لماذا صدمت "الخبز الحافي" قراءها إلى هذا الحد؟ هل لأن محمد شكري كتب عن الجوع والعنف والجنس والشارع بلغة لم يألفها القارئ العربي في السيرة الذاتية، أم لأن المشكلة كانت أعمق: أن الرجل رفض أن يقدم طفولته بعد أن ينظفها من كل ما يخجل المجتمع من رؤيته؟
الجواب الأول بسيط، لكنه غير كاف. نعم، أثارت السيرة صدمة لأنها أدخلت إلى الأدب العربي تفاصيل كانت تُدفع عادة إلى الهامش أو تُخفى وراء التلميح: طفل جائع، أسرة ممزقة بالعنف، الشارع، السرقة، الخوف، الجسد، بيوت الدعارة، السجن، الخمر، ومجتمع لا يظهر من شرفته الرسمية بل من أحيائه الفقيرة. لكن الصدمة الحقيقية جاءت أيضًا من شيء آخر: شكري لم يكتب نفسه بوصفه ضحية بريئة طوال الوقت. جعل ذاته مادة للفحص، بما فيها ما لا يمنحه صورة أخلاقية مريحة.
ومع ذلك، لا تعني عبارة "سيرة ذاتية" أن كل مشهد في الكتاب محضر واقعة، أو أن كل حوار أعيد بالكلمات نفسها التي قيلت قبل عقود. شكري نفسه كان أكثر تعقيدًا من هذا التصور؛ فقد وصف "الخبز الحافي" بأنها سيرة ذاتية مكتوبة بشكل روائي. وهنا تقع المنطقة التي تجعل الكتاب أكثر إثارة من مجرد قصة حياة صادمة: هناك حياة حقيقية في الأصل، لكن الذاكرة تختار، والكاتب يرتب، واللغة تعيد تشكيل ما وقع، ثم جاءت الترجمة لتضيف طبقة أخرى إلى هذه الصناعة.
كتاب عربي اشتهر بالإنجليزية قبل أن يقرأه العرب
في سيرة الكتب نفسها مفارقات قد تكون أحيانًا أغرب من محتواها. "الخبز الحافي" واحدة منها.
كتب محمد شكري نصه بالعربية في مطلع السبعينيات، وظهرت الترجمة الإنجليزية التي أنجزها الكاتب الأمريكي بول بولز بعنوان For Bread Alone سنة 1973. أما النص العربي فلم يصدر في كتاب إلا سنة 1982، بعدما كان الكتاب قد بدأ بالفعل حياة خارج لغته الأصلية. وظهرت ترجمة فرنسية للطاهر بن جلون قبل الطبعة العربية أيضًا.
هذه ليست ملاحظة ببليوغرافية هامشية. إنها جزء من قصة الكتاب ومن الطريقة التي تكونت بها سمعته.
تخيل قارئًا عربيًا يسمع عن نص مغربي أثار اهتمام ناشرين وقراء في الغرب، ويُترجم إلى لغات أجنبية، ثم يصل إليه بالعربية بعد ذلك. لقد أصبح الكتاب محاطًا قبل قراءته بهالة: سيرة صادمة، كاتب أمي حتى سن متأخرة، طنجة الهامشية، بول بولز، جرأة جنسية، رقابة ومنع، وشهرة عبر الحدود.
وهكذا لم يدخل "الخبز الحافي" إلى القراءة بوصفه صفحات فقط. دخل محمولًا بقصته الخاصة.
تلك القصة ساعدت على شهرته، لكنها أخفت أحيانًا الكتاب نفسه. تحول محمد شكري، عند بعض القراء، إلى الشخصية التي صنعتها الأخبار عنه: المتشرد الذي تعلم القراءة متأخرًا وكتب كل ما لا ينبغي أن يقال. وهذا الاختزال ظالم؛ لأنه يجعل مسارًا أدبيًا كاملًا حاشية على سيرة مثيرة.
فلماذا كانت الصدمة كبيرة فعلًا؟
إذا قرأنا "الخبز الحافي" بعد عقود من صدورها، وفي زمن صار الاعتراف الشخصي فيه حاضرًا يوميًا على الشاشات، قد يصعب علينا أحيانًا استعادة حجم الاصطدام الأول.
السيرة العربية كانت تعرف البوح قبل محمد شكري بالطبع. وفي التراث العربي اعترافات وتجارب ذاتية كثيرة، وفي الأدب الحديث نماذج كبرى لكتابة الحياة. لكن شكري غير موضع الكاميرا.
إن قارنا ذلك، مثلًا، بما ناقشناه في مقالة "الأيام" لطه حسين: أين تنتهي السيرة الذاتية ويبدأ الأدب؟، يظهر الفرق سريعًا. طه حسين يحول طفولته إلى بناء فني عبر المسافة والانتقاء وضمير الغائب، بينما يدفع شكري القارئ إلى تماس أشد خشونة مع الجسد والحاجة والعنف والشارع. كلاهما يصنع أدبًا من الذاكرة، لكن المادة التي يسمح كل منهما بدخولها إلى الصفحة مختلفة جذريًا.
في "الخبز الحافي" لا يظهر الفقر بوصفه خلفية حزينة لبطل سيتغلب عليه. إنه قوة مادية تغير السلوك نفسه.
الجوع ليس استعارة.
من يجوع يبحث عن الطعام قبل الفضيلة، وعن النجاة قبل الصورة التي سيتركها في ذاكرة الآخرين. وهنا يصبح أحد أسرار قوة الكتاب واضحًا: شكري لا يكتب الفقر من الخارج، ولا يحوله إلى مشهد جميل يصلح للتعاطف السريع. إنه يكتب ما يفعله الفقر بالإنسان حين يضيق مجال الاختيار.
ولهذا كانت بعض السلوكيات التي صدمت القراء مرتبطة ببنية الكتاب أكثر مما تبدو للوهلة الأولى. السرقة والجنس والعنف والتشرد ليست حلقات وضعت فقط لإثارة الانتباه؛ إنها جزء من عالم تتراجع فيه الحدود المألوفة لأن الشخصيات تعيش قريبًا جدًا من الحاجة والخطر.
لكن هذا لا يلزم القارئ بأن يحب كل مشهد أو أن يعد كل تفصيل ضروريًا. يمكن الاختلاف مع اختيارات شكري الفنية، ويمكن السؤال إن كانت بعض التفاصيل تكتسب أحيانًا حضورًا يفوق وظيفتها السردية. ما لا يصح هو اختزال الكتاب كله إلى تلك التفاصيل، كما لو أن الجسد هو موضوعه الوحيد.
الأب: شخص حقيقي أم شخصية صنعتها الذاكرة؟
من أشد أجزاء "الخبز الحافي" قسوة صورة الأب.
يظهر الأب في ذاكرة الابن مصدرًا للعنف والخوف، وتبلغ صورته درجة تجعل القارئ يشعر أحيانًا أنه أمام خصم روائي لا مجرد فرد في أسرة. وقد تحدث شكري نفسه لاحقًا عن موقفه القاسي من الأب وعن محاكمته له في الكتاب.
هنا بالضبط ينبغي أن نكون حذرين.
لدينا حقيقة أساسية لا يصعب قبولها: الشخصية مبنية على والد محمد شكري وتجربة الكاتب معه. لكن ذلك لا يمنحنا تسجيلًا مستقلًا لكل حادثة ولا رواية مقابلة من الأب ولا كاميرا ظلت تعمل داخل البيت أربعين عامًا.
الأب الذي نقرأه هو الأب كما حفظته ذاكرة الابن وكما اختاره الكاتب وأعاد ترتيبه في السرد.
وهذا لا يعني أن شكري "اختلق" أباه، كما لا يعني أن علينا إبطال شهادته لأنه كتب أدبًا. الفرق أدق من ذلك.
حين يعيش طفل الخوف، فهو لا يخزن في رأسه ملفًا محايدًا عن والده. يخزن نظرات وصراخًا وضربًا وصورًا وروائح ولحظات مهانة. وبعد سنوات، حين يكتب، يعيد وصل هذه الشظايا داخل معنى. الشخصية الأدبية التي تنتج من ذلك قد تكون شديدة الصدق في تمثيل تجربة الخوف حتى عندما لا نستطيع التحقق تاريخيًا من كل جملة قيلت.
هذا هو أحد الفروق المهمة بين الحقيقة الوثائقية والحقيقة السيرذاتية.
الأولى تسأل: ماذا وقع، ومتى، وما الدليل المستقل؟
أما الثانية فتسأل أيضًا: كيف عاش الإنسان ما وقع؟ وكيف بقي في ذاكرته؟
والأدب يضيف سؤالًا ثالثًا: كيف منح الكاتب تلك الذاكرة شكلًا يستطيع شخص آخر أن يدخل إليه؟
هل كتب شكري "الحقيقة كلها"؟
لا يستطيع أي كاتب أن يفعل ذلك.
ليس لأن كل كاتب يكذب، بل لأن عبارة "الحقيقة كلها" مستحيلة أصلًا في السيرة الذاتية. لو أراد شخص أن يكتب عشر دقائق فقط من طفولته بكل حركة وصوت وفكرة وتفصيل بصري ورائحة وكلمة، لاحتاج إلى صفحات كثيرة، ثم سيظل قد نسي شيئًا.
السيرة تبدأ بالحذف قبل أن تبدأ بالإضافة.
من آلاف الأيام يختار الكاتب عشرات المشاهد. ومن مئات الأشخاص يحتفظ بعدد محدود. ومن حوارات لا حصر لها يعيد بناء كلمات بعينها. وهو يعرف النهاية بينما الطفل الذي عاش الأحداث لم يكن يعرفها.
محمد شكري الذي يكتب يعرف أنه سيصبح كاتبًا.
أما الطفل داخل "الخبز الحافي" فلا يعرف ذلك.
هذه المسافة بين الشخص الذي عاش والشخص الذي يكتب هي المكان الذي يولد فيه الأدب.
ولهذا فإن السؤال المفيد ليس: هل حدث كل شيء حرفيًا تمامًا كما هو على الصفحة؟ فهذا سؤال لا يمكن لأي سيرة أدبية تقريبًا أن تمنحنا جوابًا كاملًا عنه. السؤال الأجدى هو: أين نستطيع التحقق من الخطوط الكبرى، وأين تبدأ منطقة الذاكرة وإعادة البناء؟
نعرف أن شكري عاش الفقر في شمال المغرب، وانتقل مع أسرته إلى طنجة، وتأخر تعلمه القراءة والكتابة إلى شبابه، وعرف عالم الشارع قبل أن يدخل التعليم ويصبح كاتبًا. هذه ليست عناصر اخترعها ناشر لإنتاج شخصية أدبية جذابة.
لكننا لا نملك وسيلة مستقلة لإثبات كل مشهد حميمي، ولا ينبغي أن نزعم امتلاكها.
هذا لا ينتقص من قيمة "الخبز الحافي". إنه يضعها في مكانها الصحيح: سيرة أدبية، لا سجل شرطة.
ثم دخل بول بولز إلى الغرفة
أكثر جوانب تاريخ "الخبز الحافي" إثارة ليس ما جرى في طفولة شكري فقط، بل ما جرى أثناء ولادة الكتاب نفسه.
يروي شكري لاحقًا قصة طريفة تكاد تصلح أن تكون فصلًا من رواية. في لقاء جمعه بالناشر البريطاني بيتر أوين وبول بولز، طُرحت فكرة كتابة سيرته. قال شكري، بحسب روايته اللاحقة، إن السيرة مكتوبة بالفعل، مع أنه لم يكن قد كتب منها شيئًا بعد. وُقع الاتفاق، ثم بدأ العمل.
إذا أخذنا شهادته هذه، فإن واحدة من أشهر السير العربية بدأت بكذبة صغيرة عن وجود مخطوط لم يكن موجودًا.
لكن المفارقة الأهم جاءت بعد ذلك.
كان شكري يكتب ثم يلتقي بولز، وتدخل الإسبانية في عملية نقل النص إلى الإنجليزية. وشهادة شكري عن طريقة الترجمة لا تتطابق تمامًا مع رواية بولز؛ فشكري يؤكد أنه كان يكتب بالعربية الفصحى ثم يملي المعنى بالإسبانية، بينما وصف بولز عملية أكثر تشابكًا تدخل فيها الدارجة المغربية إلى جانب الإسبانية والفرنسية لتحديد الدلالات.
لا حاجة إلى اختيار واحد منهما بوصفه صاحب الحقيقة المطلقة لكي ندرك أهمية الخلاف.
فالترجمة الإنجليزية الأولى لم تنشأ ببساطة من مترجم يجلس وحده أمام مخطوط مكتمل وينقل الكلمات من لغة إلى أخرى. كانت نتيجة لقاء بين شخصين ولغتين أساسيتين وعدة لغات وسيطة وثقافتين وتصورين مختلفين للمغرب نفسه.
وهنا يصبح سؤال "من صنع السيرة؟" أكثر إثارة.
هل غيّر بول بولز محمد شكري؟
هناك من ذهب بعيدًا واتهم بولز بأنه أعاد صناعة شكري أو دفع نصه نحو الصورة التي يتوقعها القارئ الغربي عن المغرب: الفقر والغرابة والجسد والعالم الهامشي.
وتوجد بالفعل مادة تستحق النقاش، لا سيما عندما نقارن النسخة العربية بالترجمة الإنجليزية وطريقة تقديمها للقارئ.
درست الباحثة نيرفانا تنوخي العلاقة بين "الخبز الحافي" وترجمة بولز، ورأت أن الترجمة ليست قناة محايدة، بل تحمل قراءة ثقافية للنص وتعيد توجيه بعض معانيه بما يلائم أفق تلقٍّ غربيًا معينًا.
حتى العنوان يكشف جانبًا من المشكلة.
"الخبز الحافي" تركيب عربي غريب وقوي. الخبز نفسه يصبح عاريًا، بلا إدام ولا شيء يصاحبه. أما For Bread Alone فيتحرك نحو معنى آخر قليلًا: من أجل الخبز وحده. المعنى قريب، لكنه ليس الصورة نفسها.
والاختلاف الصغير في عنوان يمكن أن يكبر حين يمتد عبر كتاب كامل.
لكن الاعتراف بأثر بولز لا يعني القول إن "الخبز الحافي" كتاب كتبه أمريكي ووضع عليه اسم مغربي. هذه رواية أكبر من الأدلة المتاحة.
لدينا نص عربي لمحمد شكري، ولدينا كاتب أصر لاحقًا على استقلاله الأدبي، ولدينا أيضًا علاقة شائكة بينه وبين بولز انتهت إلى نقد حاد من شكري لنظرة بولز إلى المغرب والمغاربة.
الأدق إذن أن نقول إن شهرة "الخبز الحافي" الدولية تشكلت في منطقة تعاون وصراع معًا. شكري صاحب التجربة وصاحب النص العربي، لكن بولز كان وسيطًا مبكرًا بالغ الأهمية في انتقال ذلك النص إلى الإنجليزية وفي تقديم صورة عنه إلى العالم.
وحين تصبح الترجمة أشهر من الأصل قبل أن يصدر الأصل نفسه، لا تبقى الترجمة مجرد ظل.
تصبح جزءًا من تاريخ الكتاب.
لماذا قرأ بعضهم الكتاب بوصفه فضيحة؟
لأن المجتمع لا يصدمه دائمًا وجود الشيء بقدر ما يصدمه انتقاله من مكان إلى مكان.
الفقر موجود قبل "الخبز الحافي". الدعارة موجودة. العنف الأسري موجود. الأطفال المشردون موجودون. الخمر والجريمة والجوع موجود أيضا.
لكن وجودها في الشارع شيء، ودخولها الكتاب شيء آخر.
الكتابة تنقل ما يفضَّل إبقاؤه في الهامش إلى فضاء الثقافة. وما دام الشيء خارج الأدب يمكن للمجتمع أن يعامله كحالة فردية أو انحراف أو عيب ينبغي ستره. لكن عندما يصبح كتابًا يُقرأ ويترجم ويُدرس، يطالب بمكان داخل الصورة التي يرسمها المجتمع عن نفسه.
لهذا لا تتعلق الرقابة على الأدب بالكلمات وحدها. إنها تتعلق أحيانًا بالسؤال: من يملك حق تمثيل المجتمع؟
وهذا قريب، من زاوية مختلفة، مما أثارته رواية نجيب محفوظ في الجدل الذي ناقشناه في "أولاد حارتنا: لماذا أثارت رواية نجيب محفوظ كل هذا الجدل؟". العملان مختلفان جذريًا، لكن كليهما يكشف أن المنع لا يخبرنا عن النص وحده؛ إنه يخبرنا أيضًا عن الحدود التي يريد المجتمع أو المؤسسة الثقافية وضعها لما يمكن أن يقال علنًا.
في حالة شكري أصبح الجسد مركزًا واضحًا للاعتراض. لكن اختزال المشكلة في المشاهد الجنسية يحجب جرحًا آخر في الكتاب: سقوط الصورة المثالية للأسرة.
الأب ليس مصدر حماية.
البيت ليس ملجأ مضمونًا.
الطفولة ليست زمن البراءة.
والمدينة ليست فضاء حضاريًا واحدًا يتساوى سكانه فيه.
هذه الانقلابات قد تكون أشد إزعاجًا من الكلمات الجريئة نفسها.
طنجة التي لا يراها السائح
ساعدت صورة طنجة الدولية على صنع أسطورة ثقافية طويلة. مدينة الميناء، والكتاب الأجانب، والمقاهي، والفنانون، والمسافرون، والحرية، والاختلاط بين اللغات.
لكن طنجة التي يدخلها قارئ "الخبز الحافي" ليست تلك المدينة الرومانسية.
إنها المكان نفسه تقريبًا، لكن من مستوى الشارع.
وهنا تظهر قيمة الكتاب التاريخية والثقافية حتى عندما لا نتعامل معه بوصفه وثيقة حرفية. المدينة الواحدة يمكن أن تكون فردوسًا للغريب صاحب المال وجحيمًا للطفل الذي يبحث عن الطعام. المكان لا يحمل معنى واحدًا؛ الموقع الاجتماعي يغير المدينة التي يراها الإنسان.
شكري لا يصف طنجة من نافذة فندق أجنبي، بل من الجوع.
وهذا يفسر أيضًا جانبًا من التوتر اللاحق بينه وبين بعض الكتاب الأجانب الذين أحبوا المغرب. فقد رأى أن حب المكان لا يعني بالضرورة فهم الناس الذين يعيشون فيه، وانتقد بولز نفسه بعبارات شديدة، معتبرًا أن علاقته بالمغرب لم تكن مساوية دائمًا لعلاقته بالمغاربة.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة "الخبز الحافي" بوصفها مواجهة غير معلنة بين مدينتين تحتلان الجغرافيا نفسها: طنجة الأسطورة الدولية، وطنجة من كانوا يدفعون ثمن البقاء فيها يومًا بيوم.
الجسد في الكتاب: فضيحة أم لغة للفقر؟
ليس من المفيد تبرئة "الخبز الحافي" من جرأتها الجنسية، فالجرأة موجودة فعلًا. كما ليس من المفيد تحويل كل ما فيها إلى رمز فلسفي أنيق حتى نجعلها مقبولة ثقافيًا.
الجسد حاضر بحرفيته.
لكنه ليس جسد المتعة وحدها.
إنه الجسد الذي يجوع ويُضرب ويمرض ويشتهي ويخاف ويبحث عن مكان ينام فيه. وهذه نقطة مهمة لأن القراءة التي تفصل الجنس عن بقية التجربة تنتزع عضوًا من جسد الكتاب ثم تحاكم الكتاب كله به.
عند شكري لا توجد مسافة كبيرة بين الحاجة الجسدية والحياة الاجتماعية. الطعام والجنس والعنف والمرض كلها تمر عبر الجسد نفسه. الإنسان الفقير لا يملك رفاهية تحويل جسده إلى فكرة مجردة؛ إنه المكان الذي تقع عليه الحياة مباشرة.
ولهذا تبدو اللغة في كثير من المواضع مقتصدة وقاسية. لا يحتاج الراوي دائمًا إلى الشرح الأخلاقي بعد الحدث. يضع المشهد أمامنا ويتحرك.
هذا البرود الظاهري جزء من أثر النص.
لو ظل الكاتب يقول لنا في كل صفحة إن الفقر مؤلم وإن العنف سيئ وإن الطفل يستحق الرحمة، لتحول الكتاب بسهولة إلى مرافعة. لكنه يترك كثيرًا من الوقائع بلا تعليق كاف، فيضطر القارئ إلى مواجهة شعوره بنفسه.
هل صنع شكري أسطورته الشخصية أيضًا؟
هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية.
بعد نجاح الكتاب، ظهرت شهادات ومناقشات تشكك في بعض التفاصيل المتعلقة بحياة شكري وبالصورة التي ترسخت عنه، بما في ذلك نقاشات حول مدى دقة قصة أميته الطويلة وبعض تفاصيل صناعة السيرة.
هذه الاعتراضات موجودة، ولا ينبغي إخفاؤها.
لكن وجود اعتراض لا يساوي إثباته.
بعض ما كتب لاحقًا عن شكري يأتي من ذكريات أشخاص عرفوه، وبعضه يحمل خلافات شخصية وتأويلات، وبعضه يحاول تفكيك الأسطورة التي تكونت حوله. لذلك لا يمكن ببساطة أخذ كل شهادة مضادة بوصفها "الحقيقة التي أخفاها محمد شكري"، تمامًا كما لا ينبغي أخذ كل صفحة في السيرة باعتبارها وثيقة قضائية.
أفضل موقف نقدي هنا هو عدم الانتقال من سذاجة إلى سذاجة مضادة.
السذاجة الأولى تقول: كل ما في السيرة وقع حرفيًا.
والثانية تقول: بما أن هناك صناعة أدبية واختلافًا في الشهادات، فكل شيء ملفق.
بينهما تقع المنطقة الأكثر واقعية: حياة حقيقية شديدة القسوة، وذاكرة شخصية، وكاتب يعرف كيف يحول التجربة إلى سرد، وشهرة دولية ساعدت لاحقًا على تكوين صورة عامة قد تكون أكثر انتظامًا وإثارة من الحياة نفسها.
الحقيقة لا تنتهي في نقطة، والأدب لا يبدأ بعدها
ربما يوحي عنوان السؤال بأننا نستطيع رسم خط مستقيم: إلى هنا كانت حياة محمد شكري الحقيقية، ومن هنا بدأ الاختراع الأدبي.
لكن "الخبز الحافي" لا تعمل بهذه الطريقة.
الحقيقة والصناعة متداخلتان منذ اللحظة التي بدأ فيها رجل بالغ يستعيد طفلًا كانه قبل سنوات.
مجرد اختيار بداية للحكاية صناعة.
حذف عشر سنوات وذكر يوم واحد صناعة.
استعادة حوار صناعة.
ترتيب مشهد بعد آخر صناعة.
وضع عنوان صناعة.
لكن الصناعة هنا ليست مرادفًا للكذب. إنها ما يحول التجربة من حياة لا يستطيع أحد غير صاحبها دخولها إلى نص يستطيع الغرباء قراءته.
يمكننا أن نقول إن "الخبز الحافي" صادقة، بشرط أن نفهم كلمة الصدق على نحو أكثر نضجًا. ليست صادقة لأن كاميرا أثبتت كل صفحة، بل لأنها تقدم شهادة أدبية متسقة عن الطريقة التي فهم بها محمد شكري ماضيه وأعاد بناءه، مع بقاء بعض تفاصيل ذلك الماضي خارج قدرتنا على التحقق المستقل.
وهذا هو السبب نفسه الذي يجعل البحث عن "محمد شكري الحقيقي" خلف الكتاب مشروعًا لا ينتهي. فحتى لو جمعنا الوثائق والشهادات كلها، سيظل هناك طفل لم يعد موجودًا، ورجل تذكر ذلك الطفل بعد سنوات، وكاتب صنع من الاثنين شخصية ثالثة تعيش داخل الصفحات.
لماذا بقي "الخبز الحافي" بعد أن هدأت الفضيحة؟
لو كان الكتاب يعتمد فقط على الصدمة، لكان الزمن عدوه.
ما كان جريئًا في السبعينيات والثمانينيات قد يصبح أقل إدهاشًا بعد نصف قرن. الكلمات التي منعت كتابًا قد تظهر اليوم في شاشة هاتف قبل الإفطار. ولهذا فإن العمل الذي يعيش على المحظور وحده غالبًا ما يشيخ حين يتغير المحظور.
لكن "الخبز الحافي" بقيت لأن تحت الجدل سؤالًا لا يشيخ بالسرعة نفسها: ماذا يفعل الحرمان بالإنسان؟
ليس السؤال هل الفقر سيئ. هذه إجابة لا تحتاج إلى رواية.
السؤال هو كيف يتغير إدراك الطفل للعائلة والأخلاق والحب والجسد والخوف حين تصبح النجاة نفسها غير مضمونة. وكيف يستطيع شخص خرج من ذلك العالم أن يعود إليه باللغة من غير أن يحوله إلى حكاية انتصار لطيفة.
وهنا يصبح التعليم المتأخر في حياة شكري أكثر من معلومة مثيرة عن الكاتب. إنه انقلاب في العلاقة مع العالم. الطفل الذي كان يعيش في الشارع من دون سلطة على قصته أصبح رجلًا يستطيع تسمية الأشياء وكتابتها ونشرها. من كان موضوعًا للفقر أصبح راويه.
ولهذا يمكن فهم الكتاب أيضًا بوصفه استردادًا للحق في السرد.
شكري لم يستطع تغيير طفولته بعد وقوعها، لكنه استطاع أن يمنعها من أن تظل بلا صوت.
ولعل هذا هو أكثر ما يزعج في "الخبز الحافي" وأكثر ما يمنحها قوتها في الوقت نفسه. إنها لا تطلب من القارئ أن يعجب بصاحبها، ولا أن يوافق على كل ما فعله، ولا حتى أن يثق بكل تفصيل ثقة المؤرخ بالوثيقة. تطلب منه شيئًا أصعب: أن يعترف بأن هذه الحياة، بما فيها من جوع وقذارة ورغبة وعنف وتناقض، تصلح لأن تكون موضوعًا للأدب.
وعندها يتغير السؤال.
لا نعود نسأل فقط لماذا صدمت سيرة محمد شكري القراء، بل لماذا توقع بعض القراء أصلًا أن تكون الحياة، حين تدخل الأدب، أنظف مما كانت عليه في الواقع.
وأنت، عندما تقرأ سيرة ذاتية أدبية، ما الذي تبحث عنه أكثر: الدقة الحرفية لما حدث، أم الصدق الذي يكشف كيف عاش الكاتب تلك الأحداث وتذكرها؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق