اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

تحليل قصيدة "لا تصالح" لأمل دنقل: الوصايا العشر حين يصبح الدم سؤالًا عن العدل والكرامة

 

بورتريه مائي للشاعر المصري أمل دنقل في جلسته التأملية، وخلفه ألوان ترابية وحمراء داكنة تناسب أجواء قصيدة لا تصالح.


بقلم: الورّاق الجزائري

ليست قصيدة "لا تصالح" لأمل دنقل مجرد صيحة سياسية رافضة، ولا دعوة مباشرة إلى حرب لا تنتهي، كما قد توحي القراءة السريعة. إنها قصيدة درامية معقدة تضع الإنسان أمام سؤال أخلاقي بالغ القسوة: هل يجوز إغلاق جرح لم يتحقق فيه العدل؟ وهل يكون الصلح سلامًا حقيقيًا إذا طُلب من الضحية أن تنسى، بينما بقيت أسباب الجريمة قائمة؟

استدعى أمل دنقل حكاية كليب والزير سالم وحرب البسوس، لكنه لم يستدعها ليستعيد بطولة قبلية قديمة أو يمجّد الثأر لذاته. لقد أعاد تشكيل الحكاية لكي يجعل منها مرآة للواقع العربي الحديث، وليختبر من خلالها معنى الأخوة والوفاء والعدالة والسلطة والذاكرة. ومن قلب هذه العناصر جميعًا تخرج العبارة التي تحولت إلى واحدة من أشهر اللوازم في الشعر العربي الحديث: "لا تصالح".

لا تأتي قوة القصيدة من وضوح موقفها وحده، بل من الطريقة التي نقلت بها كلمة "الصلح" من معناها السياسي المحايد إلى محكمة أخلاقية كاملة. فالقصيدة لا تسأل إن كان الصلح ممكنًا من الناحية العملية، بل تسأل: ما طبيعة الصلح المعروض؟ ومن يدفع ثمنه؟ وهل يعيد الحق إلى أصحابه، أم يمنح المنتصر شرعية جديدة ويطالب المقتول بالصمت؟



من حرب البسوس إلى جرح الإنسان العربي

تنتمي القصيدة إلى عالم "أقوال جديدة عن حرب البسوس"، وهو عالم شعري أعاد فيه أمل دنقل بناء الموروث العربي بوعي حديث. والمهم هنا هو وصف "جديدة"؛ فالشاعر لا يروي الحكاية القديمة كما وصلت إلينا، وإنما يستخرج منها قولًا يناسب زمنه وأسئلته. ففي الموروث الشعبي، يقف كليب بن ربيعة على حافة الموت بعد أن غدر به جساس، ويوصي أخاه المهلهل، المعروف بالزير سالم، ألّا يقبل بالصلح قبل استيفاء حقه. ويحمل أمل دنقل هذه اللحظة من فضائها القبلي إلى فضاء أوسع، فيتحول كليب إلى صوت المقتول والمغدور، ويتحول الأخ المخاطَب إلى كل من أصبح مسؤولًا عن حفظ الحق بعد غياب أصحابه.

كتب دنقل القصيدة في نوفمبر عام 1976، أي قبل زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس عام 1977. وهذه المعلومة مهمة لأنها تصحح الاعتقاد الشائع بأن القصيدة كانت ردًّا مباشرًا على الزيارة أو على اتفاقية السلام اللاحقة. غير أن المناخ السياسي العربي في تلك المرحلة، بما شهده من نتائج الحروب والهزائم والتحولات والاستعدادات للتسويات، جعل القصيدة قابلة لأن تُقرأ لاحقًا بوصفها الاعتراض الشعري الأبرز على سلام لا يضمن العدالة.

وهكذا تجاوزت "لا تصالح" المناسبة التي وُلدت في أجوائها. فقد وجد فيها القارئ العربي تعبيرًا عن فلسطين، وعن الهزائم العربية، وعن دماء الجنود، وعن كل حق خشي أصحابه أن يتحول إلى بند قابل للمساومة. ومع مرور الزمن اتسعت دلالتها حتى أصبحت عبارتها المركزية تُستعاد في مواجهة الاحتلال والفساد والقمع والخيانة الشخصية والسياسية. لكن هذا الاتساع في الاستخدام ينبغي ألّا يحجب تعقيد القصيدة. فهي ليست شعارًا يمكن فصله عن شروطه، بل بناء شعري يسأل عن الصلح الذي يُستخدم لمحو الجريمة، لا عن السلام القائم على رد الحقوق والاعتراف بالضحايا.



لماذا اختار أمل دنقل شكل الوصايا العشر؟

بنى أمل دنقل قصيدته في عشرة مقاطع، وجعل عبارة "لا تصالح" تعود في بداياتها ومحطاتها الأساسية. وبذلك منح الخطاب هيئة الوصية الأخيرة التي يصدرها المقتول قبل أن يغادر الحياة. وللعدد عشرة دلالة واضحة تستحضر مفهوم الوصايا الكبرى التي ترسم للإنسان حدود السلوك الأخلاقي. كما يتقاطع هذا البناء مع ما تنسبه السيرة الشعبية إلى وصايا كليب لأخيه. وبهذا الجمع بين الذاكرة الدينية والذاكرة العربية الشعبية، ترتفع كلمات القتيل من مستوى الرجاء الشخصي إلى مستوى التكليف الأخلاقي.

الوصية لا تصدر هنا عن ملك يجلس على عرشه، بل عن جسد ينزف. وهذا ما يمنحها سلطتها الخاصة؛ فكليب لا يستند إلى جيش أو تاج أو مؤسسة، وإنما يستند إلى الحقيقة الأخيرة التي يحملها دمه. إنه يتحدث من منطقة لا تسمح بالمراوغة، لأن الموت أسقط المصالح الصغيرة وأبقى السؤال عاريًا: ماذا سيفعل الأحياء بالحق الذي تركه الميت بين أيديهم؟

أما التكرار فلا يؤدي وظيفة خطابية سطحية. ففي كل مرة تعود فيها عبارة "لا تصالح" تكون قد اكتسبت سببًا جديدًا. مرة ترتبط بذكريات الأخوة، ومرة بعدم تكافؤ الدماء، ومرة بمستقبل اليمامة، ومرة بإغراء السلطة، ومرة بخيانة القاتل، ومرة بخطر النسيان. وهكذا لا تتكرر العبارة ذاتها تمامًا، بل تتراكم معانيها حتى تصبح خلاصة شبكة كاملة من الحجج الأخلاقية والنفسية والتاريخية.



الوصية الأولى: ما لا يستطيع الذهب شراءه

تبدأ القصيدة بمواجهة مباشرة بين القيمة والثمن حيث يعرض الخصوم الذهب، لكن القتيل يرفض أن تُقاس الخسارة بالمال. ويستخدم الشاعر صورة قاسية تقوم على استبدال العينين المفقوءتين بجوهرتين. تبدو الجوهرتان نفيستين في ميزان السوق، لكنهما لا تعيدان القدرة على الرؤية.

هذه الصورة تضع الأساس الفلسفي للقصيدة كلها: ليست الأشياء متساوية لأنها متقاربة في الثمن. يستطيع الذهب أن يملأ الخزانة، لكنه لا يستطيع أن يعيد الأخ أو الذاكرة أو الثقة أو الحياة المشتركة. وقد يبدو التعويض عادلًا في الحسابات الرسمية، بينما يكون في حقيقته إهانة جديدة، لأنه يعامل ما لا يُشترى كما لو كان سلعة.

يستعيد القتيل تفاصيل الطفولة والأم والحياء والعناق والصمت والطمأنينة. وبهذا ينقل معنى الأخوة من رابطة النسب المجردة إلى تاريخ حميم صنعته الأيام. فالأخ ليس رأسًا يمكن استبداله برأس آخر، وإنما زمن كامل من المشاركة والحماية والذكريات. وحين يَسأل القتيل إن كان دمه سيصير ماءً في عيني أخيه، تتحول المقارنة بين الدم والماء إلى اختبار للذاكرة. فالدم هنا ليس مادة جسدية فقط؛ إنه قيمة العلاقة ودليل الجريمة وحق الغائب في ألّا يُمحى من وجدان الأحياء.


بوستر مائي للشاعر المصري أمل دنقل يتضمن مقطعًا من قصيدة لا تصالح، بخلفية رمزية داكنة وألوان ترابية وحمراء.


الوصية الثانية: لماذا لا يكفي مبدأ "رأس برأس"؟

في المقطع الثاني، يرفض القتيل التسوية الحسابية التي تدّعي أن العدالة تتحقق بمجرد تقديم مقابل مماثل. ومن هنا يأتي السؤال الشهير: "أكلُّ الرؤوس سواء؟".

ظاهريًا، يمكن أن يُفهم هذا السؤال بوصفه تعظيمًا لدم الأخ على حساب دم الآخرين. لكن بنيته الأعمق تكشف احتجاجًا على تحويل البشر إلى أرقام متبادلة. فالقصيدة تقول إن الإنسان لا يُختصر في جسده، لأن لكل شخص مكانًا لا يملؤه بديل. يدٌ كانت تحميك ليست كيدٍ حملت السيف ضدك، والقلب الذي أحبك لا يعوَّض بقلب مجهول يُلقى إلى الموت لتسوية الحساب. وبهذا المعنى لا ترفض القصيدة المساواة الإنسانية، بل ترفض منطق المقايضة الذي يتجاهل خصوصية الفقد. إن العدالة ليست معادلة عددية بين جثتين، لأن قتل إنسان آخر لا يعيد المقتول الأول إلى الحياة. ولذلك تنطوي القصيدة، من داخل لغة الثأر نفسها، على ما يتجاوز الثأر؛ فهي تكشف استحالة التعويض الكامل، وتعلن أن الحياة المفقودة لا يمكن استعادتها ببديل.

كما يحذر الخطاب من اللغة السياسية التي تتزين بعبارات حقن الدم والتحكيم والقرابة، فالكلمات في ذاتها نبيلة، لكن القصيدة تضعها موضع الشك لأن من ينطقون بها لم يحترموا القرابة ساعة ارتكاب الغدر. والمشكلة، إذن، ليست في الدعوة إلى وقف النزف، بل في توظيف هذه الدعوة لحماية الجاني من نتائج فعله.



اليمامة: حين تمتد الجريمة إلى المستقبل

يبلغ الخطاب ذروة إنسانيته عندما يستحضر اليمامة، ابنة كليب. هنا يبتعد الشاعر عن لغة الفروسية والسيوف، ويدخل بيت الضحية ليرصد ما أحدثه الغياب في حياة طفلة.

لا يقدم المقطع اليتيمة في صورة رمزية مجردة، بل يرسم المستقبل الذي سُلب منها: استقبال أبيها، والضحك معه، والثياب الجديدة، والعرس، والعودة إليه عند الضيق، وأحفاد كانوا سيلعبون في حضنه. الجريمة، وفق هذه الرؤية، لا تنتهي عند لحظة سقوط القتيل، بل تقتل معه احتمالات لم تولد بعد. وهذه واحدة من أعمق أفكار القصيدة: للدم المسفوك زمن ممتد. فالقاتل لا يأخذ حياة فرد فقط، وإنما يغير حياة أسرته ويعيد تشكيل مستقبل أطفاله. وحين يجلس المجتمع إلى مائدة الصلح، ينبغي ألّا ينظر إلى لحظة القتل وحدها، بل إلى دوائر الحرمان التي أحدثتها.

تحضر اليمامة كذلك بوصفها ضميرًا صامتًا يراقب قرار الرجال. إن الذين يفاوضون قد يملكون القدرة على تجاوز الماضي، أما الطفلة فقد أصبح الماضي جزءًا من تكوينها. ومن هنا يصبح النسيان امتيازًا لا تملكه الضحية، ويغدو الصلح الذي يتجاهلها قرارًا يتخذه الأقوياء نيابة عن المجروحين.



تاج الإمارة والبهجة المستعارة

لا يكتفي الخصوم بعرض الذهب، بل يعرضون السلطة أيضًا. وهنا ينتقل الامتحان من الحاجة المادية إلى الطموح السياسي. قد يستطيع الأخ أن يصبح ملكًا إذا قبل التسوية، لكن القصيدة تسأله: فوق أي أرض سيقام هذا العرش؟ وعلى أي جسد سيخطو كي يصل إليه؟ ووصف البهجة بأنها مستعارة شديد الدقة؛ فالاحتفال الذي يولد فوق دم لم يُنصف أصحابه لا يملك فرحه الحقيقي. إنه مشهد مرتب لتغطية الجريمة، ولذلك تبقى الابتسامات فيه أقنعة، ويبقى التاج علامة على التواطؤ بدل أن يكون رمزًا للسيادة.

وتظهر اليد في هذا المقطع رمزًا مركزيًا. فاليد التي تمتد للمصافحة ليست بريئة من تاريخها، والكف التي تقدم العهد قد تخفي أثر الدم. وبذلك يهدم الشاعر الاعتقاد بأن الطقوس الرسمية تكفي لتحويل العدو إلى شريك. فالمصافحة لا تمحو الجريمة إذا لم يسبقها اعتراف وعدل وتغيير حقيقي.

المصالحة عند دنقل ليست حركة تؤديها الأيدي أمام الناس، بل تحولًا يجب أن يحدث في جوهر العلاقة. وإذا بقي الغدر ممكنًا وظلت موازين القوة نفسها قائمة، أصبحت المصافحة ستارًا لغدر مؤجل.



القاتل الذي صافح ضحيته

من أكثر أجزاء القصيدة تأثيرًا ذلك الذي يروي فيه كليب لحظة الغدر. فهو لا يقدم نفسه محاربًا اقتحم أرض خصمه، بل رجلًا كان يسير إلى جوار قاتله، وصافحه قبل أن يتلقى الطعنة. والمشكلة الأخلاقية هنا ليست في الموت وحده، بل في الخيانة التي سبقته. لو وقع القتل في مواجهة معلنة لظل فعلًا مأساويًا، لكنه كان سيحتفظ بقواعد المواجهة. أما أن تأتي الضربة بعد الاطمئنان والمصافحة، فذلك يعني أن القاتل استخدم الثقة نفسها سلاحًا.

ولهذا يلح الشاعر على الذاكرة. من نسي طريقة وقوع الجريمة قد يكرر الظروف التي سمحت بها. وإذا كانت اليد التي صافحت بالأمس قد أخفت السكين، فما الذي يضمن ألّا تخفيه مرة أخرى؟

إن رفض الصلح في هذا السياق ليس رفضًا أبديًا لإمكان تغير العلاقات، بل رفض لمنح الثقة مجانًا لمن لم يقدم دليلًا على تغيره. فالتسامح الفردي قد يكون فضيلة، أما القرار المتعلق بحقوق جماعة ودماء آخرين فيحتاج إلى ضمانات أكبر من الكلام.



العرّافون والمتكلمون باسم الحكمة

تزدحم القصيدة بأصوات تحاول إقناع الأخ بالصلح: وسطاء وحكماء وأصحاب مصلحة ونساء وأقارب. وهذا التعدد يجعل القصيدة أقرب إلى مسرح شعري تقف فيه إرادة القتيل في مواجهة جوقة من الحجج. سَيُقال للأخ إن الحرب طويلة، وإن الزمن سيخفف الألم، وإن الصلح حيلة، وإن مصلحة الجماعة تقتضي المرونة، وإن المستقبل أهم من الماضي. ولا يرفض الشاعر هذه الحجج لأنها تفتقر تمامًا إلى المنطق، بل لأنه يرى إمكان استخدامها لترويض صاحب الحق.

اللغة السياسية، في القصيدة، ليست محايدة؛ فقد تتحول كلمات مثل السلام والحكمة والواقعية وحقن الدماء إلى أدوات ضغط تُمارس على الضحية وحدها، بينما لا يُطالب الجاني باعتراف أو تراجع أو تعويض عادل. وعندما يحدث ذلك تصبح الحكمة اسمًا جديدًا للاستسلام.

يكشف دنقل كذلك كيف يُصنع النسيان اجتماعيًا حيث لا يُطلب من صاحب الحق أن ينسى دفعة واحدة، بل تُقدَّم له المبررات بالتدريج: المال، والمنصب، والخوف من استمرار الحرب، والشفقة على عائلات الخصوم، والقول إن الزمن تغير. ومع تراكم هذه الضغوط قد يصبح الدفاع عن الحق في نظر الناس تعنّتًا، بينما تتحول الجريمة الأصلية إلى تفصيل قديم.



معنى الدم في القصيدة

الدم هو المحور الرمزي الأكبر في "لا تصالح". لكنه لا يحمل معنى واحدًا، بل تتقاطع فيه دلالات متعددة:

أولًا، الدم دليل مادي على وقوع الجريمة. إنه يمنع اللغة من تجميل ما حدث. يستطيع السياسي أن يسمي القتل حادثًا أو ضرورة أو خلافًا، لكن الثوب الملطخ يعيد الفعل إلى حقيقته.

ثانيًا، الدم رابطة قرابة. وهذا لا يعني أن القصيدة تحصر القيمة الإنسانية في القبيلة، وإنما تستخدم الأخوة لتجسيد المسؤولية. فكل دم مهدور يترك وراءه من يحمل ذاكرته ويدفع آثار غيابه.

ثالثًا، الدم أمانة حيث لا يملك الأخ أن يتصرف فيه كما يتصرف في ماله الشخصي، لأنه حق المقتول وحق ابنته وحق الجماعة التي سيؤثر القرار في مستقبلها. ومن هنا تصبح المصالحة المنفردة نوعًا من التنازل عما لا يملكه المفاوض كامل الملكية.

رابعًا، الدم ذاكرة سياسية. فالسلطة قد ترغب في بدء صفحة جديدة من دون قراءة الصفحة السابقة، أما القصيدة فتؤكد أن المستقبل الذي يُبنى على محو الضحايا سيظل مهددًا بعودة الجريمة.

ومع ذلك، لا ينبغي فهم "رفض الدم" في القصيدة بوصفه تعطشًا إلى دم مقابل. فالعبارة الأدق هي رفض تمييع الدم وتحويله إلى ماء، ورفض الاتجار به مقابل الذهب أو العرش. القصيدة تدافع عن معنى الدم، لا عن سفكه بوصفه غاية.



هل تمجّد "لا تصالح" الثأر؟

هذا هو السؤال الأصعب في قراءة القصيدة إذ لا يمكن إنكار أن صوت كليب ينتمي إلى ثقافة الثأر، وأن بعض عباراته تصدر عن عالم قبلي يرى الامتناع عن الانتقام عارًا. كما لا يمكن فصل القصيدة تمامًا عن نبرتها الحربية الحادة. لكنَّ مساواة صوت الشخصية بصوت الشاعر مساواة متعجلة؛ فأمل دنقل بنى موقفًا دراميًا وتحدث من داخل شخصية القتيل. والشخصية لا تقدم نظرية قانونية حديثة للعدالة، بل تصرخ من لحظة نزف وخيانة. لذلك تحمل لغتها حرارة الجرح، لا برودة التشريع.

والأكثر أهمية أن القصيدة نفسها تقوّض منطق التعويض بالدم عندما تسأل عن إمكان مساواة رأس برأس. فإذا لم يكن القتيل قابلًا للاستبدال، فإن قتل شخص آخر لن يعيده. وما تطالب به القصيدة في جوهرها هو ألّا يُغلق ملف الجريمة قبل استعادة معنى العدالة. ويمكن، إذن، قراءة "لا تصالح" على مستويين: المستوى الأول هو المستوى الحكائي الذي يطالب فيه كليب أخاه بالثأر. أما المستوى الثاني، وهو الأوسع والأبقى، فيرفض مصالحة تفصل السلام عن الحق. وإذا كانت القراءة الحرفية قد تقود إلى دورة لا تنتهي من الدم، فإن القراءة الرمزية تجعل القصيدة دفاعًا عن سلام جدير باسمه: سلام لا يكافئ الغدر، ولا يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، ولا يطلب من الضعيف وحده تقديم التنازلات.



من الأخ الفرد إلى الجماعة العربية

يتسع المخاطَب تدريجيًا حتى لا يعود الزير سالم وحده. فالإشارة إلى "عار العرب" تخرج بالوصية من العائلة إلى المجال القومي. يصبح الأخ صورة للجماعة التي ورثت دماء قتلاها وأصبحت مطالبة باتخاذ موقف منها. وهذا الانتقال هو الذي سمح للقصيدة بأن تتحول إلى نص مقاومة. لقد رأى القارئ في كليب صورة الشهيد، وفي اليمامة صورة الأجيال التي دفعت ثمن الهزيمة، وفي الذهب والمُلك صورة الامتيازات التي قد تُعرض على من يملك قرار التنازل.

لكن القصيدة لا تخاطب الحاكم وحده. إنها تخاطب كل فرد يمكن أن يسهم في صناعة النسيان: المثقف الذي يجمّل الهزيمة، والمؤرخ الذي يحذف الضحايا، والوسيط الذي يضغط على الطرف الأضعف، والمواطن الذي يقبل الطمأنينة المؤقتة ولو قامت على ظلم بعيد عنه. ولهذا بقيت العبارة قابلة للانتقال من سياق إلى آخر. إنها ليست برنامجًا سياسيًا محدد البنود، وإنما معيار أخلاقي يسأل كل مصالحة: هل أعادت الحق، أم اكتفت بتغيير اسم الهزيمة؟



بناء درامي لا خطاب سياسي مباشر

على الرغم من وضوح الموقف، لا تسقط القصيدة في المباشرة النثرية، لأنها لا تكتفي بإعلان الرأي. إنها تبني عالمًا من الشخصيات والأصوات والصور والحركات. نرى الأخوين طفلين، ونرى الأم، والطفلة فوق رماد العش، والملك يصعد إلى عرشه، والأيدي تمتد للمصافحة، والسكين تختبئ، والعرّافين يقرأون المستقبل. وهذا الطابع البصري يجعل القارئ يشاهد المأساة بدل أن يتلقى تعليقًا عليها. وكل حجة سياسية تتحول إلى صورة: شراء الموقف يصبح ذهبًا، وتشويه الحقيقة يصبح جوهرتين بدل العينين، والسلطة تصبح تاجًا فوق جثة، والنسيان يصبح ثوبًا فاخرًا يُلبس فوق الدم.

كما يعتمد دنقل على الأسئلة أكثر من اعتماده على الأحكام التقريرية. والسؤال هنا لا ينتظر جوابًا، بل يضع المخاطَب في مواجهة ضميره. حين يسأل القتيل أخاه عن عينيه وقلبه ويده وطفلته، فإنه يحاصره أخلاقيًا ويمنعه من الاختباء وراء المفاهيم العامة.

ويؤدي التنقل بين الجمل القصيرة والمقاطع السردية الطويلة إلى صنع إيقاع نفسي متوتر. تأتي اللازمة حادة وقاطعة، ثم تنفتح القصيدة على ذكرى أو مشهد، ثم تعود اللازمة كأنها الحكم الذي انتهت إليه الذاكرة بعد عرض أدلتها.



لغة بسيطة تحمل توترًا عميقًا

من أهم أسباب انتشار القصيدة أن لغتها تبدو قريبة وسهلة، مع احتفاظها بثراء رمزي كبير. لم يلجأ دنقل إلى غموض أسطوري مغلق، بل استخدم عناصر محسوسة: الذهب، والعينان، والثوب، والسيف، واليد، والتاج، والطفلة، والعش، والرماد. وهي مفردات تنتمي إلى الحياة اليومية وإلى الذاكرة الشعبية في آن واحد، ولذلك يستطيع القارئ أن يفهم المشهد قبل أن يتأمل أبعاده. غير أن بساطة المفردة لا تعني بساطة الدلالة؛ فكل شيء في القصيدة يدخل في صراع بين الظاهر والحقيقة. الجوهرة جميلة لكنها لا ترى، والثوب مطرز لكنه يستر الدم، والتاج لامع لكنه يقوم فوق جثة، والمصافحة علامة سلام لكنها قد تخفي الغدر.

ويظهر التضاد بوصفه أداة بنائية رئيسية: الدم والماء، الأخ والغريب، الذهب والحياة، العرس والحداد، العش والرماد، المصافحة والطعنة، التاج والجثة، السلام والعار. ومن خلال هذه الثنائيات يمنع الشاعر القارئ من قبول الصورة الظاهرة قبل اختبار باطنها.



تكرار "لا" وصناعة إيقاع المقاومة

تبدأ اللازمة بأداة نفي، لكن هذا النفي ينتج موقفًا إيجابيًا. فرفض الصلح ليس فراغًا، وإنما دفاع عن الذاكرة والكرامة والعدالة. وكل "لا" تسحب الشرعية من إغراء جديد: لا للذهب، ولا للسلطة، ولا للنسيان، ولا للمساواة الزائفة، ولا للثقة التي لم يثبت استحقاقها. وتكرار العبارة يجعلها شبيهة بالطرق المتواصل على باب الضمير. وإذا كانت اللغة السياسية تقوم غالبًا على التفصيل والمساومة، فإن لغة الوصية تختصر العالم في حد أخلاقي لا يجوز تجاوزه.

لكن التكرار يكشف أيضًا خوف المتكلم؛ فالوصية التي تحتاج إلى أن تتكرر عشر مرات تدل على أن الإغراء قوي، وأن ذاكرة الأحياء قابلة للضعف. إذن كليب لا يكرر لأنه واثق تمامًا من أخيه، بل لأنه يعرف أن الزمن والسلطة والخوف يمكن أن تغير المواقف. ولذلك يحمل التكرار قوة الأمر وقلق الرجاء في الوقت نفسه.



الذاكرة في مواجهة الزمن

لا يظهر الزمن في القصيدة عاملًا بريئًا. فهو قد يخفف الحزن، لكنه يستطيع أيضًا أن يطمس الحقيقة. وقد يتعب أصحاب الحق، ويكبر الأطفال، ويأتي حكام جدد، وتُستبدل أسماء الأشياء، حتى تبدو الجريمة القديمة عبئًا على الحاضر. لهذا تقاوم القصيدة الزمن بالصور. فبدل أن تترك القتيل رقمًا في سجل، تعيده أخًا وأبًا وفارسًا، وتعيد طفلته إلى مركز المشهد. إن الذاكرة التي يدافع عنها دنقل ليست حفظ التواريخ فقط، بل حفظ الوجوه والعلاقات والآثار الإنسانية.

غير أن الذاكرة المطلوبة ليست دعوة إلى الإقامة الأبدية داخل الجرح. إنها شرط لعدم تكراره. فالنسيان الذي يسبق العدالة يهيئ المجال للجريمة المقبلة، أما التذكر الذي يفضي إلى معرفة الحقيقة ورد الحقوق فيمكن أن يصبح أساسًا لمصالحة ناضجة.



لماذا ما تزال القصيدة حاضرة؟

بقيت "لا تصالح" حيّة لأن العالم العربي لم يحسم الأسئلة التي طرحتها. ما زال الناس يرون اتفاقات تُعقد من فوقهم، وضحايا يُطلب منهم الصمت باسم الاستقرار، وحقوقًا تتحول إلى أرقام، ومصافحات إعلامية لا تغير واقع القوة. كما بقيت لأنها لا تعتمد على أسماء سياسية مباشرة سرعان ما يطويها الزمن. وقد اختار دنقل كليب والمهلهل واليمامة وجساس، فحرر القصيدة من الخبر العابر ومنحها قابلية مستمرة للتأويل. يستطيع كل جيل أن يرى جرحه في هذه الشخصيات من دون أن تفقد الحكاية أصلها.

وساعدت موسيقى النص ووضوح لازمته وقابليتها للهتاف على انتقال القصيدة من الكتب إلى الذاكرة العامة. لكن شهرة العبارة تنطوي على خطر اختزال النص فيها؛ فـ"لا تصالح" ليست أمرًا مطلقًا برفض كل تسوية، بل نتيجة لشروط رسمتها المقاطع العشرة: وجود دم لم يُنصف، وغدر لم يُعترف به، وحق يراد شراؤه، وامتياز يعرض على من يتنازل، وخطر باقٍ خلف المصافحة.



بين السلام والاستسلام

تكمن القيمة الأعمق للقصيدة في التمييز الضمني بين السلام والاستسلام؛ فالسلام الحقيقي لا يقوم على محو ذاكرة الضحية، بل يجعل الاعتراف بها أحد شروطه، ولا يطلب من الأحياء أن يتعاملوا مع دم المقتول كما لو كان ماءً، كي يتبادلوا الابتسامات فوق جرح لم يندمل. أما الاستسلام فيتخذ أحيانًا هيئة السلام: مؤتمرات، ومصافحات، وثياب فاخرة، ووعود بمستقبل مزدهر. إلا أن الصورة الخارجية لا تكفي إذا ظل الظلم في أساس العلاقة. ومن هنا تأتي حساسية دنقل تجاه الكلمات الجميلة عندما تنفصل عن الحقائق.

ومع ذلك، لا تمنحنا القصيدة وصفة سياسية كاملة. إنها نصّ شعريّ لا اتفاقية قانونية، ومهمتها أن تحرس القيمة التي قد تسقط من حسابات السياسيين حيث تستطيع السياسة أن تبحث عن الممكن، لكن الشعر يذكّرها بما لا ينبغي التضحية به أثناء هذا البحث. وبهذا المعنى لا يقول دنقل إن الحرب فضيلة، بل يقول إن غياب الحرب وحده لا يصنع العدالة. وقد يسكت السلاح بينما تستمر الإهانة، وقد تُوقَّع المعاهدات بينما يبقى الجرح مفتوحًا، فالسلام الذي يستحق اسمه هو الذي يمنع تكرار الدم، لا الذي يغير وصفه في البيانات الرسمية.



خاتمة: الوصية التي تحرس حق الضحية في الكلام

في "لا تصالح" منح أمل دنقل المقتول فرصة أن يكتب شروطه قبل أن يستولي الأحياء على روايته. ولذلك تبدو القصيدة مقاومة لمحاولتين متلازمتين: قتل الإنسان أولًا، ثم قتل معنى موته ثانيًا. فالوصايا العشر ليست تكرارًا للرفض، بل درجات في بناء حجة أخلاقية تبدأ بما لا يشتريه الذهب، وتمر بخصوصية الإنسان وحق الطفلة وخداع السلطة وذاكرة الغدر، وتنتهي بتثبيت العبارة التي حملت القصيدة إلى أجيال متعاقبة.

ولعل السؤال الذي تتركه القصيدة مفتوحًا ليس: هل نصالح أم لا نصالح؟ بل: متى يكون الصلح عدلًا، ومتى يصبح مشاركة متأخرة في الجريمة؟ فحين يعيد الصلح الحقوق، ويعترف بالضحايا، ويزيل أسباب العدوان، ويمنع تكراره، يمكن أن يكون شجاعة. أما حين يُستخدم لشراء الذاكرة، أو تتويج من يتنازل عن دم غيره، أو منح الغدر وقتًا كي يستعيد قوته، فإن رفضه لا يكون عشقًا للحرب، بل دفاعًا عن المعنى الإنساني للسلام.

ولهذا لم تعد "لا تصالح" مجرد وصية كليب للزير سالم. لقد أصبحت وصية المقتول لمن بقي حيًا: لا تجعل دمي سلعة، ولا تستخدم اسمي لتبرير دم جديد، ولا تسمِّ النسيان سلامًا، ولا تقبل مصالحة لا ينهض في أساسها العدل


اقرأ قصيدة "لا تصالح" على موقع الديوان، انقر هنا 




لا تصالح

(1)
لا تصالحْ! ولو منحوك الذهب أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى..؟ هي أشياء لا تُشترى: ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك، حسُّكما فجأةً بالرجولةِ، هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ، الصمتُ مبتسمين لتأنيب أمكما.. وكأنكما ما تزالان طفلين! تلك الطمأنينة الأبدية بينكما: أنَّ سيفانِ سيفَكَ.. صوتانِ صوتَكَ أنك إن متَّ: للبيت ربٌّ وللطفل أبْ هل يصير دمي بين عينيك ماءً؟ أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء.. تلبس فوق دمائي ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟ إنها الحربُ! قد تثقل القلبَ.. لكن خلفك عار العرب لا تصالحْ.. ولا تتوخَّ الهرب!
(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم! لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟ أقلب الغريب كقلب أخيك؟! أعيناه عينا أخيك؟! وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك بيدٍ سيفها أثْكَلك؟ سيقولون: جئناك كي تحقن الدم.. جئناك. كن يا أمير الحكم سيقولون: ها نحن أبناء عم. قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك واغرس السيفَ في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم إنني كنت لك فارسًا، وأخًا، وأبًا، ومَلِك!
(3)
لا تصالح.. ولو حرمتك الرقاد صرخاتُ الندامة وتذكَّر.. (إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة) أن بنتَ أخيك "اليمامة" زهرةٌ تتسربل في سنوات الصبا بثياب الحداد كنتُ، إن عدتُ: تعدو على دَرَجِ القصر، تمسك ساقيَّ عند نزولي.. فأرفعها وهي ضاحكةٌ فوق ظهر الجواد ها هي الآن.. صامتةٌ حرمتها يدُ الغدر: من كلمات أبيها، ارتداءِ الثياب الجديدةِ من أن يكون لها ذات يوم أخٌ! من أبٍ يتبسَّم في عرسها.. وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها.. وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه، لينالوا الهدايا.. ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ) ويشدُّوا العمامة.. لا تصالح! فما ذنب تلك اليمامة لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً، وهي تجلس فوق الرماد؟!
(4)
لا تصالح ولو توَّجوك بتاج الإمارة كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟ وكيف تصير المليكَ.. على أوجهِ البهجة المستعارة؟ كيف تنظر في يد من صافحوك.. فلا تبصر الدم.. في كل كف؟ إن سهمًا أتاني من الخلف.. سوف يجيئك من ألف خلف فالدم الآن صار وسامًا وشارة لا تصالح، ولو توَّجوك بتاج الإمارة إن عرشَك: سيفٌ وسيفك: زيفٌ إذا لم تزنْ بذؤابته لحظاتِ الشرف واستطبت الترف
(5)
لا تصالح ولو قال من مال عند الصدامْ ".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.." عندما يملأ الحق قلبك: تندلع النار إن تتنفَّسْ ولسانُ الخيانة يخرس لا تصالح ولو قيل ما قيل من كلمات السلام كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟ كيف تنظر في عيني امرأة.. أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟ كيف تصبح فارسها في الغرام؟ كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام وهو يكبر بين يديك بقلب مُنكَّس؟ لا تصالح ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام وارْوِ قلبك بالدم.. واروِ التراب المقدَّس.. واروِ أسلافَكَ الراقدين.. إلى أن تردَّ عليك العظام!
(6)
لا تصالح ولو ناشدتك القبيلة باسم حزن "الجليلة" أن تسوق الدهاءَ وتُبدي لمن قصدوك القبول سيقولون: ها أنت تطلب ثأرًا يطول فخذ الآن ما تستطيع: قليلاً من الحق.. في هذه السنوات القليلة إنه ليس ثأرك وحدك، لكنه ثأر جيلٍ فجيل وغدًا.. سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً، يوقد النار شاملةً، يطلب الثأرَ، يستولد الحقَّ، من أَضْلُع المستحيل لا تصالح ولو قيل إن التصالح حيلة إنه الثأرُ تبهتُ شعلته في الضلوع.. إذا ما توالت عليها الفصول.. ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس) فوق الجباهِ الذليلة!
(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم ورمى لك كهَّانُها بالنبأ.. كنت أغفر لو أنني متُّ.. ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ. لم أكن غازيًا، لم أكن أتسلل قرب مضاربهم لم أمد يدًا لثمار الكروم لم أمد يدًا لثمار الكروم أرض بستانِهم لم أطأ لم يصح قاتلي بي: "انتبه"! كان يمشي معي.. ثم صافحني.. ثم سار قليلاً ولكنه في الغصون اختبأ! فجأةً: ثقبتني قشعريرة بين ضلعين.. واهتزَّ قلبي كفقاعة وانفثأ! وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ فرأيتُ: ابن عمي الزنيم واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم لم يكن في يدي حربةٌ أو سلاح قديم، لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ.. إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة: النجوم.. لميقاتها والطيور.. لأصواتها والرمال.. لذراتها والقتيل لطفلته الناظرة كل شيء تحطم في لحظة عابرة: الصبا بهجةُ الأهل صوتُ الحصان التعرفُ بالضيف همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة والذي اغتالني: ليس ربًا.. ليقتلني بمشيئته ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة لا تصالحْ فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ.. (في شرف القلب) لا تُنتقَصْ والذي اغتالني مَحضُ لصْ سرق الأرض من بين عينيَّ والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
(9)
لا تصالح ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ والرجال التي ملأتها الشروخ هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ لا تصالح فليس سوى أن تريد أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد وسواك.. المسوخ!
(10)
لا تصالحْ لا تصالحْ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق