عشرة أبواب للدخول إلى الرواية العربية لا عشرة مقاعد على منصة التتويج
إذا أراد قارئ أن يتعرّف إلى الرواية العربية من خلال عشرة أعمال فقط، فماذا نضع أمامه؟ هل نختار الكتب الأكثر شهرة، أم الأكثر مبيعًا، أم الحاصلة على الجوائز، أم تلك التي غيرت طريقة الرواية في النظر إلى الإنسان والمجتمع والتاريخ؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية في أي قائمة تحمل عبارة "أفضل الروايات العربية". فالأدب لا يملك ساعة توقيت، ولا توجد معادلة تستطيع أن تثبت أن رواية ما تحتل المرتبة الرابعة وأخرى تستحق السابعة.
لذلك فالإجابة المبكرة هي هذه: الروايات العشر المختارة هنا ليست ترتيبًا نهائيًا للأدب العربي، وإنما عشرة مداخل واسعة إليه. اختيرت لأنها، حين توضع إلى جوار بعضها، تكشف كيف انتقلت الرواية العربية من البيت والمدينة والأسرة إلى الاستعمار والمنفى، ومن الثورة إلى خيبة ما بعد الثورة، ومن النفط والتحول الاجتماعي إلى سؤال الهوية والهجرة والحرب والذاكرة. بعضها قديم نسبيًا وبعضها معاصر، وبعضها صار جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية قبل أن تصل الجوائز العالمية إلى المنطقة أصلًا.
وبهذا المعنى، فإن سؤال "ما أفضل عشر روايات عربية؟" يصبح أكثر فائدة عندما نعيد صياغته: ما الروايات التي يخرج قارئها وهو يعرف عن إمكانات الرواية العربية أكثر مما كان يعرف قبلها؟
كيف اختيرت هذه الروايات؟
لم يكن المعيار الشهرة وحدها. فالشهرة قد تصنعها المدرسة أو السينما أو الجائزة أو الضجة الإعلامية. ولم يكن المعيار أن تمثل كل دولة عربية برواية، لأن الأدب لا يتحول إلى جدول حصص جغرافية. ما رجّح عملًا على آخر هو اجتماع عدة أشياء فيه: أثره في مسار الرواية العربية، وخصوصية بنائه أو لغته، وقدرته على تجاوز اللحظة التي كُتب فيها، وإضافته سؤالًا لا مجرد موضوع.
لهذا ستغيب أعمال كبيرة كان يمكن بسهولة أن تكون في قائمة أخرى: "أولاد حارتنا"، و"الحرافيش"، و"شرق المتوسط"، و"الطلياني"، و"مصائر"، وعشرات غيرها. غيابها لا يعني حكمًا عليها، بل يعني أن القائمة الحالية تحاول أن ترسم خريطة قابلة للقراءة، لا موسوعة متنكرة في هيئة قائمة قصيرة.
في "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" لا يحتاج نجيب محفوظ إلى وزير أو قائد عسكري كي يروي تحولات مصر في النصف الأول من القرن العشرين. يكفيه بيت السيد أحمد عبد الجواد. الأب الذي يفرض سلطته الصارمة داخل المنزل ويمنح نفسه خارجه حرية لا يسمح بها لأحد يصبح مركزًا لنظام كامل من الطاعة والخوف والرغبة والازدواج.
قوة الثلاثية ليست في أنها "توثق القاهرة القديمة"، على الرغم من قيمة تفاصيل المكان، بل في قدرتها على جعل التاريخ يمر عبر أجساد أشخاص عاديين. الثورة تدخل البيت لأن فهماً يخرج إلى الشارع. تغير الأفكار يظهر في أبناء الأسرة وأحفادها. والسلطة الأبوية التي تبدو في البداية راسخة كالجدار تبدأ بالتشقق مع تغير المجتمع نفسه.
لهذا تستحق الثلاثية القراءة اليوم. إنها تعلم القارئ أن الرواية التاريخية العظيمة لا تحتاج إلى أن تشرح التاريخ باستمرار؛ يكفي أن تجعلنا نرى كيف يغير التاريخ طريقة الحب والزواج والخوف والكلام داخل أسرة واحدة. ولمن يريد التوسع في شخصية الأب تحديدًا، نشر "الورّاق الجزائري" قراءة مستقلة تسأل هل كان السيد أحمد عبد الجواد شخصية حقيقية؟.
كُتبت روايات كثيرة عن الأوروبي الذي يذهب إلى الشرق أو أفريقيا فيراهما فضاءً للغرابة والمغامرة. قلب الطيب صالح الاتجاه. في "موسم الهجرة إلى الشمال" يعود الراوي السوداني من أوروبا إلى قريته على النيل، ليجد أمامه مصطفى سعيد، الرجل الذي ذهب هو الآخر إلى بريطانيا، لكنه عاد محملًا بتاريخ أكثر ظلمة واضطرابًا.
الرواية ليست مناظرة بسيطة بين شرق جيد وغرب سيئ، ولا قصة انتقام رمزي من الاستعمار. مصطفى سعيد نفسه شخصية ينبغي الحذر من الوقوع تحت سحر بلاغتها. إنه يحول الصور الاستشراقية التي صنعها الغرب عن الشرقي إلى أسلحة يستخدمها في علاقاته، لكنه لا يخرج من اللعبة منتصرًا. ما يفعله الاستعمار بالخيال والرغبة والهوية أكثر تعقيدًا من أن يعالج بانقلاب الأدوار.
ورغم قصر الرواية، فإنها تضع قارئها في منطقة غير مريحة بين ثقافتين، حيث لا تكون العودة إلى الأصل حلًا سحريًا ولا يكون الذهاب إلى أوروبا خلاصًا. ولذلك بقيت من أكثر الأعمال العربية حضورًا في النقاش حول ما بعد الاستعمار: لأنها لا تسأل فقط كيف ينظر الغرب إلى العربي والأفريقي، بل كيف يمكن للمقهور أن يحمل صورة المستعمر في داخله حتى وهو يقاومه.
ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت مختبئين داخل خزان شاحنة. هذه الجملة يمكن أن تختصر الحدث، لكنها لا تختصر الرواية. كنفاني يجعل الرحلة القصيرة تتسع لثلاثة أجيال من الخسارة: رجل فقد الأرض والاستقرار، وشاب فقد الطريق إلى المستقبل، وفتى يكاد يدخل الحياة وهو يحمل عبء أسرة أكبر منه.
الحر في الخزان ليس مجرد ظرف درامي. إنه يحوّل المسافة الجغرافية بين البصرة والكويت إلى اختبار للوجود نفسه. الرجال لا يسافرون بحثًا عن مغامرة؛ إنهم يحاولون شراء حق بسيط في الاستمرار. ومع ذلك فإن العالم الذي يتحركون خلاله يجعل النجاة نفسها عملية سرية.
أما السؤال الشهير الذي تنتهي إليه الرواية ـ لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ ـ فقد عاش أطول من كثير من تفاصيل الحبكة، لأنه نقل النص من حادثة خاصة إلى مساءلة سياسية وإنسانية عن الصمت والعجز والانتظار. لكن اختزال الرواية إلى شعار عن "ضرورة الصراخ" يظلمها أيضًا؛ فالرجل المحاصر داخل بنية أكبر منه لا يملك دائمًا الحرية التي يتخيلها القارئ الواقف خارج الخزان. ولهذا خصص الموقع قراءة مستقلة لـمعنى النهاية وسؤال جدران الخزان في "رجال في الشمس".
لو أراد قارئ أن يفهم كيف يمكن للتحول الاقتصادي أن يصبح مادة روائية، فإن "مدن الملح" من أهم الأمثلة العربية. تبدأ الرواية الأولى من الخماسية في واحة تتغير حين يصل النفط، لكن منيف لا يكتب تقريرًا اقتصاديًا عن البترول. ما يهمه هو اللحظة التي يدخل فيها عالم جديد إلى مكان قديم، فتتغير علاقة الناس بالأرض والعمل والسلطة والزمن.
الجرافة في الرواية ليست آلة فحسب. إنها إعلان عن أن المكان الذي عاش أهله وفق إيقاع معين يمكن أن يُعاد تصميمه وفق مصالح وقوى لا يملكونها. تنشأ المدن سريعًا، تتغير أنماط العمل، تظهر علاقات جديدة بين السكان والسلطة والقادمين من الخارج، ويصبح التقدم كلمة ملتبسة: فهناك طرق ومنشآت وثروة، لكن هناك أيضًا اقتلاع وفقدان لطرائق كاملة من الحياة.
ومن أهم ما يفعله منيف أنه يتجنب صناعة بطل فردي يبتلع العالم الروائي. المجتمع نفسه يتحول إلى بطل متشظٍ. نسمع أصواتًا متعددة ونشاهد أثر التحول في جماعات وشخصيات كثيرة. لذلك لا تقرأ "مدن الملح" باعتبارها رواية عن النفط فقط، بل بوصفها سؤالًا عن الثمن الإنساني حين يتغير المجتمع أسرع من قدرته على فهم ما يحدث له.
من السهل قراءة "ذاكرة الجسد" كرواية حب بين خالد وحياة، لكن العلاقة العاطفية فيها مبنية فوق طبقات أخرى من الفقد. خالد مقاتل سابق فقد ذراعه في حرب التحرير الجزائرية ثم صار رسامًا، وحياة ابنة رفيق قديم من رفاق الثورة. لذلك فإن المرأة والوطن والمدينة والذاكرة تدخل في النص من الأبواب نفسها تقريبًا.
القضية الأعمق ليست أن بطلاً يحب امرأة لا يستطيع امتلاكها. خالد ينظر إلى حاضر الجزائر بعين رجل دفع جزءًا من جسده ثمنًا لفكرة وطنية كبرى، ثم وجد نفسه أمام واقع لا يطابق تمامًا صورة الثورة التي حملها في شبابه. الجسد الناقص يصبح هنا ذاكرة مادية لا يمكن محوها، بينما تتحول قسنطينة بجسورها إلى فضاء يجمع بين الوصل والانفصال.
وأهمية الرواية كذلك في حضور اللغة بقوة. فهي لا تكتفي بأن تروي ما حدث، بل تجعل الجملة نفسها جزءًا من التجربة العاطفية والسياسية. وقد يكون هذا أحد أسباب انقسام القراء حولها: هناك من يرى لغتها كثيفة وآسرة، ومن يشعر أحيانًا أن البلاغة تتقدم على الحدث. وفي الحالتين يصعب إنكار أن "ذاكرة الجسد" تركت أثرًا واضحًا في الذائقة الروائية العربية. ويمكن قراءة تحليل أوسع في الموقع حول الحب والوطن وصدمة ما بعد الثورة في "ذاكرة الجسد".
في "باب الشمس" يجلس خليل إلى جوار يونس الغائب في الغيبوبة ويحكي له. يبدو السرد محاولة لإيقاظ رجل، لكنه يتحول بالتدريج إلى محاولة لإنقاذ عالم كامل من الاختفاء. الحكايات تتوالد من الحكايات: قرى، عائلات، حب، عبور للحدود، موت، مخيمات، هزائم وذكريات لا تتفق دائمًا مع بعضها.
وهنا تكمن خصوصية الرواية. الذاكرة ليست أرشيفًا مرتبًا يسحب منه الراوي الوقائع عند الحاجة، بل شيء حي يتغير مع من يرويه. لذلك لا يقدم إلياس خوري التاريخ الفلسطيني في خط مستقيم، ولا يحول الناس إلى تماثيل بطولية. الخوف والرغبة والتردد والحب والأخطاء تعيش إلى جانب المأساة السياسية.
صدرت الرواية بالعربية سنة 1998، لكنها تتعامل مع النكبة وما بعدها من خلال عشرات الحيوات الصغيرة لا من خلال بيان تاريخي واحد. وهذا هو سبب ضرورتها: إنها تذكر القارئ بأن المأساة الجماعية لا تتكون من الأرقام وحدها. وراء كل رقم بيت، ولهجة، وحكاية زواج، واسم أم، وطريق كان شخص ما يعرف كيف يعود عبره إلى قريته.
تأخذنا "عزازيل" إلى القرن الخامس الميلادي، زمن الصراعات اللاهوتية والتحولات الدينية في الإسكندرية ومناطق من مصر وبلاد الشام، لكنها لا تتعامل مع التاريخ بوصفه خلفية زخرفية لرواية مغامرات. مركزها الحقيقي هو الراهب هيبا: إنسان يحاول أن يفهم إيمانه وجسده وخوفه وذنبه، فيما يسمع صوت عزازيل الذي يلح عليه بالكتابة والمواجهة.
ميزة الرواية أنها تجعل القارئ قريبًا من الاضطراب الداخلي للشخصية بدل أن تمنحه منصة مرتفعة يحكم منها على الماضي. التاريخ هنا لا يصل إلينا مكتملًا؛ يصل عبر اعترافات شخص محدود المعرفة، متردد، خائف، ومشارك في بعض ما يحاول تفسيره. ولهذا يجب عدم الخلط بين صوت هيبا وصوت المؤلف، أو التعامل مع الرواية بوصفها كتابًا في تاريخ العقائد.
فوز "عزازيل" بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2009 زاد انتشارها، لكن الجائزة ليست السبب الذي يجعلها جديرة بالقراءة. قيمتها الأعمق في أنها تستخدم الرواية التاريخية كي تسأل عن الإنسان عندما يجد نفسه بين المؤسسة والضمير، وبين الاعتقاد والرغبة، وبين ما يجب أن يقوله وما يخشى حتى أن يعترف به لنفسه.
يحمل عيسى، أو هوزيه، أبًا كويتيًا وأمًا فلبينية، لكنه يكتشف أن النسب القانوني أو البيولوجي لا يمنح الإنسان تلقائيًا الشعور بالانتماء. في الفلبين ينظر نحو الكويت بوصفها مكانًا يمكن أن يكتمل فيه الجزء الغائب من هويته. وعندما يصل إليها يكتشف أن الوطن الذي صنعه الخيال أكثر رحابة من الوطن الذي تسمح به العلاقات الاجتماعية.
عنوان الرواية نفسه ذكي: ساق البامبو تستطيع أن تنمو في أرض مختلفة إذا زُرعت فيها، لكن الإنسان ليس نباتًا يمكن نقله من تربة إلى أخرى من دون ذاكرة أو اسم أو طبقة اجتماعية أو نظرة الآخرين. المجتمع يشارك في صناعة الهوية، وأحيانًا يرفض الإنسان حتى حين تقول الوثائق إنه ينتمي إليه.
فازت الرواية بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2013، لكنها تظل مهمة خارج سياق الجوائز لأنها أدخلت إلى قلب الرواية الخليجية أسئلة العمالة المنزلية والاختلاط الطبقي والعرقي والهوية العابرة للبلدان من خلال شخصية لا تستطيع أن تستقر بسهولة في التصنيف الذي يريده منها الآخرون. وقد تناول "الورّاق الجزائري" هذه المسألة بالتفصيل في قراءة لماذا لم يجد عيسى وطنًا في الكويت أو الفلبين؟.
في بغداد سنة 2005 يجمع هادي العتاك بقايا أجساد ضحايا التفجيرات ويخيطها في جسد واحد. الفكرة يمكن أن تبدو في البداية لعبة غرائبية تستعير أثر رواية "فرانكشتاين" لماري شيلي، لكنها تتحول سريعًا إلى واحدة من أكثر الصور قسوة لفوضى العنف: جسد لا ينتمي إلى ضحية واحدة، لأن المدينة نفسها لم تعد قادرة على فصل موتاها بعضهم عن بعض.
ثم تبدأ المفارقة الأخلاقية. المخلوق الذي يفترض أن يطالب بالعدالة للضحايا يحتاج إلى أجزاء جديدة كلما تآكل جسده. وهكذا تتحرك الحدود بين الضحية والقاتل. الانتقام الذي بدأ باسم العدالة يصبح بحاجة إلى عنف جديد كي يستمر.
فازت "فرانكشتاين في بغداد" بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2014. غير أن أهميتها تتجاوز براعة فكرتها. فهي تجد شكلًا سرديًا يستطيع التعبير عن مدينة صار الواقع فيها أغرب من الواقعية التقليدية. السخرية والرعب والخرافة والإشاعة والبيروقراطية والعنف تتجاور، لأن بغداد التي تصفها الرواية لم تعد قابلة للفهم من نافذة نوع أدبي واحد.
تدخل "سيدات القمر" إلى المجتمع العماني عبر أسرة وعلاقات زواج وحب وذاكرة تمتد بين أجيال. مايا وأسماء وخولة لسن شخصيات وضعت في الرواية لتقديم "صورة عن المرأة العمانية" بالمعنى التقريري، بل لكل واحدة منهن طريقة مختلفة في التفاوض مع الأسرة والرغبة والواجب والزمن.
وفي الخلفية يتغير المجتمع نفسه. آثار الرق لا تختفي بمجرد تغير القوانين، والعلاقات بين الأجيال تحمل داخلها آثار بنى اجتماعية قديمة حتى وهي تدخل زمنًا جديدًا. لذلك فإن الرواية لا تصنع خطًا بسيطًا يقول إن الماضي تخلف والحاضر تحرر. التغيير أكثر بطئًا والتباسًا، وتبقى الذاكرة داخل البيوت حتى بعد أن تتبدل المؤسسات.
صدرت الرواية عربيًا بعنوان "سيدات القمر" سنة 2010، ثم عُرفت عالميًا في ترجمة مارلين بوث بعنوان "Celestial Bodies"، وفازت في 2019 بالجائزة الدولية للبوكر، لتفتح نافذة واسعة أمام قراء لم تكن الرواية العمانية حاضرة بقوة في خرائط قراءاتهم. ومع ذلك فإن أفضل سبب لقراءتها ليس أنها وصلت إلى جائزة عالمية، بل أنها تثبت أن التحولات التاريخية الكبرى يمكن أن تظهر في تفاصيل الزواج والأمومة والاسم والبيت والصمت أكثر مما تظهر في الخطب.
ماذا تقول هذه الكتب العشرة حين نقرأها معًا؟
لو كانت القائمة مجرد مسابقة في الشهرة لانتهى الأمر عند أسماء المؤلفين والجوائز. لكن وضع هذه الروايات إلى جوار بعضها يكشف شيئًا آخر. في "الثلاثية" يبدأ التغيير من الأسرة والشارع. في "موسم الهجرة إلى الشمال" يصطدم الفرد بتاريخ الاستعمار داخل ذاته. في "رجال في الشمس" يتحول المنفى إلى بحث خطر عن فرصة للعيش. وفي "مدن الملح" يدخل النفط إلى المكان فيعيد تشكيله اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا.
ثم تأتي "ذاكرة الجسد" لتسأل ماذا يبقى من الثورة في جسد من شارك فيها وذاكرته، فيما تحوّل "باب الشمس" التاريخ الفلسطيني إلى شبكة من الحكايات التي تقاوم الاختفاء. وفي "عزازيل" يعود السرد بعيدًا في الزمن ليكشف أن صراع الإنسان مع المؤسسة والاعتقاد والجسد ليس سؤالًا حديثًا فقط.
أما "ساق البامبو" فتنقل سؤال الوطن من الحدود السياسية إلى وجه الإنسان واسمه وطبقته وأصل أمه. وتجد "فرانكشتاين في بغداد" في الجسد المركب صورة لمدينة مزقتها الحروب، قبل أن تجعل "سيدات القمر" التحول الاجتماعي يظهر في حياة أسرة عمانية تتغير معها العلاقات بين الرجال والنساء والأجيال.
هذه الروايات لا تقول الشيء نفسه، وهذا تحديدًا ما يجعل جمعها مفيدًا. الرواية العربية ليست موضوعًا واحدًا اسمه الهوية، ولا سلسلة كتب تشرح تاريخ المنطقة للأجانب. إنها أشكال مختلفة لرؤية الإنسان وهو يحاول أن يعيش داخل الأسرة والمدينة والدولة والحرب والذاكرة والحب والدين والطبقة. وحين تنجح الرواية لا يعود المكان المحلي حاجزًا بينها وبين القارئ؛ يصبح الطريق الذي تصل من خلاله إلى تجربة أكثر اتساعًا.
هل هذه فعلًا "أفضل" عشر روايات عربية؟
يمكن الدفاع عن كل اسم في القائمة، لكن لا يمكن إثبات القائمة كما تثبت نتيجة حسابية. قارئ آخر قد يضع "أولاد حارتنا" بدل جزء من الثلاثية، أو يختار "شرق المتوسط" لمنيف بدل "مدن الملح"، أو يمنح إبراهيم الكوني أو هدى بركات أو رضوى عاشور أو إبراهيم نصر الله أو صنع الله إبراهيم مكانًا هنا. ولن يكون ذلك خطأ.
بل إن تعدد القوائم علامة صحة. الأدب الذي يمكن اختصاره نهائيًا إلى عشرة كتب أدب فقير، والرواية العربية أكبر من ذلك بكثير. فالقائمة الجيدة ليست التي تغلق الباب وتقول إن هذه الأعمال هي القانون، بل التي تجعل القارئ يخرج منها إلى كتب أخرى.
ولهذا يمكن قراءة هذه الأعمال العشرة باعتبارها بداية لمسار لا نهايته. من محفوظ يمكن الذهاب إلى "اللص والكلاب" و"أولاد حارتنا". ومن كنفاني إلى "عائد إلى حيفا". ومن منيف إلى "شرق المتوسط". ومن إلياس خوري إلى روايات أخرى تعيد مساءلة الذاكرة والحرب. ومن الجيل الأحدث يمكن الانتقال إلى عشرات التجارب التي وسعت جغرافيا الرواية العربية وأصواتها وأساليبها.
وعندها تتغير صيغة السؤال. لا يعود الهدف أن نعرف أي رواية تحتل المرتبة الأولى، بل أن نعرف أي كتاب سيغير بعد قراءته طريقة نظرنا إلى ما يمكن أن تفعله الرواية.
ولو كان عليك أن تضيف رواية عربية واحدة فقط إلى هذه القائمة، فأي رواية ستختار، وما السبب الذي يجعلها ضرورية؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق