هناك أفلام تنتهي حين تنطفئ الشاشة، وأفلام تظل بعد ذلك معلقة في الذاكرة كأنها سؤال لم يجد جوابه بعد. «المومياء» لشادي عبد السلام من النوع الثاني. فالحكاية، في ظاهرها، بسيطة: جماعة تعيش قرب جبال طيبة، توارثت سر مقبرة ملكية قديمة، وتعتاش من بيع ما تستخرجه منها من آثار. لكن الفيلم لا يتعامل مع الأمر بوصفه حكاية لصوص مقابر، ولا يحوّله إلى مغامرة أثرية عن كنز مفقود. إنه يسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا: لمن ينتمي الماضي؟
هل ينتمي إلى الذين يعيشون فوق أرضه ويحتاجون إلى ما فيها كي يبقوا أحياء؟ أم إلى الأمة التي ترى في ذلك الماضي جزءًا من ذاكرتها؟ وهل يمكن للإنسان أن يبيع شيئًا لم يصنعه ولم يرثه بوصفه ملكية خاصة، لكنه وصل إليه لأنه وُلد في المكان الذي يخفيه؟
من هذه المفارقة صنع شادي عبد السلام فيلمًا لا يشبه تقريبًا الصورة المألوفة للسينما المصرية في زمنه. قليل الحوار، بطيء الإيقاع، شديد العناية بالصورة والملابس والوجوه والصمت. فيلم يبدو أحيانًا كأنه لا يروي قصة بقدر ما يستدعي عالمًا دفينًا من تحت طبقات الرمل والذاكرة.
ما القصة الحقيقية وراء فيلم «المومياء»؟
لم يخترع شادي عبد السلام أصل الحكاية من فراغ. فقد استند الفيلم إلى واقعة تاريخية شهيرة ارتبطت بخبيئة الدير البحري، التي عُرفت لاحقًا باسم DB320. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت قطع أثرية تحمل أسماء ملكية مصرية قديمة تظهر في سوق الآثار، الأمر الذي أثار شكوك المسؤولين عن الآثار في مصر.
قاد تتبع هذه القطع في النهاية إلى منطقة القرنة قرب طيبة القديمة، حيث ارتبطت عائلة عبد الرسول بسر خبيئة تضم مومياوات ملكية وآثارًا جنائزية شديدة الأهمية. وفي عام 1881 انكشف موقع الخبيئة، لتظهر واحدة من أكثر الاكتشافات إثارة في تاريخ علم المصريات.
وهنا ينبغي التفريق بين التاريخ والسينما. فالفيلم ليس تسجيلًا وثائقيًا لما حدث، وشخصية ونيس كما نراها على الشاشة ليست مجرد نقل حرفي لشخص تاريخي بكل تفاصيله. أخذ شادي عبد السلام النواة التاريخية، ثم أعاد بناء الصراع دراميًا حول شاب يجد نفسه ممزقًا بين جماعته وبين إحساس يتشكل داخله بأن الموتى المختبئين في الجبل ليسوا بضاعة.
وهذه النقلة هي سر الفيلم كله تقريبًا: الواقعة التاريخية تتعلق باكتشاف مقبرة، أما الفيلم فيتعلق باكتشاف الإنسان لمعنى التاريخ.
ونيس: رجل يكتشف أن له ماضيًا
بعد موت شيخ القبيلة، يدخل ابناه إلى عالم السر الذي كان محفوظًا بين الكبار. يعرفان مصدر القطع التي تباع، ويكتشفان أن رزق الجماعة مرتبط بنهب مقابر قديمة مخبأة في الجبل.
كان يمكن لفيلم تقليدي أن يجعل الصراع بين الخير والشر واضحًا منذ البداية: لصوص في جانب، وحماة للآثار في الجانب الآخر. لكن «المومياء» أكثر تعقيدًا من ذلك. رجال القبيلة لا يرون أنفسهم بالضرورة مجرمين بالمعنى الذي يراه المشاهد الحديث. المقبرة بالنسبة إليهم مورد توارثوه، والجبل جزء من عالمهم، وما بداخله دخل منذ زمن بعيد في اقتصاد حياتهم.
ولهذا يصبح تمرد ونيس مؤلمًا. إنه لا يرفض تجارة فقط، بل يخرج على نظام كامل من القرابة والطاعة والمصلحة والذاكرة المحلية.
والأكثر أهمية أن وعيه لا يولد دفعة واحدة. لا يقدم شادي عبد السلام بطله في هيئة مصلح يعرف الحقيقة منذ اللحظة الأولى. نراه حائرًا، صامتًا، ينظر أكثر مما يتكلم. كأن الفيلم يتابع ولادة فكرة داخل إنسان لم تكن لديه في البداية اللغة اللازمة للتعبير عنها.
إنه يكتشف تدريجيًا أن هؤلاء المدفونين في الجبل ليسوا غرباء تمامًا. ثمة خيط بعيد يربطه بهم. وهكذا تتحول المومياء من جثة يمكن بيع ما حولها إلى شاهد على تاريخ يستطيع الحاضر أن يتعرف من خلاله إلى نفسه.
لماذا لا يبدو «المومياء» كفيلم مصري تقليدي؟
من يشاهد الفيلم للمرة الأولى بعد اعتياده السينما المصرية الكلاسيكية قد يشعر منذ الدقائق الأولى بأنه دخل عالمًا آخر. لا أغنيات تقطع السرد، ولا كوميديا جانبية لتخفيف التوتر، ولا حوار متدفق يشرح للشخصيات وللمشاهد ما يحدث.
حتى اللغة مختلفة. استخدام العربية الفصحى يمنح الكلام مسافة عن الحياة اليومية، لكنه لا يحوله إلى خطاب مسرحي صاخب. الكلمات قليلة ومحسوبة، وفي أحيان كثيرة يصبح الصمت أكثر قدرة على التعبير منها.
ويبدو الأشخاص داخل الصورة كما لو أنهم جزء من تكوين معماري. الأجساد والملابس والصخور والأعمدة والسماء ليست عناصر منفصلة؛ إنها تدخل جميعًا في بناء المشهد.
لهذا يمكن إيقاف الفيلم عند كثير من اللقطات والنظر إليها كما لو كانت لوحات. لكن جمالها ليس زينة. شادي عبد السلام لا يصنع «مصر فرعونية» سياحية مبهرة، بل يستخدم المكان كي يجعل الإنسان المعاصر يبدو صغيرًا أمام زمن هائل يحيط به.
الصحراء هنا ليست خلفية للأحداث. إنها جزء من الحكاية. والجبل ليس مجرد مكان تخفى فيه المومياوات؛ إنه ذاكرة مغلقة، وعلى ونيس أن يقرر إن كان سيبقيها مغلقة أم يفتحها.
المومياء ليست عن الموت بقدر ما هي عن الذاكرة
العنوان نفسه قد يقود المشاهد إلى توقع فيلم عن الموتى، لكن المفارقة أن «المومياء» معنية بالأحياء أكثر مما هي معنية بالمومياوات.
الموتى يعرفون، مجازًا، من يكونون. أسماؤهم مكتوبة، وتاريخهم محفوظ في الأجساد والنعوش والنقوش. أما الأحياء فهم الذين فقدوا الصلة بين أسمائهم وبين التاريخ الممتد تحت أقدامهم.
ومن هنا تأتي إحدى أكثر أفكار الفيلم قوة: قد يعيش الإنسان فوق تاريخه من دون أن يعرف أنه تاريخه.
القبيلة تعرف المكان سرًا اقتصاديًا، بينما يحاول علماء الآثار قراءته بوصفه سجلًا تاريخيًا. وبين النظرتين يقف ونيس. وما يحدث له هو انتقال من معرفة المكان بوصفه مصدرًا للعيش إلى إدراكه بوصفه مصدرًا للمعنى.
لكن الفيلم لا يجعل هذه العملية سهلة أو بريئة. فالسؤال يبقى قائمًا: ماذا تقول لإنسان فقير حين تطلب منه حماية التراث؟ ماذا يعني أن تخبر جماعة بأن الكنوز التي عاشت منها ليست ملكها، بينما هي تعيش بجوارها منذ أجيال؟
هنا يتجاوز «المومياء» الخطاب الأخلاقي المباشر. حماية التراث تبدو ضرورية، لكن الفيلم يسمح لنا بأن نرى أيضًا الثمن الإنساني والاجتماعي لهذا الانتقال.
هل القبيلة شريرة في الفيلم؟
من السهل أن نقرأ رجال القبيلة بوصفهم خصومًا، لكن هذه القراءة تفقد الفيلم جزءًا كبيرًا من عمقه. إنهم يدافعون عن منظومة يعرفونها. السر بالنسبة إليهم ليس مجرد وسيلة للثراء؛ إنه جزء من سلطة الجماعة واستمرارها.
ولهذا يمثل ونيس خطرًا أكبر من أي موظف قادم من القاهرة. الموظف الخارجي يمكن مقاومته، أما الفرد الذي يبدأ في التشكيك في قواعد الجماعة فيهددها من الداخل.
إن الصراع، بهذا المعنى، ليس بين لص وأثري، بل بين مفهومين للوراثة. هناك من يقول ضمنًا: ورثنا السر، إذن ما في الجبل لنا. وفي الجهة الأخرى تنشأ فكرة مختلفة: ورثنا التاريخ، ولذلك لا يحق لنا تدميره.
الفرق بين الجملتين صغير لغويًا، لكنه هائل أخلاقيًا.
الصورة التي تبدو أقدم من زمن الفيلم
كان شادي عبد السلام قد عمل في تصميم المناظر والأزياء قبل أن ينجز فيلمه الطويل، ويظهر ذلك بوضوح في حساسيته البصرية. الملابس لا تبدو مجرد أزياء يرتديها ممثلون، والألوان لا تبدو مختارة كي تجعل الشاشة جميلة فحسب.
ثمة اقتصاد شديد في اللون والحركة. الأسود والأبيض والترابي والحجري يدخل بعضها في بعض، والوجوه تخرج من الظلال ثم تعود إليها. وفي المشاهد الخارجية يبدو الضوء نفسه مادة درامية.
أما تصوير عبد العزيز فهمي فيمنح المكان سلطة نادرة. الكاميرا لا تتعامل مع الآثار كمناظر سياحية، بل كوجود يراقب الشخصيات بصمت. الأعمدة والصخور والتماثيل أكبر من الأشخاص، وكأن الزمن القديم لم يمت أصلًا؛ البشر المعاصرون هم العابرون أمامه.
ولهذا يبدو بطء الفيلم ضروريًا لأسلوبه. لو رويت الحكاية بإيقاع سريع لتحولت بسهولة إلى قصة بوليسية عن تهريب الآثار. البطء يجبر المشاهد على النظر، وعلى الإقامة داخل المكان، وعلى الإحساس بالزمن بدل الاكتفاء بمتابعة الحدث.
لماذا تبدو الوجوه كأنها منحوتة؟
هناك شيء لافت في طريقة تصوير الشخصيات. كثيرًا ما تبدو الوجوه ساكنة، قليلة التعبير بالمقاييس التمثيلية المعتادة. لكن هذا السكون ليس نقصًا في الأداء بقدر ما هو جزء من لغة الفيلم.
شادي عبد السلام يقلل الحركة كي يجعل النظرة والإيماءة والصمت ذات وزن. وحين يقف الإنسان أمام الصخور أو الآثار يصبح وجهه نفسه قريبًا من النحت، وكأن الحاضر بدأ يتشابه بصريًا مع الماضي الذي يحاول فهمه.
أحمد مرعي، في شخصية ونيس، يؤدي الدور بهذه الروح. حيرته ليست سلسلة خطب يشرح فيها موقفه، بل تظهر في نظرته وفي وقوفه وفي تردده. الشخصية لا تخبرنا دائمًا بما تفكر فيه، ولذلك يضطر المشاهد إلى مشاركتها عملية البحث عن المعنى.
ما معنى الصراع بين القاهرة والجبل؟
في الفيلم عالمَان يلتقيان بصعوبة. هناك الجبل، حيث المعرفة شفوية وسرية وموروثة داخل الجماعة، وهناك مؤسسة الآثار القادمة من المدينة، حيث يصبح الماضي موضوعًا للتوثيق والحفظ والدراسة.
ليس الاختلاف جغرافيًا فقط. إنه اختلاف في معنى المعرفة نفسها.
بالنسبة إلى الجماعة، المعرفة قوة لأنها سر. كلما قل عدد الذين يعرفون موقع المقبرة ازدادت قيمة السر. أما بالنسبة إلى علم الآثار، فالمعرفة تكتسب قيمتها حين تُكشف وتُسجل وتصبح جزءًا من ذاكرة عامة.
ونيس يعبر بين العالمين. إنه لا يصبح عالم آثار، ولا يتخلى ببساطة عن جذوره. لكنه يتخذ القرار الذي يكسر احتكار السر.
وهنا يصبح فعله أكبر من الإبلاغ عن مقبرة. إنه يحول المعرفة من ملكية مغلقة لجماعة صغيرة إلى ذاكرة تتجاوز الجماعة.
هل يقدم الفيلم علماء الآثار بوصفهم منقذين؟
ليس بهذه البساطة. صحيح أن انتقال المومياوات إلى سلطة الآثار ينقذها من النهب والتفكيك والبيع، لكن الفيلم لا يصنع احتفالًا ساذجًا بانتصار المؤسسة الحديثة.
هناك مسافة وبرودة بين رجال الآثار والعالم المحلي. هؤلاء يملكون المعرفة العلمية والقدرة المؤسسية، لكن الجبل يحمل معرفة من نوع آخر: معرفة المكان والأسرار والعلاقات التي تراكمت عبر الأجيال.
لهذا تبقى نهاية الفيلم مشوبة بالحزن. شيء يُنقذ، لكن شيئًا آخر ينتهي. السر الذي عاش طويلًا داخل الجماعة يخرج منها إلى الأبد.
إنها ليست نهاية منتصر ومهزوم بقدر ما هي لحظة انتقال تاريخي.
مشهد خروج المومياوات: من القبر إلى التاريخ
في النهاية تصبح حركة نقل المومياوات واحدة من أكثر صور الفيلم دلالة. الأجساد الملكية التي ظلت مختبئة قرونًا تخرج إلى الضوء، وكأن الماضي نفسه يغادر مكانه السري ليدخل التاريخ العام.
يمكن قراءة المشهد بوصفه إنقاذًا للآثار، وهذه هي القراءة المباشرة. لكن يمكن أيضًا رؤيته بوصفه جنازة ثانية. فالموتى الذين وجدوا مخبأ يحميهم في زمن بعيد يُنقلون الآن مرة أخرى، وهذه المرة باسم المعرفة والحفظ.
هنا تبلغ مفارقة الفيلم ذروتها: لكي نحفظ الماضي، نضطر أحيانًا إلى اقتلاعه من المكان الذي بقي فيه.
ولا يقدم شادي عبد السلام جوابًا مريحًا عن هذه المفارقة. إنه يترك الصورة تتكلم: المومياوات تتحرك، الرجال يحملونها، والفجر يفتح المكان على زمن جديد.
لماذا أصبح «المومياء» علامة في السينما العربية؟
ليس السبب أن الفيلم حقق وصفة ناجحة ثم تبعته أفلام كثيرة على الطريق نفسه. العكس أقرب إلى الحقيقة. قوته تكمن في أنه بقي متفردًا، كأنه مشروع سينمائي فتح بابًا واسعًا ثم لم يعبر منه صاحبه مرة أخرى في فيلم روائي طويل.
أخرج شادي عبد السلام «المومياء» سنة 1969، وظل هذا العمل فيلمه الروائي الطويل الوحيد. ومع مرور السنوات، أصبح حضوره أكبر من حجمه العددي في مسيرة مخرجه. وحين استعادت مؤسسة Film Foundation ومشروع World Cinema Project الفيلم ورممته بالتعاون مع المركز القومي للسينما وCineteca di Bologna عام 2009، عاد إلى التداول الدولي في صورة تتيح رؤية عنايته الاستثنائية باللون والتكوين.
وعُرضت النسخة المرممة في قسم Cannes Classics، الأمر الذي لم يكن مجرد استعادة لفيلم قديم، بل إعادة تقديم عمل عربي إلى جمهور عالمي جديد.
لكن مكانته لا تأتي من الاعتراف الخارجي وحده. فالأهم أنه اقترح تصورًا مختلفًا لما يمكن أن تكون عليه السينما التاريخية العربية.
التاريخ عند شادي عبد السلام ليس ديكورًا فاخرًا، ولا مناسبة لاستعراض الملابس والمعابد، ولا خطابًا عن أمجاد الأسلاف. التاريخ مشكلة حاضرة. ماذا نفعل به؟ كيف نعرفه؟ من يمتلكه؟ وماذا يحدث للإنسان عندما تنقطع علاقته به؟
الماضي ليس متحفًا
ربما لهذا لا يشيخ «المومياء» بسهولة. فالسؤال الذي يطرحه لم ينته باكتشاف خبيئة الدير البحري، ولا بانتهاء تجارة بعينها في القرن التاسع عشر.
في كل مجتمع توجد معركة صامتة حول الذاكرة: ماذا نحفظ؟ ماذا نهدم؟ ماذا نبيع؟ ماذا ننسى؟ ومن يملك حق الكلام باسم الماضي؟
والتراث نفسه يمكن أن يتحول إلى سلعة، أو شعار، أو صورة سياحية، أو أداة للسلطة، أو مصدر لمعرفة الإنسان بنفسه. لذلك فإن الصراع الحقيقي في الفيلم ليس على الذهب والتماثيل بقدر ما هو على معنى الأشياء.
القطعة الأثرية في السوق شيء له ثمن. القطعة نفسها داخل سياقها التاريخي شيء له معنى. والفارق بين الثمن والمعنى هو المسافة التي يقطعها ونيس طوال الفيلم.
فيلم عن مصر القديمة أم عن مصر الحديثة؟
ظاهريًا، يعود الفيلم إلى واقعة سنة 1881، ويتعامل مع آثار تعود إلى زمن أبعد بكثير. لكنه أُنجز في مصر سنة 1969، في مرحلة كانت فيها أسئلة الهوية والهزيمة واستعادة الذات حاضرة بقوة في الثقافة العربية.
ليس ضروريًا أن نحول كل لقطة إلى رمز سياسي مباشر حتى نرى هذه الطبقة. يكفي أن نتأمل سؤال الفيلم الأساسي: كيف يستطيع مجتمع أن يتقدم إذا كان منفصلًا عن ذاكرته، أو إذا كان لا يرى في ماضيه إلا شيئًا يمكن تفكيكه وبيعه؟
بهذا المعنى، لا يدعو شادي عبد السلام إلى العودة إلى الماضي والعيش فيه. إنه يفعل شيئًا أكثر تعقيدًا: يريد أن يعرف الحاضر من أين جاء.
وهناك فرق كبير بين الأمرين. تمجيد الماضي قد يتحول بسهولة إلى حنين، أما معرفته فتسمح بمساءلته وفهمه ووضع الحاضر في سياقه.
لماذا ما زال الفيلم قادرًا على إرباك المشاهد؟
لأن «المومياء» لا يقدم المتعة بالمعنى السريع الذي اعتدناه. إنه يطلب من المشاهد أن يبطئ إيقاعه. أن ينظر إلى وجه ساكن، وأن ينتظر حركة داخل الكادر، وأن يسمع الصمت، وأن يقبل بأن بعض الأسئلة لن تُشرح له في حوار مباشر.
وقد يكون هذا تحديدًا ما يجعل بعض المشاهدين يعشقونه، بينما يجد آخرون صعوبة في الدخول إليه. الفيلم لا يحاول استرضاء المتلقي.
لكن من يمنحه زمنه يكتشف أن البطء ليس فراغًا. هناك توتر مستمر تحت السطح: خوف ونيس، سلطة الأعمام، مصير أخيه، سر الجبل، رجال الآثار، والسؤال الذي يقترب تدريجيًا من لحظة لا يمكن بعدها العودة إلى الحياة القديمة.
إنه تشويق من نوع مختلف؛ لا يسأل فقط: ماذا سيحدث؟ بل يسأل: ماذا سيصبح هذا الإنسان بعد أن عرف؟
حين يصبح إنقاذ المومياء إنقاذًا للحي
في القراءة الأولى، يبدو أن ونيس ينقذ المومياوات من النهب. لكن ربما كان الفيلم يقول شيئًا معكوسًا أيضًا: المومياوات هي التي تنقذ ونيس.
قبل اكتشاف السر هو فرد داخل جماعة تحدد له معنى العالم. وبعده يصبح مضطرًا إلى الاختيار بنفسه. معرفته بالموتى تمنحه وعيًا جديدًا بالأحياء وبمكانه بينهم.
إنه يدفع ثمن هذا الوعي؛ لأن المعرفة في «المومياء» ليست مريحة. من يعرف لا يستطيع العودة بسهولة إلى البراءة السابقة.
وهذه واحدة من أجمل مفارقات الفيلم: جثث عمرها آلاف السنين توقظ ضمير رجل حي.
ما الذي بقي من «المومياء» بعد أكثر من نصف قرن؟
بقيت صوره أولًا: الجبل، والثياب السوداء، والوجوه الصامتة، والمعابد، والضوء الذي يبدو كأنه قادم من زمن آخر.
وبقي إيقاعه الذي يرفض أن يصبح مستعجلًا مهما تغيرت عادات المشاهدة.
لكن الذي بقي أكثر هو السؤال.
لقد كان في وسع شادي عبد السلام أن يصنع فيلمًا عن اكتشاف أثري مثير، لكنه اختار أن يجعل الاكتشاف يحدث داخل الإنسان. لذلك لا تصبح لحظة كشف المقبرة هي الذروة الحقيقية بقدر ما تصبح لحظة فهم ونيس لما يعنيه وجودها.
ومن هنا تأتي فرادة «المومياء» في السينما العربية. إنه لا يستخدم الماضي لكي يهرب من الحاضر، بل يحفر في الماضي حتى يصل إلى الحاضر.
وبعد أكثر من نصف قرن على إنتاجه، ما زال الفيلم يضعنا أمام السؤال الذي واجه ونيس: إذا وجدنا تحت أقدامنا ذاكرة أقدم منا جميعًا، فهل نعاملها بوصفها ملكًا يمكن بيعه، أم بوصفها جزءًا من الإجابة عن سؤال: من نحن؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق