بين الشخصية الرئيسية والثانوية
صورة توضيحية لاختلاف موقع الشخصيات وأدوارها داخل البناء السردي.
ليست الشخصية الرئيسية هي الأكثر ظهورًا دائمًا، وليست الشخصية الثانوية مجرد شخص يقف في خلفية الحكاية

تفتح رواية فتجد عشرات الشخصيات. إحداها تظهر منذ الصفحات الأولى، وأخرى لا تدخل إلا بعد منتصف العمل، وثالثة لا نعرف عنها إلا القليل، لكنها تتخذ قرارًا يقلب مسار الأحداث كله. عندئذ يبدو السؤال بسيطًا: من الشخصية الرئيسية ومن الشخصية الثانوية؟ لكنه يصبح أصعب فور محاولة تطبيقه على رواية حقيقية.

قد نظن أن الشخصية الرئيسية هي التي تظهر أكثر، أو التي تتكلم أكثر، أو التي يروي النص بضميرها. وقد نتصور أن الشخصية الثانوية أقل أهمية، أو أقل تعقيدًا، أو يمكن حذفها بلا أثر. هذه العلامات قد تساعد أحيانًا، لكنها لا تصلح قواعد نهائية.

الفرق الأساسي هو أن الشخصية الرئيسية تحتل مركزًا في الصراع والحبكة والاهتمام السردي، بحيث يرتبط جزء كبير من تطور الحكاية بما تفعله أو بما يحدث لها. أما الشخصية الثانوية فتعمل في مجال أكثر محدودية، لكنها قد تؤثر بقوة في الشخصية الرئيسية أو تدفع الحبكة أو تكشف جانبًا لا نراه من دونها. لذلك لا يكفي عدد الصفحات أو مرات الظهور للحكم على موقع الشخصية.

ولكي نستطيع التمييز فعلًا، نحتاج إلى سؤال أكثر دقة من: كم مرة ظهرت الشخصية؟ السؤال الأفضل هو: ماذا يحدث لبنية الحكاية إذا أخرجنا هذه الشخصية منها؟

المركزية أهم من عدد مرات الظهور

عندما نصف شخصية بأنها رئيسية فنحن لا نمنحها رتبة شرفية، ولا نقول إنها أفضل الشخصيات أو أكثرها إثارة للإعجاب. نحن نصف موقعها داخل النظام السردي.

قد تدور الحبكة حول رغبتها أو أزمتها أو بحثها أو خسارتها. وقد تتجمع حولها العلاقات والصراعات. نرى العالم من خلال تجربتها أو نتابع التحولات التي يفرضها عليها مسار الأحداث. ولهذا يكون السؤال عن الشخصية الرئيسية مرتبطًا بما شرحناه عند الحديث عن الحبكة في الرواية وكيف تُبنى: الشخصية لا تصبح مركزية لأنها تحمل اسمًا لامعًا، بل لأن خطوطًا أساسية من الفعل السردي تمر عبرها.

تخيل رواية عن شاب يريد مغادرة قريته، لكن أباه يعارضه، وصديقه يساعده، وموظفًا مجهولًا يمنحه ورقة السفر في اللحظة الأخيرة. الأب والصديق والموظف قد يؤثرون في الحدث، لكن الرواية تظل مرتبطة بالسؤال: هل ينجح الشاب في المغادرة؟ ماذا يخسر؟ وكيف يتغير؟

هنا يصبح الشاب شخصية رئيسية، بينما تختلف درجات الشخصيات الأخرى بحسب مقدار حضورها ووظيفتها وعلاقتها بمسار الحكاية.

لكن ماذا لو بدأت الرواية بالأب ثم انتقلت تدريجيًا إلى تجربته هو، وكشفت خوفه من رحيل ابنه، وربطت الماضي بالحاضر من خلال ذاكرته، وجعلت قراراته تغير مصير الجميع؟ عندها قد لا يعود من الدقيق التعامل معه بوصفه شخصية ثانوية فقط. وربما تكون الرواية ذات شخصيتين رئيسيتين.

إذن لا توجد ضرورة لأن يكون للعمل مركز واحد دائمًا.

خمسة أسئلة تكشف الشخصية الرئيسية

لا توجد معادلة حسابية تحسم التصنيف في جميع الأعمال، لكن يمكن للقارئ اختبار مركزية الشخصية من خلال خمسة أسئلة مترابطة.

1. إلى من ترتبط المشكلة الكبرى؟

ابحث عن الصراع الذي لو اختفى لانطفأ معظم التوتر في العمل. من يريد شيئًا؟ من يواجه العائق الأكبر؟ من يدفع ثمن الصراع؟

إذا كانت الرواية تحكي عن امرأة تحاول إنقاذ أسرتها من الانهيار، فقد تكون هي الشخصية الرئيسية حتى لو منح الكاتب زوجها وأبناءها فصولًا طويلة. وجود شخصيات أخرى قوية لا يسلبها مركزيتها ما دام الصراع الأساسي يتشكل حول تجربتها.

2. من تتبع الحبكة قراراته ونتائجها؟

الشخصية الرئيسية لا تحتاج إلى السيطرة على كل الأحداث، لكنها غالبًا إحدى العقد التي تصل بينها. قرار تتخذه يخلق مشكلة، والمشكلة تدفعها إلى قرار آخر، ثم ينتج عن ذلك تحول جديد.

أما الشخصية الثانوية فقد تقوم بفعل بالغ الخطورة، لكنها لا تحمل بالضرورة السلسلة كاملة. شخص يظهر مرة واحدة ويسلّم البطل رسالة قد يغير مسار الرواية كلها، ومع ذلك يظل ثانويًا؛ لأن الرواية لا تتبع حياته أو أزمته بعد تسليم الرسالة.

3. أين يتركز اهتمام النص؟

هنا لا نتحدث عن الحضور الجسدي فقط. قد يظهر شخصان في العدد نفسه تقريبًا من المشاهد، لكن النص يمنح أحدهما مساحة داخلية أوسع: مخاوفه، ذاكرته، اختياراته، تغير نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.

وقد شرحنا في مقالة عناصر الرواية وعلاقة الشخصيات بالحبكة والراوي والزمان والمكان أن عناصر السرد لا تعمل منفصلة. مركزية الشخصية تتبين من الطريقة التي تربط بها الرواية بينها وبين هذه العناصر مجتمعة.

4. من يتغير معنى النهاية بمصيره؟

اسأل بعد الانتهاء من الرواية: إلى مصير من كنت أعود لكي أفهم معنى النهاية؟

في كثير من الأعمال يكون مصير الشخصية الرئيسية هو النقطة التي تتجمع عندها الدلالات. ليس ضروريًا أن تنتصر أو تعيش أو تتغير، لكن ما يحدث لها يساعدنا على فهم ما أرادت الرواية اختباره.

5. ماذا يبقى من العمل إذا حذفنا الشخصية؟

هذا اختبار مفيد بشرط ألا نستخدمه بطريقة ميكانيكية. إذا كان حذف شخصية يستدعي إعادة بناء الصراع والعلاقات والنهاية، فهذه علامة قوية على مركزيتها.

أما إذا أمكن توزيع وظيفتها بسهولة على شخصية أخرى من دون أن يتغير قلب الحكاية، فهي أقرب إلى الدور الثانوي أو الوظيفي.

ما الذي نفحصه؟ الشخصية الرئيسية الشخصية الثانوية
علاقتها بالصراع تقع عادة في مركز صراع أساسي تشارك فيه أو تؤثر فيه من موقع أكثر محدودية
علاقتها بالحبكة يرتبط بها جزء كبير من تطور الأحداث تدفع بعض الأحداث أو تدعم مسارات معينة
المساحة السردية غالبًا واسعة، لكنها ليست معيارًا نهائيًا غالبًا أقل، وقد تكون مؤثرة جدًا
الحياة الداخلية كثيرًا ما تتلقى معالجة أوسع قد تكون بسيطة أو معقدة بحسب العمل
إمكان الحذف حذفها يعيد تشكيل العمل جذريًا غالبًا يختلف أثر الحذف بحسب وظيفتها

هل الشخصية الرئيسية هي البطل دائمًا؟

هنا تظهر مشكلة المصطلحات. في الحديث اليومي نستعمل كلمة "البطل" أحيانًا بمعنى الشخصية الرئيسية، وأحيانًا بمعنى الشخصية الشجاعة أو الخيّرة. المعنيان ليسا متطابقين.

يمكن أن يكون مركز الحكاية قاتلًا أو لصًا أو شخصًا أنانيًا أو شخصية متناقضة أخلاقيًا. النص قد يجعلنا نتابعه من دون أن يطلب منا الموافقة عليه.

لذلك من المفيد الفصل بين سؤالين:

من تقع في مركز الحكاية؟

وكيف نحكم أخلاقيًا على أفعالها؟

السؤال الأول سردي، والثاني أخلاقي أو تأويلي. الخلط بينهما يجعل القارئ يتصور أن الشخصية الرئيسية يجب أن تكون "الطيبة"، وأن كل من يعارضها "شرير"، بينما الأدب أكثر تعقيدًا من ذلك.

وقد تكون الشخصية المضادة للبطل شديدة المركزية، كما يمكن أن يكون الخصم نفسه من الشخصيات الرئيسية إذا منحته الرواية وزنًا سرديًا موازيًا.

وهل الراوي هو الشخصية الرئيسية؟

ليس بالضرورة.

هذه من أكثر العلامات التي توقع القارئ في الخطأ، خصوصًا عندما يستخدم النص ضمير المتكلم. مجرد أن يقول الراوي "أنا" لا يعني أن قصته هي مركز الحكاية.

في كثير من قصص شيرلوك هولمز مثلًا يروي الدكتور واطسون الأحداث، لكن الاهتمام السردي ينصب بدرجة كبيرة على هولمز: قدراته، تحقيقه، وطريقة وصوله إلى الحل. واطسون مهم جدًا، لكنه يؤدي أيضًا وظيفة العين التي نقترب من خلالها من الشخصية المركزية.

ولهذا ينبغي فصل مسألتين ناقشناهما بتفصيل أوسع في أنواع الراوي في الرواية: من يتكلم؟ ومن تتمحور حوله الحكاية؟

قد يكون الجواب شخصًا واحدًا، وقد يكون شخصين مختلفين.

والتمييز مهم لأن الراوي وظيفة في عملية القص، بينما الشخصية الرئيسية موقع داخل تنظيم الأحداث والاهتمام. وقد يكون الراوي شاهدًا أو مشاركًا محدودًا أو شخصية طرفية تراقب شخصًا آخر أشد مركزية.

الشخصية الثانوية ليست شخصية زائدة

تعبير "ثانوية" قد يوحي خطأ بأنها أقل قيمة فنية، كأن الرواية تحتوي طبقة أولى مهمة وطبقة ثانية يمكن الاستغناء عنها. الأدب الجيد لا يعمل بهذه البساطة.

الشخصية الثانوية قد تكون الأداة التي نرى من خلالها الشخصية الرئيسية بوضوح أكبر. الصديق قد يكشف وفاءها أو أنانيتها. الخصم قد يضع معتقداتها تحت الاختبار. الطفل قد يكشف قدرتها على الرحمة. الموظف أو الجار أو الخادم قد يفتح نافذة على طبقة اجتماعية كاملة لا تصل إليها الشخصية المركزية وحدها.

وقد تكون وظيفة الشخصية الثانوية خلق التناقض. إذا وضعت الرواية شخصيتين أمام الموقف نفسه، ثم جعلت إحداهما تختار شيئًا والأخرى تختار نقيضه، فإن الفرق بينهما يجعل كل شخصية أوضح.

وقد تكون الثانوية حاملة لمعلومة، أو سببًا لتحول، أو طرفًا في حبكة فرعية، أو ممثلة لوجهة نظر لا تستطيع الشخصية الرئيسية رؤيتها.

بل إن بعض الشخصيات الثانوية تبقى في ذاكرة القراء أكثر من شخصيات رئيسية في أعمال أخرى. مساحة الشخصية ليست مقياسًا مباشرًا لقوتها الفنية.

رئيسية وثانوية لا تعني مستديرة ومسطحة

هذا من أهم الفروق التي ينبغي تثبيتها.

حين نتحدث عن الشخصية الرئيسية والثانوية نسأل عن موقع الشخصية في البناء السردي. وحين نتحدث عن الشخصية المستديرة والمسطحة نسأل عن درجة تعقيد بنائها.

الشخصية المستديرة تظهر في أبعاد متعددة، وقد تحمل رغبات ومخاوف وصفات متعارضة تجعلها قادرة على مفاجأتنا بطريقة تبدو مقنعة. أما الشخصية المسطحة فيتركز بناؤها في عدد محدود من الصفات أو الوظائف.

لا يوجد ما يمنع، إذن، أن تكون شخصية ثانوية مستديرة.

يمكن للروائي أن يمنح شخصًا لا يحتل مركز الحبكة تاريخًا ومزاجًا وتناقضات ورؤية للعالم تجعله حيًا في ذهن القارئ. وفي المقابل قد نجد عملًا يعتمد على شخصية رئيسية مصممة عمدًا بطريقة أقرب إلى النموذج أو الرمز، من دون تعقيد نفسي واسع.

ومن هنا تصبح عبارة "هذه شخصية ثانوية لأنها مسطحة" استنتاجًا غير دقيق. التصنيفان يجيبان عن سؤالين مختلفين.

ولهذا كانت مقالة ما الشخصية الروائية؟ أنواع الشخصيات وطرق بنائها إطارًا أوسع لهذه المسألة؛ فالشخصية الواحدة يمكن وصفها من زوايا متعددة في الوقت نفسه: رئيسية أو ثانوية، مستديرة أو مسطحة، متحولة أو ثابتة.

هل عدد الصفحات معيار كافٍ؟

لا، لكنه علامة مساعدة.

عادة تحصل الشخصيات الرئيسية على مساحة أكبر لأن القارئ يحتاج إلى متابعة أفعالها وعلاقاتها وتطور تجربتها. لكن الرواية تستطيع التلاعب بهذه القاعدة.

قد تغيب الشخصية المركزية عشرات الصفحات بينما يظل أثرها حاضرًا في أحاديث الآخرين وقراراتهم. وقد تظهر شخصية ثانوية كثيرًا لأنها تعمل أو تعيش مع البطل، من دون أن تتحول قصتها إلى مركز مستقل.

الأفضل ألا تعد الصفحات، بل أن تسأل عما تفعله هذه الصفحات.

عشر صفحات تكشف أزمة شخصية وتعيد تشكيل الحكاية قد تكون أكثر دلالة على المركزية من خمسين صفحة يظهر فيها شخص بوظيفة متكررة لا تتطور.

هل يمكن أن تكون للرواية أكثر من شخصية رئيسية؟

نعم.

بعض الروايات تقوم على بطل واحد واضح، لكن أعمالًا أخرى تبني مركزها بين شخصيتين أو مجموعة شخصيات. وقد تتوزع الفصول بينها، وتصبح كل واحدة مركزًا لجزء من الصراع.

رواية "آنا كارينينا" لتولستوي مثال مفيد؛ فالعنوان يدفع القارئ إلى توقع مركز واحد، لكن خط ليفين ليس مجرد زينة تحيط بقصة آنا. إنه مسار روائي واسع له صراعاته وأسئلته وتطوره الخاص، وتتجاور التجربتان ضمن البناء الكبير للرواية.

لذلك لا ينبغي أن نجبر كل عمل على نموذج "بطل واحد وبقية الشخصيات ثانوية". شكل المركز نفسه قد يكون جزءًا من رؤية الرواية للعالم.

الرواية العائلية مثلًا قد توزع المركز بين أفراد أسرة. والرواية التي تصور مدينة أو مجتمعًا قد تجعل مجموعة من الشخصيات تشكل معًا مركزًا متحركًا. وهناك أعمال تنتقل فيها المركزية من جيل إلى آخر أو من شخصية إلى أخرى.

هل يمكن أن تتحول الشخصية الثانوية إلى رئيسية؟

يمكن أن يتغير موقع الشخصية أثناء القراءة، خصوصًا في الأعمال الطويلة.

قد يقدم الكاتب شخصية أول الأمر كما لو كانت عنصرًا جانبيًا، ثم يكشف تدريجيًا أن ماضيها أو قرارها أو علاقتها بالحدث أكبر مما توقعنا. عندها يعيد القارئ ترتيب خريطة الشخصيات في ذهنه.

لكن علينا التفريق بين أمرين: أن تزداد أهمية الشخصية، وأن تتحول فعلًا إلى مركز رئيسي.

ليس كل اكتشاف مفاجئ كافيًا لإعادة التصنيف. قد تظل شخصية ثانوية رغم أنها تحمل سرًا يفسر أحداث الرواية، إذا كانت الحكاية لا تزال تتبع تجربة شخصية أخرى.

إذن المركزية ليست لحظة منفردة، بل علاقة مستمرة بين الشخصية وبنية العمل.

ثلاثة أخطاء تجعلنا نسيء تصنيف الشخصيات

الخطأ الأول: الأكثر كلامًا هو الشخصية الرئيسية. الحوار لا يكفي. قد يكون الخادم كثير الكلام، أو الصديق مرحًا حاضرًا في المشاهد، بينما تبقى الحكاية مرتبطة بمصير شخصية أخرى.

الخطأ الثاني: كل شخصية ثانوية يمكن حذفها. بعض الشخصيات الثانوية ضرورية تمامًا. حذفها قد يقطع سببًا في الحبكة أو يمحو تناقضًا مهمًا أو يغير الطريقة التي نفهم بها البطل. وصفها بأنها ثانوية لا يعني أنها بلا وظيفة.

الخطأ الثالث: الرئيسية مستديرة والثانوية مسطحة. يحدث هذا كثيرًا، لكنه ليس قاعدة. التعقيد النفسي شيء، والموقع في البناء شيء آخر.

تطبيق عملي: كيف تحكم على شخصية أمامك؟

خذ أي قصة أو رواية تعرفها، واختر شخصية واحدة ثم اسأل:

ما الصراع الذي ترتبط به؟

هل قراراتها تغير اتجاه الحبكة أكثر من مرة؟

هل نتابع دوافعها ونتائج اختياراتها؟

هل يحمل مصيرها جزءًا أساسيًا من معنى النهاية؟

إذا حذفتها، هل أحتاج إلى إعادة بناء العمل أم إلى تعديل بعض التفاصيل فقط؟

كلما اجتمعت العلامات الأولى بقوة، اقتربت الشخصية من المركز. وكلما أصبحت وظيفتها محددة في مسار جزئي أو في خدمة علاقة أو حدث معين، اقتربت من المجال الثانوي.

لكن لا تحول الاختبار إلى نقاط جامدة. الرواية ليست استبيانًا، وقد تتعمد توزيع الاهتمام بطريقة تجعل الحدود غائمة.

ولنفترض قصة عن طبيب يفشل في إنقاذ طفل. يظهر الطفل في فصلين فقط، ثم يموت، لكن موته يغير حياة الطبيب كلها. هل الطفل شخصية رئيسية؟ غالبًا لا، إذا كانت الرواية منذ ذلك الحين تتبع الطبيب وأزمته. مع ذلك لا يمكن وصف الطفل بأنه غير مهم؛ فهو شخصية ثانوية ذات وظيفة حاسمة في إطلاق الصراع.

وفي مثال آخر، قد تتناوب الرواية منذ البداية بين الطبيب وأم الطفل، وتمنح كلًا منهما ماضيًا وخيارات ومسارًا مستقلًا يلتقي بالآخر. هنا يصبح من المنطقي الحديث عن شخصيتين رئيسيتين.

الفارق ليس في عدد المرات التي يظهر فيها الاسم، بل في الطريقة التي توزع بها الرواية ثقلها.

لماذا نحتاج إلى الشخصيات الثانوية أصلًا؟

لأن الشخصية الرئيسية لا تستطيع وحدها أن تصنع عالمًا روائيًا.

إذا عاش البطل في فراغ فلن نعرف كثيرًا عن طباعه. نحن نفهم الإنسان من علاقاته بقدر ما نفهمه من أفكاره. طريقة حديثه مع أمه تختلف عن طريقته مع رئيسه، وتصرفه أمام خصم يكشف جانبًا آخر مما يظهر أمام صديق.

لهذا تقوم الشخصيات الثانوية بعمل دقيق: إنها تمنح الشخصية المركزية أسطحًا مختلفة تنعكس عليها.

ومن خلالها أيضًا يتسع العالم. الرواية لا تحتاج دائمًا إلى سرد حياة كل شخص تقابله الشخصية الرئيسية. يكفي أحيانًا حضور قصير لكنه محدد حتى نشعر بأن المدينة مأهولة، وأن المجتمع أكبر من أزمة البطل، وأن خارج حدود الصفحة حيوات أخرى.

وهذا يفسر لماذا قد يكون تقليص بعض الشخصيات الثانوية خطأ فنيًا، مثلما قد يكون تضخيمها خطأ. إذا منح الكاتب كل شخصية فرعية سيرة كاملة وصراعًا موازيًا، قد يفقد العمل مركز ثقله. وإذا جعل الجميع أدوات بلا ملامح، قد يبدو العالم مصطنعًا.

المسألة ليست أن تحصل الشخصيات كلها على المساحة نفسها، بل أن تحصل كل شخصية على المساحة التي يحتاجها البناء.

من الشخصية الرئيسية إذن: من يفعل أكثر أم من يعني أكثر؟

أحيانًا لا يكون الشخص الذي ينجز معظم الأفعال هو الأكثر مركزية.

في الروايات النفسية مثلًا قد يكون الجزء الأهم هو ما يحدث داخل الشخصية لا ما تنجزه في الخارج. وقد تكون الشخصية محاصرة أو عاجزة أو حتى غائبة جسديًا عن بعض الفصول، لكنها تظل نقطة الجذب التي تنتظم حولها العلاقات والذكريات والقرارات.

وهنا نقترب من معنى أعمق للمركزية: ليس المهم أن تكون الشخصية في وسط كل مشهد، بل أن يكون وجودها جزءًا من السؤال الذي يبنيه العمل.

لهذا ينبغي أن نقاوم الميل إلى التعامل مع الشخصيات كما لو كانت قائمة ممثلين مرتبة بحسب وقت الظهور. الرواية لا تقيس الأهمية بالدقائق.

الشخصية الرئيسية تحصل على مركزيتها من علاقتها بالبنية الكلية: الصراع، التحول، المنظور، العلاقات، والنتيجة. أما الشخصية الثانوية فتحصل على قيمتها من الدقة التي تؤدي بها دورها داخل هذا العالم، حتى لو لم تكن الحكاية حكايتها.

حين تصبح الحدود نفسها جزءًا من جمال الرواية

التصنيف مفيد لأنه يمنح القارئ أداة. لكنه يصبح فقيرًا إذا تحول إلى صندوق مغلق.

بعض الأعمال لا تريد منك أن تعرف بسهولة من هو المركز. تبدأ بشخصية ثم تنحرف نحو أخرى. تجعل راويا يراقب شخصًا يبدو أهم منه. تبني حكايات متوازية. أو تمنح شخصًا هامشيًا لحظة واحدة تجبرك على إعادة تفسير كل ما سبق.

عند هذه النقطة لا يكون السؤال "هل أخطأنا في التعريف؟"، بل "ماذا تفعل الرواية بفكرة المركز والهامش؟".

وهذا واحد من الأسباب التي تجعل دراسة الشخصيات أكثر من مجرد حفظ مصطلحات. عندما تعرف الفرق بين الشخصية الرئيسية والثانوية تصبح أقدر على رؤية هندسة العمل: من تمنحه الرواية الكلام؟ من تحجب عنه الكلام؟ من نعرف دوافعه؟ ومن نراه من الخارج؟ ومن تُروى الحكاية باسمه، ومن يدفع ثمنها بصمت؟

حينها لا تعود الشخصية الثانوية اسمًا أصغر في قائمة الشخصيات. تصبح جزءًا من الطريقة التي يوزع بها النص الضوء والظل.

والسؤال الذي يمكنك أن تطرحه على الرواية التالية التي تقرؤها هو: لو نقل الكاتب مركز الحكاية إلى إحدى شخصياتها الثانوية، فكيف كانت ستتغير القصة التي نظن أننا نعرفها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق