بقلم: الورّاق الجزائري
لا تُقاس حرية
الصحافة بما تنشره من شعارات عن الاستقلال والتعددية، ولا بجمال تصميم مواقعها،
ولا بعدد الأسماء اللامعة التي تتصدر صفحاتها. الاختبار الحقيقي يبدأ من الأسئلة
البسيطة: كيف تختار المؤسسة كُتّابها؟ هل تعلن شروط النشر؟ هل تتيح فرصة عادلة
لأصحاب الأصوات الجديدة؟ هل يعرف الكاتب أين يرسل مادته وكيف تُقيَّم؟ وهل تحكم
العلاقة بينه وبين المؤسسة قواعد مهنية واضحة، أم شبكة مغلقة من العلاقات
والولاءات؟
توجد مواقع وصحف
عربية تدفع مكافآت مالية مجزية، وهذا أمر إيجابي في ذاته؛ فالكتابة عمل فكري يستحق
المقابل، ومن حق الكاتب أن يتقاضى أجرًا عادلًا عن وقته ومعرفته وجهده. والمشكلة
ليست في المكافأة، بل في الطريقة التي تُستخدم بها أحيانًا: هل هي تقدير للعمل، أم
وسيلة لاستقطاب المواقف وترويض الأصوات؟ وهل يحصل عليها الكاتب بسبب جودة مادته،
أم بسبب توافقه مع السياسة غير المعلنة للمؤسسة والدولة أو الجهة التي تقف خلفها؟
عندما لا تعلن
المؤسسة شروط النشر، ولا توفر بريدًا واضحًا لاستقبال المواد، ولا تشرح آلية
الاختيار أو الرد، فإن الغموض لا يعود مجرد نقص إداري. يتحول إلى جزء من السياسة
التحريرية نفسها. فالباب الذي لا يحمل لافتة لا يكون مفتوحًا للجميع؛ بل يعرف
طريقه إليه أشخاص محددون، بينما يبقى الآخرون خارجه، لا يعرفون إن كانت موادهم
مرفوضة بسبب ضعفها، أم بسبب أسمائهم، أم مواقفهم، أم لأن القائمة اكتملت سلفًا.
الشفافية ليست خدمة إضافية
من الأعراف المهنية
أن توضح الصحيفة أو المنصة الثقافية طبيعة المواد التي تستقبلها، والأقسام
المتاحة، وطريقة الإرسال، والحدود التقريبية لعدد الكلمات، وسياسة النشر المتزامن،
وحقوق الكاتب المالية والمعنوية. ومن الطبيعي أيضًا أن تحدد مدة تقريبية للرد أو
أن تنص بوضوح على أن عدم الرد خلال فترة معينة يعني الاعتذار عن النشر.
هذه المعلومات لا
تُلزم المؤسسة بقبول كل ما يصل إليها، ولا تسلب المحرر حق الاختيار. إنها فقط تجعل
هذا الحق قابلًا للفهم والمساءلة، وتمنح الكاتب الحد الأدنى من الاحترام. أما أن
تخفي المؤسسة طرق الوصول إلى محرريها، ثم تظهر أمام الجمهور باعتبارها منبرًا
مفتوحًا للتعدد الثقافي والفكري، فذلك تناقض بين الصورة والممارسة.
قد يكون من حق
صحيفة ما أن تعتمد على كتّاب ثابتين أو مواد مكلّفة، لكن من واجبها المهني أن تقول
ذلك صراحة. عبارة بسيطة من قبيل: "لا تستقبل المؤسسة حاليًا مواد غير
مطلوبة" أكثر احترامًا من ترك مئات الكُتّاب يطرقون أبوابًا لا يعرفون أنها
مغلقة أصلًا.
القوائم المغلقة تصنع صحافة غير حرة
الصحافة غير الحرة
ليست فقط تلك التي تتلقى أمرًا مباشرًا بحذف مقال أو منع رأي. قد تكون الرقابة
أكثر نعومة وتعقيدًا: قائمة محددة من الكُتّاب، مكافآت مرتفعة، فرص ظهور واسعة،
وعلاقات مهنية لا تستمر إلا ما دام الكاتب منسجمًا مع المزاج السياسي للممول. وفي هذه البيئة لا يحتاج أحد إلى أن يقول
للكاتب: غيّر موقفك. يكفي أن يرى مَن تُفتح لهم الأبواب، ومَن تُرفع مكافآتهم،
ومَن تتكرر أسماؤهم، ومَن يختفون فجأة عندما تتغير مواقفهم. يتعلم الجميع الرسالة
من دون أن تُكتب: الاقتراب من الخط المفضل يفتح المجال، والابتعاد عنه يضيّقه. وهنا تتحول المكافأة من أجر مشروع إلى وسيلة
ضغط غير معلنة. لا يُشترى النص فقط، بل يُختبر استعداد صاحبه للتكيف. وقد يبدأ
الأمر بتعديل عبارة، ثم تجنب موضوع، ثم الصمت عن قضية، إلى أن يجد الكاتب نفسه
يدافع عما كان ينتقده، أو يهاجم ما كان يؤيده، لا نتيجة مراجعة فكرية حقيقية، بل
لأن الموقف الجديد أصبح أكثر ربحًا وأقل كلفة.
لا أحد يعترض على
حق الكاتب في مراجعة أفكاره. تغيير الرأي قد يكون علامة نضج وشجاعة عندما يستند
إلى معرفة جديدة أو تجربة أو اعتراف بخطأ. لكن التحولات التي تسير دائمًا في اتجاه
مصدر المكافأة، وتتبدل كلما تبدل الممول أو تغيرت مصالحه، لا تبدو مراجعات فكرية
بقدر ما تبدو استجابات لسوق الولاء.
دعم الكاتب أم إعادة تشكيله؟
تزعم بعض المؤسسات
أنها تدعم الكُتّاب العرب، غير أن الدعم الحقيقي يوسّع مساحة الاستقلال، ولا يحوّل
الحاجة الاقتصادية إلى وسيلة لإعادة تشكيل المواقف. الكاتب في العالم العربي يعمل
غالبًا في ظروف صعبة: سوق كتاب ضعيف، أجور محدودة، فرص نشر قليلة، وغياب شبه كامل
للحماية المهنية. لذلك تصبح المكافأة المجزية ذات تأثير كبير، وقد تتحول إلى باب
للأمان المادي والاعتراف والانتشار.
وهنا تقع المسؤولية
الأخلاقية على المؤسسة. فكلما ازدادت حاجات الكاتب، وجب ألا تُستغل تلك الحاجة
لشراء صمته أو مرونته السياسية. الأجر العادل ينبغي أن يحرر الكاتب من التبعية، لا
أن ينقله من تبعية الفقر إلى تبعية الممول.
واجهات لامعة وأصوات مستأجرة
قد تبدو هذه
المواقع في غاية الحداثة: تصميم أنيق، أقسام كثيرة، صور جذابة، أسماء معروفة،
ومفردات متكررة عن الحرية والتنوير والديمقراطية. لكن الواجهة اللامعة لا تكشف
بالضرورة ما يجري خلفها. فخلف بعض هذه الواجهات كتّاب يغيرون مواقفهم
كما يغيرون ملابسهم. تراهم مع هذا الطرف ما دام هو الممول، ثم ينتقلون إلى نقيضه
حين تتغير المصلحة. يهاجمون سياسة في منبر، ثم يجدون لها الأعذار في منبر آخر.
يتحدثون عن حرية المثقف، لكنهم لا يختلفون مع الجهة التي تدفع لهم إلا في التفاصيل
التي تسمح بها.
المقصود ليس
التشكيك في كل كاتب يتقاضى مكافأة، فهذا ظلم واضح؛ فالأجر لا يصنع الكاتب المأجور،
كما أن الكتابة المجانية لا تضمن النزاهة. المعيار هو العلاقة بين المال والموقف:
هل يُدفع للكاتب مقابل جودة نصه، مع احتفاظه بحقه في الاختلاف، أم يُكافأ بقدر
اقترابه من الخط السياسي المطلوب؟ فالصحافة الحرة قد تختار موقفًا سياسيًا واضحًا،
لكنها لا تخفيه، ولا تزعم حيادًا لا تمارسه. كما تسمح داخل خطها العام بمساحة
للاجتهاد والنقد والمراجعة. أما الصحافة التي ترفع راية التعدد، ثم لا تُبقي حولها
إلا الأصوات المضمونة، فهي لا تدير حوارًا؛ بل تدير صورة مصممة بعناية لتبدو
حوارًا.
الغموض وسيلة للإنكار
من فوائد غياب
سياسة النشر بالنسبة إلى بعض المؤسسات أنه يمنحها القدرة على إنكار التمييز. فإذا
لم توجد معايير معلنة، لا يستطيع الكاتب إثبات أن مادته استوفتها. وإذا لم توجد
مدة للرد، يمكن تجاهل الرسالة إلى ما لا نهاية. وإذا لم يُعلن بريد المحرر، يمكن
أن تضيع المادة في صندوق عام من دون أن يتحمل أحد مسؤولية رفضها. وبهذه الطريقة يتحول الصمت إلى قرار تحريري
من دون توقيع، ويصبح الإقصاء ممارسة يصعب الاعتراض عليها. لا يقال للكاتب إن موقفه
غير مرغوب فيه؛ بل لا يُرد عليه. ولا يقال إن القائمة مغلقة؛ بل يُترك الباب
شكليًا بلا طريق واضح للدخول.
هذه الممارسة تضر
حتى بالكُتّاب الذين تنشر لهم المؤسسة، لأنها تضعهم تحت شبهة أنهم وصلوا بالعلاقة
أو الولاء، لا بالكفاءة. والشفافية وحدها تحمي الطرفين: تحمي الكاتب من الإقصاء
الغامض، وتحمي المؤسسة وكُتّابها من الشك في نزاهة الاختيار.
الكتابة الرمادية: بلاغة تقول كل شيء كي لا تقول شيئًا
لا يقتصر أثر
الصحافة المغلقة على اختيار أسماء بعينها أو استبعاد أسماء أخرى، بل يمتد إلى
طبيعة الكتابة التي تنتجها وتمنحها الشرعية والانتشار. فعندما يعرف الكاتب أن
بقاءه قريبًا من المنبر مرتبط بقدرته على تجنب المناطق الحساسة، تتكون تدريجيًا
كتابة رمادية: أنيقة في ظاهرها، حافلة بالاستعارات والإشارات، لكنها حريصة على ألا
تصل إلى موقف يمكن الإمساك به.
ليس المقصود أن كل
كتابة إبداعية مطالبة بأن تتحول إلى منشور سياسي، أو أن قيمة القصيدة والرواية
تُقاس بوضوح شعارهما. للإبداع حقه في الغموض والتخييل والتأمل، وله أن ينشغل
بالجمال والحب والموت والوحدة وأسئلة الوجود من دون أن يقدم برنامجًا أيديولوجيًا.
غير أن الغموض الفني شيء، وتمويه الموقف خوفًا على المكافأة والمكانة شيء آخر.
الأول يوسّع المعنى، أما الثاني فيخفيه؛ الأول يمنح القارئ احتمالات متعددة،
والثاني يضع ألف حجاب بين النص والحقيقة حتى لا يُغضب أحدًا ممن يملكون قرار النشر
والدفع.
تبدو بعض النصوص في
هذه الصحافة شديدة الجرأة ما دامت تتحدث عن ظلم مجرد، أو طاغية بلا اسم، أو منفى
بلا سبب، أو ضحية بلا جلاد. تندد بالحرب من دون أن تحدد المعتدي، وتبكي الحرية من
دون أن تشير إلى سجان، وتتغنى بالإنسان بينما تتحاشى الحديث عن الإنسان الذي يُسحق
أمامها. إنها كتابة تتقن صناعة الإيحاء الأخلاقي، لكنها تتراجع قبل اللحظة التي
يتحول فيها الإيحاء إلى موقف. وحين تقترب من قضية
حقيقية، فإنها تحيطها بطبقات من المجاز والالتباس والموازنات المصطنعة، حتى يخرج
القارئ من النص معجبًا بمهارة الكاتب، لكنه لا يعرف على وجه الدقة ماذا أراد أن
يقول. وبذلك تصبح البلاغة وسيلة للحماية الذاتية لا للكشف، ويغدو الغموض عقدًا غير
مكتوب بين الكاتب والمنبر: لك أن تبدو معارضًا، بشرط ألا يكون اعتراضك واضحًا إلى
الحد الذي يسبب حرجًا للممول.
هذه الكتابة
الرمادية لا تنشأ دائمًا بأمر مباشر من المحرر. الأخطر أنها تتحول إلى رقابة
داخلية يمارسها الكاتب على نفسه. يتعلم مع الوقت حدود المسموح، ويحذف العبارة قبل
أن يطلب منه أحد حذفها، ويختار الموضوع الآمن قبل أن يُرفض الموضوع الخطر. ثم يكرر
ذلك حتى يفقد القدرة على التمييز بين صوته الحقيقي والصوت الذي صنعته شروط النشر.
هكذا تؤدي المؤسسة
دورًا يتجاوز الرقابة التقليدية. فهي لا تمنع النص الملتزم فحسب، بل تساعد على
إنتاج مبدع يحتاط قبل أن يكتب، ويحسب أثر كل جملة في علاقته بالمنبر، ويستبدل
السؤال المقلق بتأمل محايد، والموقف الواضح بصورة جميلة قابلة لجميع التأويلات.
ومع الزمن يصبح الحذر أسلوبًا، والتراجع حكمة، والحياد أمام الظلم علامة مزعومة
على النضج. والنتيجة انحدار ثقافي لا
يظهر بالضرورة في ضعف اللغة أو قلة الإنتاج. قد تكون النصوص مصقولة، والمنصات
مزدحمة، والجوائز كثيرة، لكن الحياة الفكرية تكون قد فقدت قدرتها على تسمية
الأشياء ومواجهة الواقع. فالانحدار الثقافي لا يعني دائمًا غياب الكتابة؛ قد يعني
وفرتها مع غياب الضرورة، وارتفاع أصوات الكُتّاب مع ندرة ما يستحق أن يُقال.
حين تمتلئ الصفحات
بنصوص لا تخاطر بشيء، يصبح الإبداع زينة للمشهد بدل أن يكون قوة لكشفه ومساءلته.
وتتحول الثقافة إلى مساحة ناعمة تفصل القارئ عن صراعات مجتمعه بدل أن تساعده على
فهمها. عندئذ لا تعود المؤسسة الثقافية شاهدًا على عصرها، بل تصبح غرفة لتخفيف صوته
وإعادة تقديم مآسيه في صور جميلة لا تزعج أحدًا.
ثقافة الحظوة والحرمان: مؤسسة تفسد القريب والبعيد
لا تكتفي هذه
المنظومة بإنتاج كتابة رمادية، بل تعيد تشكيل العلاقات بين المبدعين أنفسهم. فغياب
القواعد الواضحة، وارتفاع المكافآت، وغموض طرق الوصول إلى المنابر، تقسم الوسط
الثقافي تدريجيًا إلى دائرتين: أصحاب حظوة يخشون خسارتها، ومبدعين أقل حظًا تتراكم
لدى بعضهم المرارة والشك والغضب.
أصحاب الحظوة ليسوا
دائمًا مطمئنين كما يبدو من الخارج. فحين لا يعرف الكاتب لماذا اختير، ولا
المعايير التي ضمنت بقاءه، يصبح نجاحه مهددًا في كل لحظة. قد يملك المكافأة
والانتشار، لكنه لا يملك اليقين بأن مكانته قائمة على جودة عمله وحدها. ولذلك
يتحول القرب من المؤسسة إلى امتياز مصحوب بالخوف: خوف من الاختلاف، ومن تراجع
الرضا، ومن ظهور اسم أكثر ملاءمة، ومن تغير السياسة التي منحته موقعه. إنه كاتب ذو حظوة، لكنه
غير واثق. يراقب التحولات السياسية كما يراقب الموظف مزاج مديره، ويعيد ترتيب
عباراته وفق اتجاه الريح. وقد يدافع عن المؤسسة لا اقتناعًا بكل ما تفعله، بل لأن
أي نقد لها يمكن أن يهدد مكانه. ومع الوقت يصبح الدفاع عن الامتياز جزءًا من هويته،
ويختلط لديه تقدير الذات بعدد مرات النشر وحجم المكافأة وقربه من دوائر القرار.
وفي الجهة الأخرى
يقف كُتّاب لا يعرفون لماذا لا يصلون. بعضهم موهوب، وبعضهم متوسط، وبعضهم يبالغ في
تقدير نفسه؛ وهذه طبيعة أي وسط ثقافي. لكن غياب المعايير يمنع الجميع من التمييز بين
الرفض المهني والإقصاء القائم على العلاقات والمواقف. فإذا لم يتلق الكاتب
تقييمًا، ولم ير بابًا واضحًا للتقديم، بينما يشاهد الأسماء نفسها تتكرر، فمن
الطبيعي أن يبدأ بالشك في نزاهة المشهد. وقد تتحول المرارة
المشروعة لدى بعض المستبعدين إلى حقد شخصي على كل ناجح، أو إلى كراهية عمياء لكل
من ينشر في تلك المنابر. عندها لا يعودون قادرين على الاعتراف بجودة نص يصدر عن
أحد أصحاب الحظوة، حتى إذا كان جيدًا بالفعل. وبدل نقد النظام الذي أغلق الأبواب،
ينشغلون بالطعن في الأشخاص وتتبع عثراتهم والفرح بسقوطهم.
وبين خوف أصحاب
الحظوة ومرارة المستبعدين تضيع إمكانية قيام جماعة ثقافية تتنافس بالنصوص وتتضامن
في الدفاع عن حرية الإبداع وكرامة المبدع.
ولا تعني هذه
الصورة أن كل من تنشر له تلك المؤسسات انتهازي، أو أن كل من استُبعد منها ضحية
عظيمة. مثل هذا التعميم يعيد إنتاج الظلم نفسه. القضية أن النظام غير الشفاف يمنع
التقييم العادل، ويضع الجميع تحت الشبهة. فالكاتب المنشور يُتهم بأنه صاحب علاقة
حتى لو استحق مكانه، والكاتب المستبعد قد يتصور نفسه ضحية سياسية حتى لو كانت
مادته ضعيفة. وحدها المعايير المعلنة تستطيع الفصل بين الاستحقاق والامتياز، وبين
الرفض المهني والإقصاء المتعمد.
أما في البيئة
الغامضة، فتتحول الثقافة إلى منافسة على التقرب من أصحاب قرار النشر، بدل أن تكون
منافسة حرة تحسمها جودة الكتابة وقيمتها الإبداعية. وينشغل المبدعون بمن يعرف
المحرر، ومن يستطيع الوصول إليه، ومن تفتح له العلاقات بابًا لا يظهر على الموقع،
فيما تتراجع أسئلة اللغة والرؤية والتجربة لتحل محلها أسئلة النفوذ والقرب
والاصطفاف.
هذا أحد أخطر وجوه
الانحدار الثقافي: ألا يعود المبدع منشغلًا بتطوير عمله، بل بتحديد المعسكر الذي
ينبغي أن يقترب منه؛ وألا يرى في زميله شريكًا في بناء المجال الثقافي، بل منافسًا
على حصة محدودة من الحظوة. وحين تنجح المؤسسة في تحويل الكُتّاب إلى طالبي رضا أو
ناقمين محرومين، تكون قد أضعفت استقلال الفريقين، وضمنَت أن يدور الصراع بينهم بدل
أن يتجه نحو البنية التي صنعت هذا الاختلال.
هندسة النخب وتفكيك المجتمع
لا يتوقف ضرر
الصحافة الثقافية المغلقة عند إفساد العلاقة بين المبدعين أو إنتاج كتابة رمادية
تتجنب القضايا الحقيقية. فحين تستمر هذه السياسة وتتسع، تتحول المؤسسة الإعلامية
من منبر للنقاش إلى أداة للمشاركة في تشكيل النخب، ومن ثم التأثير في الطريقة التي
يرى بها المجتمع نفسه ومشكلاته ومستقبله.
لا تتكون النخب
الثقافية والفكرية بقوة الموهبة والمعرفة وحدهما. تحتاج الموهبة إلى منبر يعرّف
بها، ويكرر حضورها، ويمنحها الاعتراف والصفة والمكانة. فالكاتب الذي يظهر باستمرار
في مؤسسة واسعة الانتشار لا يبقى مجرد صاحب نصوص؛ سرعان ما يُقدَّم بوصفه مفكرًا
أو خبيرًا أو ممثلًا لاتجاه ثقافي، وتفتح له أبواب الندوات والمقابلات والجوائز
والمؤسسات الأخرى. أما صاحب الصوت المحجوب، فقد يبقى مجهولًا مهما كانت قيمة ما
يكتبه.
لهذا لا يكون
اختيار الكُتّاب فعلًا تحريريًا محايدًا تمامًا. إنه يساهم في تحديد من يحق له
الكلام باسم الثقافة والمجتمع، ومن يبقى خارج دوائر التأثير. وعندما ترتبط فرص
الظهور والمكافأة بالتوافق مع مصالح الممول أو توجهاته، تصبح المؤسسة شريكًا في
صناعة نخبة ملائمة لتلك المصالح، لا في اكتشاف أكثر الأصوات كفاءة واستقلالًا.
لا يحتاج الممول في
هذه الحالة إلى إصدار تعليمات يومية أو فرض نصوص جاهزة. يكفي أن تكون حدود المقبول
معروفة، وأن ترى المؤسسة والكاتب أي المواقف تُكافأ وأيها تؤدي إلى الاختفاء. تعمل
المنظومة بعد ذلك بصورة شبه تلقائية: يختار المحرر الأسماء الأكثر انسجامًا، ويتعلم
الكاتب اللغة التي تضمن استمراره، وتتكرر هذه الأسماء حتى تتحول إلى نخب معترف
بها، ثم تعيد تلك النخب تقديم مصالح الممول بوصفها رؤى عقلانية أو ضرورات واقعية
أو حقائق لا بديل عنها.
بهذه الطريقة يمكن
توجيه المجال الثقافي من مسافة بعيدة. لا يحدث ذلك من خلال أمر مباشر، بل عبر
التحكم في فرص الظهور والاعتراف والدخل. ومن يملك القدرة على رفع أسماء وتهميش
أخرى لا يحدد محتوى صحيفة فقط، وإنما يشارك في رسم حدود النقاش العام: ما القضايا
التي تستحق الاهتمام؟ من يحق له تفسيرها؟ وما الحلول التي تبدو معقولة أو مستحيلة؟
مثل هذا المنهج لا
يخدم التنمية؛ لأن التنمية تحتاج إلى معرفة الواقع كما هو، وإلى تداول صريح
للأفكار، وإلى مشاركة واسعة تسمح للمجتمع باكتشاف أخطائه وصياغة مصالحه المشتركة.
أما الصحافة التي تستبعد الأصوات المزعجة وتكافئ المواقف المريحة للممول، فتنتج
صورة ناقصة عن المجتمع، ثم تقدم هذه الصورة بوصفها حقيقته الكاملة.
ولا تساعد هذه
الصحافة على بناء التفاهم الاجتماعي. فالتفاهم لا يعني إخفاء الخلافات، وإنما
إدارتها في فضاء عادل يسمح للأطراف بالتعبير عن مصالحها ومخاوفها. حين تحتكر فئة
محددة المنابر، تشعر الفئات المستبعدة بأن المجال العام لا يمثلها، وأن الحوار
المعلن مجرد واجهة لقرارات اتُخذت سلفًا. عندها تفقد الكلمات المشتركة معناها،
ويتحول الاختلاف من نقاش حول السياسات إلى شك متبادل في النيات والانتماءات.
وينشأ التناحر
أفقيًا بين الجماعات والتيارات التي تتنافس على فرص التعبير والاعتراف، وعموديًا
بين النخب المدعومة وقطاعات المجتمع التي لا ترى نفسها ممثلة فيها. ومع اتساع هذه
الفجوة تبدو النخبة كأنها تتحدث بلغة منفصلة عن حياة الجمهور ومصالحه.
ويستفيد الممول من
هذا الانقسام حين تتحول الثقافة من أداة لبناء الوعي المشترك إلى ميدان لتوزيع
النفوذ وإدارة الخصومات؛ فتُستنزف الطاقات في صراعات داخلية بدل توجيهها إلى نقد
البنية التي صنعت الاختلال.
إن المجتمع الذي
تُشكَّل نخبه بهذه الطريقة لا يفقد حرية التعبير فحسب، بل يفقد جزءًا من قدرته على
تحديد مصالحه بنفسه. إذ تتولى نخبة منتقاة تعريف ما هو واقعي وما هو متطرف، وما
يجب مناقشته وما ينبغي تجاهله. وحين تتكرر هذه التعريفات عبر الصحف والمنصات
والندوات، تبدو مع الوقت كأنها نابعة من المجتمع، مع أنها قد تكون نتيجة نظام طويل
من الانتقاء والتمويل والتهميش.
ولا تجعل هذه
الآلية كل مؤسسة ممولة أداة سيطرة أو كل كاتب يتقاضى مكافأة تابعًا للممول؛
فالمعيار هو ما إذا كان التمويل يحمي استقلال المؤسسة وتعددها، أم يمنح صاحبه قدرة
خفية على اختيار النخب وتحديد حدود الخطاب.
حين تكون قواعد
التمويل والنشر واضحة، وتوجد تعددية حقيقية واستقلال تحريري، تستطيع الصحافة أن
تدعم التنمية وتبني جسور التفاهم. أما اجتماع المال بالغموض والانتقاء السياسي،
فيجعل المؤسسة تعيد تشكيل المجتمع من زاوية محددة ثم تقدم هذا التشكيل المصنوع
بوصفه صوته الحقيقي.
ما الذي تقتضيه المهنية؟
لا يُطلب من
المواقع والصحف أن تنشر للجميع أو تتخلى عن هويتها وخطها التحريري، بل أن تقول
الحقيقة عن نفسها. عليها أن تعلن بوضوح إن كانت تستقبل مساهمات خارجية، وأن تبيّن
معايير الاختيار وحقوق الكاتب والمكافأة وآلية التعاقد، وأن تكشف ما يكفي عن مصادر
تمويلها وتعارضات المصالح المحتملة. وإذا كانت تعتمد على التكليف المباشر وقائمة
ثابتة من الكُتّاب، فعليها التصريح بذلك بدل ترك الآخرين في منطقة انتظار مهينة.
كما ينبغي الفصل
بين الاختلاف المهني والعقوبة السياسية. يمكن رفض مقال لأنه مكرر أو ضعيف أو غير
مناسب للقسم، لكن لا يجوز أن يصبح التوافق مع سياسات الممول شرطًا خفيًا للنشر.
وحين توجد مكافآت، يجب أن ترتبط بطبيعة العمل وحجمه وجودته، لا بدرجة الحماسة في
الدفاع عن هذه الدولة أو مهاجمة خصومها.
الصحافة الحرة تبدأ من طريقة فتح الباب
حرية الصحافة ليست
نصوصًا جريئة تُنشر حين تتوافق الجرأة مع مصالح الممول، بل نظامًا مهنيًا يحمي حق
الاختلاف ويكشف قواعد الاختيار ويفصل ما أمكن بين القرار التحريري والإملاء
السياسي. وعندما تغلق المؤسسة أبوابها أمام الأصوات المستقلة وتدفع بسخاء للأصوات
المتوافقة، فإنها تصنع طبقة من الكُتّاب القابلين للاستبدال، لا حياة ثقافية حرة.
قد تنجح هذه المؤسسات
في شراء المقالات، وفي ملء صفحاتها بأسماء كبيرة، وفي تقديم واجهات براقة تجذب
القارئ. لكنها لا تستطيع شراء المصداقية إلى الأبد. فالقارئ يلاحظ مع الوقت أن
الأقلام المختلفة تصل دائمًا إلى النتيجة نفسها، وأن حدود النقد تتوقف عند باب
الممول، وأن بعض الكُتّاب يبدلون قناعاتهم بسرعة تفوق تبدل الأحداث.
الصحافة التي تستحق
اسمها لا تخاف من إعلان قواعدها، ولا تحتاج إلى تدجين الكاتب كي تستفيد من موهبته.
تدفع له لأنه كتب جيدًا، لا لأنه أطاع جيدًا. وتفتح الباب للنصوص القوية حتى عندما
تزعجها، لأن دور الصحافة الحرة ليس صناعة الصمت المنظم، بل حماية المجال الذي
يستطيع فيه الكاتب أن يقول ما يعتقده من دون أن يقايض ضميره بمكافأة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق