لو اشترينا اليوم كتابًا يحمل عنوان "رباعيات عمر الخيام"، فمن الطبيعي أن نفترض أن القصائد الموجودة بين غلافيه كتبها شاعر واحد اسمه عمر الخيام. هكذا نتعامل عادة مع الدواوين: اسم المؤلف على الغلاف، ثم نصوصه في الداخل. لكن رباعيات الخيام لا تسمح لنا بهذه الطمأنينة. فكلما اقترب الباحث من تاريخ مخطوطاتها، بدا الكتاب الذي نعرفه أقل شبهًا بديوان ألّفه صاحبه، وأكثر شبهًا بنهر حمل عبر القرون أبياتًا من منابع متعددة ثم جرى كله تحت اسم واحد.
لهذا فإن السؤال "هل كتب عمر الخيام فعلًا كل الرباعيات المنسوبة إليه؟" ليس سؤالًا هامشيًا يهم محققي المخطوطات وحدهم. إنه يمس الطريقة التي نصنع بها صورة الكاتب نفسه. فالخيام الذي يعرفه القارئ الحديث رجل يسائل القدر، ويتأمل الموت، ويشك في اليقين، ويستدعي الخمر والربيع واللحظة العابرة. لكن كم مقدار هذا الصوت الذي نستطيع أن ننسبه بثقة إلى الرجل الذي عاش في نيسابور في القرنين الحادي عشر والثاني عشر؟ وكم مقدار ما أضافته إليه أجيال من الشعراء والنساخ والمترجمين والناشرين؟
الجواب المختصر هو: لا، لا يوجد أساس علمي يسمح بأن ننسب إلى عمر الخيام جميع الرباعيات التي تداولتها الكتب باسمه. توجد رباعيات تؤيد المصادر القديمة نسبتها إليه بدرجات متفاوتة، لكن المتن نما مع مرور الزمن، ودخلت فيه قصائد نُسبت أيضًا إلى شعراء آخرين. لذلك لا نملك "ديوان الخيام" بالمعنى المألوف، بل مجموعة متحركة حاول الباحثون طوال أكثر من قرن تحديد نواتها الأقرب إلى الأصل.
المفارقة الأولى: أين كتاب الخيام نفسه؟
عاش عمر الخيام في القرن الخامس الهجري والحادي عشر الميلادي، واشتهر في حياته وبعدها القريبة عالمًا في الرياضيات والفلك والفلسفة. لكننا لا نملك مخطوطًا شعريًا كتبه بيده، ولا نسخة من ديوان جمعه بنفسه، ولا حتى شاهدًا قريبًا من عصره يقول إن الرجل رتّب رباعياته في كتاب معروف وتناقله تلاميذه.
هذه الفجوة هي أصل المشكلة كلها. فالشعر الفارسي المنسوب إلى الخيام يبدأ في الظهور في المصادر على هيئة رباعيات منفردة مقتبسة داخل كتب أخرى. كان مؤلف يورد بيتًا أو رباعية لتأييد فكرة، أو لمناقشتها، أو للاعتراض عليها. أي أن أول حضور للخيام الشاعر لم يكن حضور صاحب ديوان موضوع أمام القارئ، بل حضور اسم تلتصق به أبيات متناثرة.
من أقدم المصادر المعروفة التي تذكر رباعية باسمه نص لفخر الدين الرازي، المتوفى سنة 1210 تقريبًا. وهذا يعني أننا نتحرك بالفعل في زمن لاحق لوفاة الخيام بنحو قرن. ثم نجد نجم الدين الرازي في "مرصاد العباد" يورد أبياتًا منسوبة إليه وينتقد رؤيته، وتأتي بعد ذلك كتب تاريخ ومجاميع أدبية تحفظ مزيدًا من الرباعيات.
هذه الشواهد ثمينة لأنها أقرب زمنيًا إلى الخيام من المخطوطات المتأخرة، لكنها لا تحل القضية نهائيًا. فوجود رباعية تحت اسمه في مصدر قديم يقوي احتمال نسبتها إليه، لكنه لا يحول الاحتمال إلى يقين مطلق. النقل القديم نفسه قد يخطئ، والناس كانوا يتناقلون الشعر شفويًا وكتابيًا، وقد تنتقل الأبيات من اسم إلى آخر قبل أن تصل إلى الناسخ الذي حفظها لنا.
ومع ذلك تكشف هذه المرحلة شيئًا مهمًا: هناك أساس تاريخي حقيقي للخيام الشاعر. القضية ليست أن شخصية العالم عمر الخيام جرى تحويلها بعد قرون إلى شاعر من العدم، بل إن شعرًا كان يُنسب إليه بالفعل في مصادر مبكرة نسبيًا. المعضلة هي حجم هذا الشعر وحدوده، لا وجوده من الأساس.
كلما ابتعدنا عن الخيام زاد عدد رباعياته
هنا تظهر واحدة من أكثر الحقائق إثارة في قصة الرباعيات. فبدل أن تضيق المجموعة كلما تقدم الزمن وفُقدت النصوص، حدث العكس تقريبًا: أخذ عدد الرباعيات المنسوبة إلى الخيام في الازدياد.
تشير الدراسات التي تتبعت المصادر والمخطوطات إلى أن ما كان منسوبًا إليه في أوائل القرن الخامس عشر بلغ نحو مئة وأربعين رباعية. وبعد نحو خمسين عامًا فقط نجد مئات الرباعيات. وفي بعض التجميعات الحديثة التي حاولت حصر كل ما نُسب إليه عبر المصادر وصل العدد إلى أكثر من ألف.
هذه ليست زيادة يمكن تفسيرها باكتشاف دفتر ضائع كان الخيام قد خبأه في نيسابور. الأرجح أننا أمام ظاهرة أدبية معروفة: الاسم الشهير يجذب النصوص إليه. فإذا انتشرت رباعية مجهولة القائل وكان مزاجها قريبًا مما أصبح الناس يعدونه "خيّاميًا"، صار إلحاقها بالخيام أمرًا ممكنًا. ثم ينسخ ناسخ الكتاب عن ناسخ سابق، ويصبح الاسم مع تكراره أكثر رسوخًا، حتى يبدو للقارئ المتأخر أن النسبة القديمة حقيقة لا تحتاج إلى سؤال.
ويزيد الأمر تعقيدًا أن الرباعية شكل شعري قصير مكتفٍ بذاته. القصيدة الطويلة تحمل عادة بنية وتسلسلًا وأساليب داخلية تساعد في التعرف إلى صاحبها. أما الرباعية فهي أربع شطرات تستطيع السفر وحدها. يمكن أن تُقتبس في رسالة، أو تُكتب في هامش، أو تدخل مجموعة مختارات، أو يحفظها شخص وينسى قائلها، ثم تستقر بعد ذلك تحت اسم جديد.
لهذا أطلق الباحث الروسي فالنتين جوكوفسكي في أواخر القرن التاسع عشر على عدد منها فكرة "الرباعيات الجوالة": أبيات تظهر في مصدر باسم الخيام، ثم نجدها في مصدر آخر منسوبة إلى شاعر مختلف. وقد عثر جوكوفسكي على عشرات الأمثلة، ثم ازداد العدد مع أبحاث لاحقة.
والمهم هنا ألا نقلب النتيجة إلى مبالغة مضادة. فإذا وُجدت رباعية منسوبة إلى شاعر آخر فهذا لا يعني آليًا أننا عرفنا صاحبها الحقيقي. فقد تكون النسبة الثانية خاطئة هي الأخرى. التحقيق يستطيع أحيانًا أن يقول بثقة إن النسبة إلى الخيام ضعيفة، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يخبرنا بمن كتب النص فعلًا.
مخطوط بودليان الشهير: قديم، لكنه ليس قريبًا بما يكفي
من أشهر الوثائق في تاريخ الرباعيات المخطوط المحفوظ في مكتبة بودليان بأكسفورد تحت الرقم Ouseley 140. نُسخ في شيراز سنة 1460، وأصبح لاحقًا واحدًا من المصادر التي وصلت منها رباعيات الخيام إلى إدوارد فيتزجيرالد.
سنة 1460 تبدو قديمة جدًا بالنسبة إلينا، لكنها تصبح أقل طمأنة عندما نتذكر أن الخيام توفي في أوائل القرن الثاني عشر. بين الرجل والمخطوط أكثر من ثلاثة قرون. وهذا وحده يوضح لماذا لا يستطيع المحقق أن يتعامل مع كل ما في النسخة بوصفه شهادة مباشرة.
إنها وثيقة مهمة لأنها تخبرنا بما كان يُتداول باسم الخيام في القرن الخامس عشر، لكنها لا تخبرنا وحدها بما كتبه الخيام في القرن الحادي عشر. الفرق بين السؤالين هو جوهر التحقيق كله.
بل إن البحث عن مخطوطات أقدم أدى أحيانًا إلى مفاجآت غير مريحة. فقد ظهرت عبر الزمن نسخ قُدمت باعتبارها شديدة القِدم، وبنى عليها باحثون استنتاجات، ثم اتضح أن بعضها مزور أو أن تاريخه عُدّل ليبدو أقدم مما هو عليه. كأن الشهرة العالمية للرباعيات لم تصنع سوقًا للترجمة والنشر فقط، بل صنعت أيضًا رغبة قوية في العثور على "النسخة الأصلية" حتى حين لا تكون موجودة.
هذه النقطة مهمة لأنها تذكّرنا بأن المخطوط القديم ليس مجرد وعاء بريء. له تاريخ مادي: ورق وخط وحبر وناسخ وتاريخ ملكية، وكل هذه العناصر يجب أن تُفحص قبل أن تتحول الصفحة إلى دليل.
كيف يقرر الباحث أن رباعية ما أقرب إلى الخيام؟
لا توجد آلة ندخل فيها الرباعية فتعطينا نسبة مئوية لصحة نسبتها. لذلك استخدم المحققون مجموعة من القرائن، ولم يتفقوا دائمًا على الوزن الذي ينبغي منحه لكل واحدة منها.
القرينة الأولى هي قِدم المصدر. الرباعية التي تظهر في كتاب من القرن الثالث عشر أقوى من رباعية لا نعرفها إلا من نسخة متأخرة جدًا. لكن القِدم لا يكفي وحده، لأن المصادر القديمة تستطيع أن تنقل خطأ قديمًا أيضًا.
والقرينة الثانية هي تعدد الشواهد المستقلة. فإذا ظهرت الرباعية تحت اسم الخيام في مصادر مختلفة لا يبدو أن أحدها نسخ الآخر مباشرة، تصبح النسبة أكثر قوة. أما إذا كان انتشارها الواسع يعود في النهاية إلى مصدر متأخر واحد، فلا تصنع كثرة النسخ دليلًا مستقلًا.
ثم يأتي الأسلوب. هل تنتمي المفردات والصياغة والوزن والقافية إلى البيئة الشعرية التي عاش فيها الخيام؟ أم أن فيها سمات انتشرت بعد عصره؟ وقد لفت بعض الباحثين إلى أن أنماط القافية القديمة يمكن أن تساعد في التمييز بين طبقات الرباعيات، وإن لم تكن معيارًا معصومًا.
ويأتي أيضًا الموضوع. نجد في النواة التي ينظر إليها الباحثون بجدية تأملًا في تقلب الدهر، وقصر الحياة، وعجز الإنسان أمام لغز الوجود، والشك في الادعاءات التي تمنح الإنسان يقينًا كاملًا بما وراء العالم. لكن الموضوع أخطر المعايير إذا استُعمل وحده. فنجاح الخيام نفسه خلق أسلوبًا "خيّاميًا" يستطيع شعراء آخرون تقليده. وكلما أصبحنا أكثر اقتناعًا بأن الخيام يجب أن يقول شيئًا معينًا، أصبحنا أكثر استعدادًا لقبول كل رباعية تقول هذا الشيء.
هنا تتحول عملية التحقيق إلى دائرة محتملة: نختار رباعيات لأنها تشبه الصورة التي لدينا عن الخيام، ثم نستعمل الرباعيات المختارة لإثبات أن هذه هي صورة الخيام.
لهذا اختلفت نتائج المحققين اختلافًا يصعب تجاهله. هناك من قبل مئات الرباعيات، ومن خفض العدد إلى أقل من مئة، ومن كان أشد تحفظًا من ذلك. صادق هدايت اختار مجموعة تختلف عن اختيار محمد علي فروغي، وعلي دشتي ضيق الدائرة أكثر، كما فعل باحثون آخرون بمعايير متنوعة. لا يعني هذا أن التحقيق فشل، بل يعني أن مادته لا تسمح بذلك النوع من اليقين الذي نجده في ديوان وصلنا بنسخ قريبة من حياة صاحبه.
الخيام التاريخي والخيام الذي صنعته الرباعيات
المشكلة في نسبة النصوص لا تبقى داخل هوامش كتب التحقيق. إنها تغير فهمنا للشخص نفسه.
إذا أخذنا كل رباعية وُضعت تحت اسم الخيام، فسوف نجد أمامنا رجلًا يحمل مواقف متباعدة وربما متناقضة: ساخرًا مرة، وزاهدًا مرة، ومتشككًا مرة، ومتصوفًا مرة، ومادحًا للخمر مرة، ومستخدمًا الخمر رمزًا في موضع آخر. وقد حاول القراء عبر القرون حل هذه التناقضات بطرق شتى. بعضهم جعل الخمر حقيقية، وبعضهم جعلها مجازًا صوفيًا، وبعضهم رأى الخيام ملحدًا، وبعضهم قرأه حكيمًا مؤمنًا يحتج على ضيق الفهم البشري لا على الدين نفسه.
لكن قبل أن نسأل كيف نجمع هذه المواقف في شخصية واحدة، ينبغي أن نسأل سؤالًا أبسط: هل صدرت كلها أصلًا عن شخصية واحدة؟
هذا السؤال لا يلغي القيمة الأدبية للرباعيات المشكوك فيها. فالقصيدة الجميلة لا تصبح رديئة إذا جهلنا اسم صاحبها. لكنه يغير نوع الحقيقة التي ننسبها إليها. يمكننا أن نقول إن رباعية ما تنتمي إلى التقليد الخيّامي أو إلى المزاج الشعري الذي تكوّن حول اسم الخيام، من دون أن نجعلها وثيقة نفسية تكشف لنا ما كان عمر الخيام التاريخي يعتقده في ليلة بعينها.
وهنا تصبح القضية أوسع من التحقيق الببليوغرافي. فالاسم الأدبي يستطيع أن يتحول إلى مركز جاذبية. يبدأ بشاعر حقيقي، ثم تنمو حوله نصوص وصور وتأويلات حتى يصبح "الخيام" الذي في ذاكرة الثقافة أكبر من الرجل الذي عاش في نيسابور. بعض هذا الخيام الثقافي كتبه عمر الخيام، وبعضه كتبه المقلدون، وبعضه صنعه النساخ، وبعضه صنعه المترجمون، وبعضه صنعه القراء أنفسهم.
ثم جاء فيتزجيرالد وصنع كتابًا آخر
لا يمكن فهم صورة الخيام الحديثة من دون إدوارد فيتزجيرالد. ففي سنة 1859 نشر الشاعر والمترجم الإنجليزي الطبعة الأولى من "رباعيات عمر الخيام". لم تحقق نجاحًا فور صدورها، بل كانت بدايتها شديدة التواضع، ثم اكتشفها عدد من الأدباء وبدأ انتشارها حتى أصبحت من أشهر الترجمات الشعرية في الإنجليزية.
غير أن كلمة "ترجمة" هنا تحتاج إلى شيء من الحذر. فيتزجيرالد لم يتعامل مع الرباعيات كما يتعامل المترجم مع رواية ذات فصول متتابعة. الرباعية الفارسية في أصلها نص مستقل؛ يمكن أن تعيش وحدها بلا حاجة إلى ما قبلها وما بعدها. أما فيتزجيرالد فاختار وربط وعدّل، وصنع من الرباعيات المتفرقة مسارًا شعريًا أكثر اتصالًا.
بعض مقاطعه قريب من رباعية فارسية محددة، وبعضها يدمج عناصر من أكثر من رباعية، وبعض الصياغات تحمل بصمة الشاعر الإنجليزي بقوة. ولذلك فإن "عمر" الذي عرفه كثير من قراء الإنجليزية كان إلى حد ما ثمرة لقاء بين الخيام وفيتزجيرالد، لا انعكاسًا شفافًا لمخطوط فارسي.
المفارقة أن هذه النسخة الإنجليزية لم تبق في الغرب. فقد كان لها أثر في إعادة تقديم الخيام إلى القراء العرب في العصر الحديث أيضًا. وبدأ الاهتمام العربي الحديث الواسع بالرباعيات في جانب منه عبر الصدى الذي أحدثته ترجمة فيتزجيرالد، ثم توالت الترجمات العربية من الفارسية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، حتى صارت لدينا صور عربية متعددة للخيام، لا صورة واحدة.
وهكذا تصبح رحلة النص دائرية على نحو لافت: شاعر فارسي من نيسابور، رباعيات تنتقل في المخطوطات قرونًا، ثم يختار منها شاعر إنجليزي في العصر الفيكتوري كتابًا جديدًا، ثم تعود شهرة هذا الكتاب لتؤثر في استقبال الخيام في لغات أخرى، ومنها العربية.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي أن نقرأ ترجمة عربية لرباعية ونستنتج منها مباشرة فلسفة الخيام أو أسلوبه. قبل ذلك هناك سؤالان: أي نص فارسي تقف وراء هذه الترجمة؟ وهل هو أصلًا من الرباعيات التي تقوى نسبتها إلى الخيام؟ ثم يأتي سؤال ثالث: هل ترجمها المترجم من الفارسية، أم عن وسيط إنجليزي أو فرنسي قد يكون أعاد تشكيل النص من قبل؟
هل نستطيع إذن الوصول إلى "الخيام الحقيقي"؟
ربما نستطيع الاقتراب، لكن كلمة "الوصول" أكبر مما تسمح به الأدلة.
لدينا مجموعة من الشواهد المبكرة، ولدينا رباعيات تتكرر تحت اسمه في مصادر قديمة، ولدينا سمات فكرية وشعرية يمكن مقارنتها بعصره. هذه كلها تجعل من المعقول الحديث عن نواة خيامية حقيقية، لا عن أسطورة اخترعت شاعرًا لم يوجد.
لكن الخطأ يبدأ حين ننتقل من وجود هذه النواة إلى الاعتقاد بأن الكتاب الموجود على رف المكتبة اليوم يعيد إلينا ديوانًا مغلقًا رتبه الخيام بنفسه. هذا تحديدًا ما لا تدعمه قصة النص.
بل لعل أجمل ما تكشفه الرباعيات أن مفهوم "المؤلف" في الأدب القديم لم يكن دائمًا بالصلابة التي اعتادها القارئ الحديث. نحن نعيش في ثقافة الكتاب المطبوع، حيث تحمل النسخة رقمًا دوليًا ودار نشر واسم مؤلف وتاريخ إصدار، ويستطيع الباحث مقارنة الطبعات والوصول إلى النسخة المعتمدة. أما النص القصير الذي عاش قرونًا بين الحفظ والنسخ والاختيار، فكانت هويته أكثر سيولة.
كان الناس يكتبون الأبيات في الهوامش، وينقلونها في المجاميع، ويستشهدون بها من الذاكرة، ويبدلون أحيانًا كلمة أو شطرًا، وقد يعرف الناس الرباعية ولا يعرفون صاحبها. حين يدخل اسم كبير مثل الخيام هذه الشبكة، يصبح من الطبيعي أن تنجذب إليه نصوص تشبهه.
ولذلك فإن السؤال عن "عدد الرباعيات الصحيحة" ربما يوهمنا بوجود رقم نهائي ينتظر أن نعثر عليه. ما يقدمه التحقيق في الحقيقة هو درجات من الثقة: رباعيات ذات شواهد قوية نسبيًا، وأخرى محتملة، وثالثة ضعيفة النسبة، ورابعة توجد أسباب واضحة لاستبعادها. وبين هذه الدرجات منطقة رمادية واسعة.
ولا ينتقص هذا من الخيام. على العكس، إنه ينقذه من صورة جاهزة ألصقتها به القرون. فالرجل التاريخي كان عالم رياضيات وفلك وفيلسوفًا ذا مكانة معروفة، ولم تكن هويته في زمنه مختزلة في كأس وربيع وحديث عن الموت. الصورة التي اشتهرت عالميًا صحيحة بقدر ما تستند إلى شعر قديم منسوب إليه، لكنها أيضًا نتيجة تاريخ طويل من الانتقاء والتفسير وإعادة الكتابة.
ربما يكون "الخيام" اسمًا لشاعر ولتقليد شعري معًا
عندما نصف رباعية بأنها "خيّامية"، قد نعني شيئين مختلفين من دون أن نشعر. قد نعني أن عمر الخيام هو الذي كتبها، وهذه قضية تاريخية تحتاج إلى دليل. وقد نعني أن فيها تلك النبرة التي ارتبطت باسمه: الإنسان قصير العمر أمام كون لا يكشف أسراره، والدهر لا يعبأ برغباتنا، واللحظة الحاضرة هي الشيء الوحيد الذي نستطيع الإمساك به قبل أن تنفلت.
المعنى الثاني قد يبقى صحيحًا حتى حين يضعف الأول.
وهذا ما يجعل قصة الرباعيات أكثر إثارة من مجرد كشف بعض النصوص المنحولة. فالخيام لم يعد اسم شخص فقط، بل صار طريقة في رؤية العالم استطاع آخرون الكتابة داخلها. وما كان في البداية صوت شاعر أصبح مع الزمن جنسًا صغيرًا داخل الشعر الفارسي، حتى تحدث الدارسون عن رباعيات "خيّامية" لا يلزم أن يكون الخيام قد نظمها.
يمكن عندئذ أن نفهم لماذا استطاعت النصوص أن تتكاثر باسمه. التقليد نفسه ساعد على إنتاج النصوص التي سيُنسب بعضها لاحقًا إلى صاحب التقليد.
وهذا شبيه بما يحدث في الثقافة الشعبية حين تصبح عبارة ما شديدة المناسبة لصورة كاتب مشهور فينسبها الناس إليه، ثم يعيد آلاف الأشخاص نشرها باسمه حتى يصبح تصحيح النسبة أصعب من نشر الخطأ. الفرق أن ما يحدث اليوم خلال أيام كان يحدث في عالم المخطوطات خلال قرون.
لكن الرباعيات تقدم مثالًا أكثر تعقيدًا؛ لأننا لا نتعامل مع منشور زائف يمكن الرجوع إلى أرشيف رقمي لإبطاله، بل مع تقليد أدبي سابق للطباعة، ضاعت منه حلقات كثيرة. في بعض الأحيان لا يوجد "منشور أصلي" نستطيع الوصول إليه مهما بحثنا.
ماذا يبقى من الرباعيات إذا سحبنا منها وهم اليقين؟
يبقى الكثير.
تبقى مجموعة شعرية هائلة التأثير تشكلت حول اسم عمر الخيام. وتبقى داخلها نواة لها جذور مبكرة تجعل نسبة جزء من هذا الشعر إليه معقولة وقوية بدرجات مختلفة. ويبقى كذلك تاريخ مدهش يوضح كيف يصنع الأدب نفسه أثناء انتقاله، لا لحظة كتابته فقط.
فالنص الذي يخرج من يد صاحبه لا يبقى دائمًا كما خرج. الناسخ يختار، والجامع يضيف، والقارئ يحفظ، والباحث يصنف، والمترجم يعيد بناء الإيقاع، والناشر يمنح المجموعة عنوانًا وغلافًا، ثم تأتي ثقافة كاملة فتستخرج من كل ذلك صورة للشاعر.
لهذا ربما تكون الطريقة الأعدل لقراءة رباعيات الخيام هي ألا نتعامل معها كلها بوصفها اعترافات شخصية لرجل واحد، وألا نرميها كلها أيضًا في خانة الشك. يمكن أن نقرأها على مستويين في الوقت نفسه: بوصفها شعرًا تشكل عبر تقليد طويل، وبوصف بعضها آثارًا محتملة لصوت تاريخي شديد الخصوصية عاش قبل نحو تسعة قرون.
عندها يصبح عدم اليقين جزءًا من معنى الكتاب نفسه. الرجل الذي نُسبت إليه أسئلة عن سر الوجود والمصير ترك لنا، أو ترك التاريخ باسمه، نصًا يفرض علينا سؤالًا من نوع آخر: من الذي يتكلم هنا؟
ولا تعطينا المخطوطات جوابًا واحدًا. ربما لهذا السبب تحديدًا بقيت الرباعيات حية. فهي لا تحمل فقط قلق الإنسان أمام الزمن والموت، بل تحمل في تاريخها أيضًا قلق النص أمام النسيان والتبدل وانفصال الكلمات عن أصحابها.
إذن لم يكتب عمر الخيام كل ما نقرأه اليوم تحت اسمه، على الأرجح، ولا نستطيع رسم خط نهائي يفصل رباعياته عن كل ما أضيف إليها. لكن وراء طبقات النقل والإضافة توجد أدلة كافية على شاعر حقيقي له نبرة تركت أثرها، ثم تحولت تلك النبرة بعده إلى تقليد واسع.
وفي هذه المسافة بين الشاعر والتقليد ولد "الخيام" الذي وصل إلينا: جزء منه رجل من نيسابور، وجزء منه ذاكرة المخطوطات، وجزء منه عمل المحققين، وجزء آخر صنعته الترجمة والقراءة الحديثة.
إذا كانت قصيدة عظيمة قد عاشت قرونًا تحت اسم شاعر لم يكتبها، فهل تتغير قيمتها الأدبية حين نكتشف صاحبها المجهول، أم أن الذي يتغير فقط هو القصة التي كنا نرويها عنها؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق