بقلم: الورّاق الجزائري
حين تتلبّس الشجرة الجسد
يدخل نضال برقان في
ديوانه "تحت سماء واحدة" إلى الشعر
من منطقة تبدو للوهلة الأولى مألوفة: الحب، الغياب، الحرب، الطبيعة، الذاكرة،
الموت، الكتابة. وهي ثيمات يصعب الادعاء بأن الشعر العربي المعاصر لم يستنفد
احتمالات كثيرة منها. غير أن خصوصية تجربته لا تنبع أساسًا من موضوعاتها، وإنما من
الطريقة التي يعيد بها وصل الأشياء بعضها ببعض. في عالمه تستطيع الحرب أن تلتهم
ظلال امرأة مخبأة في الذاكرة، وأن تصيب الشجرة فتتساقط أطراف الإنسان، وأن يتحول
دفتر العائلة إلى حديقة ثم إلى جثة، ويمكن لعود الثقاب أن يستعيد نسبه البعيد إلى
الشجرة والغابة، فيما يصبح الصمت نفسه مادة يمكن تدريبها على الكلام.
هذه القدرة على تغيير
العلاقات المألوفة بين الأشياء هي المدخل الأوضح إلى شعرية برقان في هذا الديوان.
إنه لا يراكم المجازات لمجرد إبهار القارئ، وإنما يبني عالمًا تصبح فيه الحدود بين
الإنسان والطبيعة، وبين الحب والحرب، وبين الجسد والبلاد، وبين الكتابة والحياة
حدودًا رخوة قابلة للاختراق. ولهذا يبدو عنوان الديوان،
"تحت سماء واحدة"، أبسط من العالم الذي يخفيه. فالسماء واحدة، نعم، لكن
الكائنات التي تعيش تحتها لا تتقاسم المصير نفسه، وما يوحّدها ليس الطمأنينة بقدر
ما يوحدها انكشافها على هشاشة مشتركة. السماء في الديوان ليست سقفًا طبيعيًا فحسب؛
إنها فضاء رمزي تتجاور تحته الأغنية والمقبرة، الياسمينة والحرب، العاشق والغائب،
والقصيدة والجثة.
من الأغنية إلى "شجرة المحبة"
يفتتح الديوان من
منطقة إنسانية واسعة تتجاوز العلاقة الثنائية بين عاشق ومعشوقة. فالذات تخاطب آخر
بعيدًا، وربما مجهولًا، وتقول:
كلما وقفت في مهب
الموسيقى
لعلنا لم نلتق بعد
وربما لن نلتقي يومًا
غير أن أغنياتنا
التي تطلق عصافيرها في عين الشمس
كل صباح
من شتّى أرجاء العالم
تحطّ رحالها لتستريح على شجرة المحبة نفسها
ثم يعود النص إلى
العبارة الجامعة: "وكلانا، دائمًا، تحت سماء واحدة"
حيث تكشف هذه البداية جانبًا مهمًا من خيال برقان، فالموسيقى لا تُسمع فقط، بل تقف
الذات في "مهبها"، والأغنيات لا تنتقل بل "تطلق عصافيرها"، ثم
تستريح تلك الأغنيات على "شجرة المحبة". إننا منذ الصفحات الأولى أمام
كتابة تستبدل العلاقات المنطقية بعلاقات حسية وتخييلية. الأغنية تصبح طائرًا،
والمحبة شجرة، والانتشار الموسيقي حركة أسراب عبر العالم.
لكن الأهم أن هذا
الخيال ليس منغلقًا على الأنا. فكرة "السماء الواحدة" تنشأ أولًا من
إمكان التواصل بين أشخاص لم يلتقوا قط. وبذلك يقترح الديوان منذ بدايته تصورًا
للشعر نفسه: القصيدة وسيلة لإقامة قرابة بين غرباء، غير أن هذه السماء الإنسانية
الواسعة لن تبقى صافية طويلًا. فكلما تقدمنا في الديوان، دخلت الحرب إليها، ودخل
الموت والغياب، حتى غدت السماء نفسها مهددة بفقد طبيعتها.
انتظار لا تستطيع الحرب قطعه
في واحدة من
القصائد الأكثر كشفًا لبنية الحساسية عند برقان، يتجاور انتظار الحبيبة مع الحرب والموت.
يبدأ المقطع بحركة تستفز السكون:
أبدّد غيمة النعاس
في عين الرَّتابة
أعكّر الماء الساكن في بئر البلادة
أشعل ثوب الطمأنينة
وهي تصلّي في محراب الفراغ
ثم يتحول كل ذلك
إلى انتظار:
وأنتظر مرورك عند
ناصية الظمأ
أنتظر مرورك عند فاتحة المنام
الحرب تمرّ على مهلها
وأنتظر
الموت يمرّ كريح مالح في القلب
وأنتظر
ويبلغ المقطع قسوته
حين يصبح الغياب نفسه جسديًا:
وغيابك المقيم على
حالته
باردًا وموغلًا في الشرايين
وأنتظر
ليس التكرار هنا
حشوًا إيقاعيًا. فتعبير "وأنتظر" يتحول إلى وتد تنغرز حوله الأشياء:
الحرب تمر، الموت يمر، الغياب يستقر، لكن الانتظار لا يمر. ومن المفارقة أن أكثر
العناصر حركة في القصيدة هي الكوارث؛ الحرب والموت عابران، في حين يبقى المنتظر
ثابتًا. وهذا يعكس تصورًا للحب
يتكرر في الديوان؛ فالحب ليس منطقة منفصلة عن التاريخ. لا توجد قصيدة غزلية محصنة
ضد الحرب، ولا ذاكرة عاطفية تستطيع إقامة جدار بينها وبين الموت.
ويذهب النص إلى
أبعد من ذلك حين يخاطب امرأة غائبة أو ميتة:
أنت الشهيدة
تسكنين الآن في عليّين
وأنا المرتاب الشكّاك المتسائل
وغير الكافر أيضًا
قد أحظى بسكن شعبي ما هناك
هل تعلمين؟
ليست جنّة تلك التي لن أستنشق فيها أنفاسك
بينما تنامين
هنا تظهر مفارقة
برقان واضحة. فهو يستعير قاموسًا أخرويًا شديد الجدية، ثم يكسر فخامته بعبارة "سكن
شعبي". النتيجة ليست تهكمًا من المقدس، وإنما تقريب فكرة الموت إلى الحس
الإنساني الأرضي. فالجنة نفسها تفقد معناها إذا غاب عنها المحبوب. الحب إذن يعيد
تعريف الخلاص وفق مقياس شخصي: المكان المثالي ليس ما تقرره العقائد وحدها، بل ما
يوجد فيه من نحب.
الجسد والبلاد: حين يكبر الفقد
لا يبقى الغائب
فردًا دائمًا. ففي بعض المواضع يتسع حتى يصبح بلادًا. يقول:
كنت أستعرتك من
السماء
فاستحالت براميل متفجّرة
أستعرتك من الأرض
فاستحالت مقابر جماعية
أستعرتك من القصيدة
فاستحالت صراخًا
ثم كان أن أستعرتك مني
فاستحلت جثّة بحجم البلاد
هذا المقطع من أكثر
مقاطع الديوان قدرة على تلخيص انتقاله من الخاص إلى العام. تبدأ المخاطَبة في
السماء، ثم تهبط إلى الأرض، ثم تدخل القصيدة، ثم تستقر داخل الذات. لكن الحركة لا
تؤدي إلى مزيد من الحميمية، بل إلى مزيد من الخراب.
"جثة بحجم البلاد" ليست صورة
سياسية ملصقة بالغزل؛ إنها لحظة يتعذر فيها الفصل بين فقد الإنسان وفقد الوطن.
الجسد يتضخم حتى يغدو جغرافيا، والبلاد تنكمش حتى تصبح جسدًا قتيلًا. ويكتسب هذا التداخل أهمية
خاصة لأن برقان لا يتعامل مع الحرب غالبًا بوصفها حدثًا تاريخيًا يحتاج إلى أسماء
وتواريخ وخرائط. إنه يلتقط ما تفعله الحرب بحواس الإنسان ومخيلته. لذلك تصبح البلاد شيئًا يمكن
رؤيته في عين، والحرب شيئًا يستطيع التهام صورة حبيبة مخبأة في الذاكرة.
يقول في موضع آخر:
أما ظلالك
تلك التي خبأتها في ذاكرتي
فقد التهمتها الحرب
كما يلتهم صبي جائع حلوى (شعر البنات)
بينما كنت أكتب قصيدة غزلية
من أجلك
المفارقة قاسية:
الشاعر يكتب قصيدة غزل، لكن الحرب تعمل بالتزامن معه داخل الذاكرة. وبينما تحاول
القصيدة حفظ المحبوبة، تلتهم الحرب حتى ظلالها. والتشبيه بـ"صبي جائع" يأكل حلوى "شعر
البنات" يمنع الصورة من التحول إلى بلاغة حرب مألوفة. إنه تشبيه طفولي، حلو
ومبهج في أصله، لكن الشاعر ينقله إلى فعل محو عنيف. وهنا تكمن إحدى خصائص برقان: قدرته على استخراج القسوة من
أكثر التفاصيل براءة.
"تزرعين النجوم في حوض النعناع"
في القصيدة نفسها
تظهر الصورة التي جعلها الشاعر عنوانًا: بمن تزرعين النجوم في حوض
النعناع؟، لكنها تكتسب داخل النص معنى أعمق مما يمنحه العنوان وحده. فهو يخاطب
الغائبة قائلًا:
وتحيكين ملابس جديدة
للحقيقة
وتزرعين النجوم في حوض النعناع
أعرف أنك كنت تودين تقليم أظافر الحرب
قبل رحيلك
كنت تودين تنظيف البلد من روائح الدماء
التي تُراق بمجانيةٍ في كل مكان
كنت تودين حماية الأطفال
من شعار الطائرات الحربية
وأعرف أكثر أنك الآن لست هنا
الآن تتضح وظيفة "النجوم"
و"النعناع". الصورة ليست ترفًا سرياليًا. إنها تقع بين رغبة في إصلاح
الحقيقة ورغبة في "تقليم أظافر الحرب". المحبوبة قوة مضادة للخراب، وحوض
النعناع، بما يمثله من حميمية منزلية وحياة صغيرة قابلة للرعاية، يقف في مواجهة
الطائرات والدماء.
يشتغل خيال برقان هنا
على تضاد الأحجام: النجمة كونية، وحوض النعناع منزلي؛ الحرب جبارة، وفعل تقليم
الأظافر صغير وعادي. لكنه يقلب ميزان القوة، فيجعل التفاصيل المنزلية هي اللغة
التي يمكن بها تخيل مقاومة الخراب. ثم يقول:
العزلة أكثر قتامة
مما توقعت
أوسع من جرح في خاصرة العالم
وجافة مثل كوكب
لم تحط على سطحه فراشة أبدًا
هنا تتحول العزلة
من شعور نفسي إلى كوكب كامل محروم حتى من احتمال الفراشة. وهذا مثال جيد على
انتقال برقان المتكرر من الداخل إلى الكون: يبدأ بالإحساس الشخصي، ثم يوسع مساحته
حتى يصبح مشهدًا كونيًا.
الطبيعة ليست ديكورًا
قد يبدو للقارئ
بسبب كثرة الأشجار والغيم والعصافير والياسمين والفراشات أن برقان شاعر طبيعة
بالمعنى الرومانسي. لكن الطبيعة عنده لا تقوم بدور الخلفية الجميلة. إنها كائن مشارك؛ ففي أحد
المقاطع يقول:
يركض النسيم قبل
تنفّس الصباح
يوقظ الياسمينة
يمسك ذراعها كما يمسك شاعر فكرة
ويدوران
يموجان تارة ويُحلّقان أخرى
يتباعدان تارة ويتعاشقان أخرى
ولا يهدآن
حتى يستيقظ الأغاني على الشفاه
والأماني في الصدور.
كل شيء هنا حي:
النسيم يركض، الياسمينة تستيقظ، الاثنان يموجان ويحلّقان، والأغاني نفسها تنام
وتستيقظ. والتشبيه اللافت هو: يمسك ذراعها كما يمسك شاعر
فكرة؛ فالعلاقة
بين النسيم والياسمينة تُفهم بواسطة فعل الكتابة، وفي الوقت نفسه يصبح فعل الكتابة
حركة جسدية؛ الشاعر يمسك الفكرة كما تمسك يدٌ ذراعًا.
في هذا العالم لا
توجد مسافة فاصلة بين الطبيعة والكتابة. الورقة والقلم والغيمة والعصفور
والياسمينة تنتمي إلى نظام رمزي واحد. ولذلك يقول بعد تحول كارثي:
الآن..
بعد أن أمست السماء غير السماء
والأرض غير الأرض
الآن.. تمامًا
أرى النسيم والياسمينة
أرى الغيمة والعصفور
أرى الورقة والقلم
إنها أزواج
متجاورة: النسيم/الياسمينة، الغيمة/العصفور، الورقة/القلم. الطبيعة والكتابة
متوازيتان، وربما كانت الكتابة محاولة لإعادة العلاقة بين الأشياء بعدما جعلت
الحرب "السماء غير السماء" و"الأرض غير الأرض".
حين تتلبس الشجرة الإنسان
تصل علاقة الإنسان
بالطبيعة إلى ذروة أكثر تركيبًا في مقطع بالغ الدلالة:
تتلبّسني شجرة
حتى أن أطرافي تتساقط
كلما عصفت حرب في الجوار
ثم أنبت من جديد...
وربما يكون هذا
واحدًا من المفاتيح الأوضح للديوان كله. فالشاعر لا يقول إنه يشبه الشجرة، ولا يقول
إن الحرب تؤلمه كما تؤلم الأشجار. إنه يلغي الحد الفاصل: "تتلبسني شجرة". وهذا التحول مهم؛ لأن الحرب عندئذ لا
تصيب البشر وحدهم. إنها تعصف بالجوار فتتساقط أطراف الذات/الشجرة. لكن المقطع لا
ينتهي بالسقوط: "ثم أنبت من جديد". من هنا يظهر أن الطبيعة لدى برقان
ليست رمزًا للبراءة فقط، وإنما رمز لقدرة الحياة على التجدد. فالحرب تقطع. والشجرة تنبت. وهذه الثنائية تسري في
الديوان بصورة شبه خفية: الموت في مقابل الأغنية، المقابر في مقابل البراعم،
الرصاص في مقابل العصافير، الحرب في مقابل النعناع، الجثة في مقابل الحديقة. ولذلك فإن كثافة الطبيعة
ليست تزويقًا لغويًا، بل بنية مقاومة داخل عالم مهدد بالموت.
عود الثقاب الذي يتذكر أنه شجرة
وتبلغ هذه الفكرة
مستوى أكثر طرافة في قصيدة تبدأ:
كنت عود ثقاب قبلك
أحلم بالعودة إلى أمي.. علبة الكبريت
وعائلتي.. مثيلاتها في البقالة
وبمرورك بي بدأت بالعودة إلى أمي.. الشجرة
وعائلتي.. الغابة
الصورة هنا بسيطة
في آليتها وعميقة في نتيجتها. عود الثقاب المصنوع من الخشب نسي أصله، فحسب أن أمه
علبة الكبريت وأن أفراد عائلته أعواد أخرى في البقالة. الحب يعيد إليه الذاكرة
الأبعد: أمه الحقيقية هي الشجرة، وعائلته الغابة. إنه نوع من استعادة النسب الطبيعي للأشياء، فالحب
هنا لا يغير المزاج فحسب، بل يغير معرفة الكائن بنفسه.
ويواصل الشاعر
اللعبة ذاتها مع هويات أخرى؛ فهو شاعر وأرقام وأشياء مختلفة قبل المخاطَبة وبعدها.
والعبارة المتكررة "مرورك بي" تتحول إلى حد فاصل بين وجودين.
هذا البناء القائم
على "كنت... قبلك" ثم "مرورك بي" يحرر قصيدة الحب من المعجم
الغزلي المعتاد. لا جمال جسديًا موصوفًا ولا خطاب افتتان مباشر؛ الأثر الحقيقي
للمحبوبة أنها تغير نظام التعريفات الذي تعيش فيه الذات.
الكناية وشقيقاتها
أدرّب الصمت على
الكلام
الكلام على الكناية وشقيقاتها
الكناية وشقيقاتها على الصلاة في محراب الصمت
وقبل ذلك:
أدرّب عيني على
رؤية ما وراء السواتر والتلال
جسدي على الاستعداد لكرنفال التراب
يدي على التلويح للفراغ
ثمة دائرة لافتة
هنا: الصمت يُدرَّب على الكلام، والكلام على الكناية وشقيقاتها، ثم تعود الكناية
إلى «محراب الصمت». أي إن الشعر لا يمثل الانتصار النهائي للكلام على الصمت؛ بل
يختبر قدرته على القول غير المباشر، قبل أن يعيده إلى الصمت محمّلًا بما لم
يُصرَّح به.
وفي "بركة
الشاعر" يقول:
أترك البيت من دون
باب
ولا أقطع شجرة
لم تزل تتلقّفني
كلما طوّحتني شجرة العائلة
ثم:
أترك الحقل من دون
فزّاعة
ولا أجوّع طائرًا
ظل يرفرف في رأسي
ويغرّد
حتى استحلت شاعرًا مُجَنَّحًا
وقصيدة حرّة
الطائر الذي يعيش
في الرأس ليس مجرد «إلهام» بالمفهوم الرومانسي المستهلك؛ إنه يعيد تشكيل هوية
الشاعر نفسه. فحين يستحيل «شاعرًا مُجَنَّحًا» وتستحيل القصيدة «حرّة»، تصبح حرية
الطائر مرآة لحرية الكتابة، ويغدو التحليق استعارة مزدوجة للشاعر والقصيدة معًا.
الحرب لا تقع في الجبهة فقط
في مكانٍ آخر تتكثف
الحرب بصورة أكثر مباشرة وأقل تجريدًا. يقول في أحد المقاطع:
لم يكنْ دفترَ
عائلةٍ
كانَ حديقةً بكاملِ
عصافيرِها
قبلَ أن تعبثَ به
الحربُ
وتحيلَه جُثةً
هائلة.
الجملة تبدأ بتصحيح
تعريف: "لم يكن دفتر عائلة". إنه حديقة. ليست الأوراق وثائق إذن، بل
أشخاص وحيوات وعلاقات وذاكرة. ولذلك عندما تدمره الحرب لا تمزق ورقًا؛ إنها تقتل
حديقة كاملة. ويتابع النص بفكرة شديدة
الأهمية: لم تعد الجبهة مكانًا بعيدًا يذهب إليه المقاتلون؛ إنها:
في الشارع
في البيت
في غرفة المعيشة
هذه النقلة هي جوهر
رؤية برقان للحرب. الحرب الحديثة ألغت المسافة بين الجبهة والمنزل. لم يعد المدني
واقفًا خارجها. إنها تدخل غرفة المعيشة، الدفتر، الجسد، الذاكرة، والقصيدة. ولهذا يصبح قوله في موضع
آخر أشد وضوحًا:
لا أتذكّرُ ما فعلت
بي الحروبُ القديمةُ
أذكرُ أنّ حربًا استبدلت قلبي بحجرٍ
وحربًا قضمت أصابعي
قبلَ أن تجعلَ ناياتي قطعَ غيارٍ لأسلحتِها
وأخرى ملأت فمي رصاصًا مُذابًا
وعينيَّ بياضًا حارقًا
وأذني شعاراتٍ نيِّـئة.
إنها واحدة من أقوى
صور الحرب في الديوان لأنها توزع آثارها على أعضاء الجسد: القلب، الأصابع، الفم،
العين، الأذن. فالحرب تعيد تصنيع الإنسان:
القلب
يصبح حجرًا.
النايات
تصبح قطع غيار للأسلحة.
الفم
يمتلئ بالرصاص.
العين
يحرقها البياض.
والأذن
تمتلئ بالشعارات.
وهنا تظهر حساسية
واضحة تجاه اللغة السياسية أيضًا؛ فـ«الشعارات النيِّئة» ليست أقل حضورًا في تشويه
الحواس من الرصاص. الحرب ليست آلة عسكرية فحسب، بل آلة خطابية تنتج الكلام الذي
يبرر القتل. واختيار «نيِّئة» لافت؛ فالشعارات لا توصف بالقبح وحده، بل تبدو مادة
خامًا غير ناضجة تُحشى بها الأذن، فيغدو الخطاب نفسه أحد مخلفات الحرب.
والأشد دلالة أن
الحرب لا تكتفي بإيذاء الجسد؛ إنها تستولي على الناي، رمز الموسيقى والنفَس،
وتفككه إلى «قطع غيار» لأسلحتها، وكأن آلة الحرب لا تكتفي بإسكات الأغنية بل تعيد
استخدام مادتها في إنتاج الموت.
الحرب ضد اللغة نفسها
ولا تتوقف الحرب
عند الجسد. إنها تصيب الشعر. يقول:
كنت أعرف أطوارك
كلها
في الصباح تكونين في طور الغيمة
في الضحى تدخلين في طور الزهرة
وفي المساء كان طور الكناية طورك المفضّل
أما الآن فلم أعد أعرف شيئًا
ثمّة حرب فقأت عين الصباح
وَيَتَّمَت سَماءنا
وأحالت قصائدنا صراخًا نيئًا ومواعظ جوفاء
الجملة الأخيرة
بالغة الأهمية: «وأحالت قصائدنا صراخًا نيئًا ومواعظ جوفاء»؛ فالحرب لا تمنح
القصيدة موضوعًا جديدًا فحسب، بل تهدد شرطها الجمالي نفسه. إنها تدفع اللغة إلى
حدين متقابلين في الظاهر ومتجاورين في العجز: الصراخ الخام من جهة، والموعظة
الفارغة من جهة أخرى. وبين «النيِّئ» و«الأجوف» تضيع المساحة التي يستطيع الشعر
فيها أن يصوغ التجربة بدل أن يصرخ بها أو يعظ بشأنها.
المرأة: ليست جسدًا للغزل
الحضور الأنثوي
واسع في الديوان، لكن من الخطأ اختزاله إلى غزل. فالمخاطَبة كثيرًا ما تكون غائبة
أو ميتة أو بعيدة أو متماهية مع الطبيعة والكتابة والوطن. يقول في موضع آخر:
العالم ظمآن
ويخوض، من أجل الماء، صراع بقاء ضد نفسه
وأنت تدّخرين عددًا لا نهائيًا
من الآبار والينابيع والأنهار
في قلبك..
من أجل مَن؟
المرأة هنا ليست
موضوع نظرة. إنها مستودع الماء في عالم عطشان. والقلب لم يعد مركز العاطفة فقط، بل جغرافيا
مائية كاملة: آبار وينابيع وأنهار. وهذا يتصل مباشرة بصورة "النجوم في حوض
النعناع"، فالأنثى في هذه المقاطع تحمل طاقة مضادة للجفاف والعنف، لكنها ليست
دائمًا قادرة على استخدامها؛ السؤال "من أجل من؟" يترك إحساسًا بالجدوى
المهددة.
مفردات بسيطة، علاقات غير بسيطة
لا يعتمد برقان على
المعجم الغريب أو المركب، فأكثر مفرداته شيوعًا شديدة البساطة: سماء، ماء، حرب،
شجرة، عصفور، غيمة، قلب، جسد، بيت، قصيدة، موت، ذاكرة، امرأة. لكن هذه البساطة خادعة. فالشعرية عنده تنشأ من العلاقة الجديدة لا
من الكلمة الجديدة. فليس في "شجرة"
أو "جسد" غرابة، لكن الغرابة في: "تتلبسني شجرة. ولا غرابة في "الدفتر"
أو "الحديقة"، لكن الصدمة في: "لم يكن دفتر عائلة / كان حديقة بكامل عصافيرها". ولا
غرابة في "الحرب" أو "القصيدة"، لكن التحول الشعري يحدث في:
"أحالت قصائدنا صراخًا نيئًا ومواعظ جوفاء". وهذا خيار جمالي مهم. إنه
يسمح للقارئ بالدخول إلى النص بسهولة على مستوى المفردة، ثم يفاجئه على مستوى
التركيب. ولذلك تبدو أفضل صور برقان
تلك التي لا تحتاج إلى شرح طويل؛ إنها واضحة نحويًا، غرائبية دلاليًا.
تقنية المقطع: ذاكرة تعمل بالقفز
يقسم برقان عددًا
كبيرًا من قصائده بعلامة النجوم الثلاث ***. ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها
مجرد فواصل طباعية. فكل مقطع في كثير من القصائد يشبه لقطة
مستقلة نسبيًا: تبدأ لقطة بعاشق، وأخرى بحرب، وثالثة بشجرة، ورابعة بسؤال، ولا
يربط بينها سرد متصل دائمًا. هذه التقنية قريبة من عمل الذاكرة؛ فنحن لا نتذكر
حياتنا كرواية مكتوبة بعناية؛ تومض صورة، ثم تستدعي أخرى، وقد يكون الرابط بينهما
رائحة أو لونًا أو انفعالًا لا زمنًا.
ويظهر هذا بوضوح في
مقاطع يقول فيها "أتذكر"، ثم تنتقل الذاكرة من النسيم والياسمينة إلى
الغيمة والعصفور، ومن الورقة إلى القلم. لذلك فإن التشظي ليس خللًا
بالضرورة، بل جزء من بنية الرؤية؛ لكن هذه التقنية نفسها تمثل إحدى مناطق الخطر في
الديوان. فحين تكون العلاقة بين المقاطع قوية، ينتج عنها
مونتاج شعري فعال؛ كل مشهد يضيء الآخر. أما حين تضعف تلك العلاقة، يمكن أن يشعر
القارئ بأن القصيدة أصبحت مجموعة ومضات متجاورة أكثر منها بنية عضوية واحدة. وهذا التفاوت موجود فعلًا
في الديوان.
من الشعر إلى النثر... ومن النثر إلى الشعر
لا تظل النصوص كلها
على الدرجة نفسها من التكثيف. بعض القصائد تنفتح على كتابة نثرية مطولة، تدخل فيها
تفاصيل الحياة المعاصرة مباشرة، بل تدخل كلمات من عالم الأخبار والوباء والتباعد
الاجتماعي.
في أحد النصوص يقول: "كنت سأحدثك عن الحرب، تلك التي ما
تزال تأكل الحجارة والناس..."،
ثم يدخل إلى المشهد "التباعد الاجتماعي" و"الحظر الشامل نهاية
الأسبوع" و"كورونا". هذه المنطقة مهمة لأنها تكشف أن برقان غير
خائف من إدخال اليومي والمباشر إلى القصيدة. هو لا يبحث دائمًا عن لغة "شعرية"
بالمعنى التقليدي. لكن نجاح هذه التقنية
متفاوت. فأحيانًا تكون التفاصيل اليومية ضرورية
لأنها تمنح النص زمنه المعيش وتحول الكارثة العامة إلى تجربة فردية. وأحيانًا يطول
السرد والتفسير فينخفض التوتر الذي تمنحه الصورة المكثفة. وهنا تظهر مفارقة قصيدة النثر نفسها: قدرتها على
استيعاب كل شيء هي أيضًا مصدر خطرها؛ إذ تستطيع أن تستقبل السرد والمقالة واليومي
والحوار، لكنها تحتاج دائمًا إلى قوة داخلية تمنعها من التحول إلى نثر عادي مقطع
على الصفحة.
السؤال ليس طلبًا للجواب
تكشف عناوين كثيرة
في الديوان ميلًا واضحًا إلى السؤال، لكن هذا الميل موجود داخل النصوص أيضًا. فالسؤال عند برقان لا يبحث عادة عن معلومة.
حين يقول للمرأة
التي تختزن الأنهار في قلبها: "من أجل مَن؟"، أو يسأل الغائبة كيف يمكن
للشفاه الاحتفاظ بأغنياتها وصوتها، فهو لا ينتظر جوابًا، والسؤال هنا علامة على
انسداد المعرفة. فالموت لا يجيب، والغائب لا يجيب، والحرب لا
تقدم تفسيرًا. ولهذا يبقى الاستفهام
مفتوحًا، ويصبح أحد الأشكال التي يتجسد بها النقص. وهذا يجعل بعض عناوينه الطويلة ناجحة لأنها لا
تلخص القصيدة، بل تضع القارئ داخل حيرتها منذ البداية: "بمن تزرعين النجوم في
حوض النعناع؟"، "في أي من أجسادك تنامين الليلة؟"، وغيرها. وهكذا فإن العنوان نفسه يصبح جزءًا من
البنية الشعرية لا بطاقة تعريف لها.
السخرية الخافتة وإنقاذ القصيدة من الفخامة
على الرغم من الموت
والحرب والفقد، لا يتحدث الديوان كله بصوت جنائزي؛ فالسخرية تظهر بصورة متفرقة
ومقتصدة، لكنها مهمة للغاية. وعلى سبيل المثال فإن عبارة "قد أحظى
بسكن شعبي ما هناك" داخل الحديث عن "عليين" مثال واضح. وكذلك
الانتقالات التي تجعل عود الثقاب يفكر في "مثيلاته في البقالة". هذه
التفاصيل تخفض صوت البلاغة. وهي ضرورية؛ لأن موضوعات
من نوع الموت والحرب والوطن والحب معرضة بسهولة للتضخم الإنشائي. عندما يدخل
التفصيل المضحك أو اليومي، تستعيد القصيدة هشاشتها الإنسانية. فبرقان في أفضل نصوصه لا يتحدث كصاحب حكمة
يقف فوق العالم، بل كشخص مرتبك داخله.
قوة الصورة وحدودها
يملك برقان قدرة
واضحة على الصورة الشعرية، لكن هذه القدرة نفسها تستحق مساءلة نقدية، فأقوى صوره
تلك التي تجمع المفاجأة والبساطة والدقة: "تتلبسني شجرة"، "جثة بحجم البلاد"،
"أحالت قصائدنا صراخًا نيئًا ومواعظ جوفاء"، "كان حديقة بكامل
عصافيرها"، "تقليم أظافر الحرب"، وهي صور تفتح مجالًا دلاليًا
واسعًا من غير أن تكون مغلقة أو متكلفة.
لكن الديوان طويل،
والصورة الانزياحية تكاد تكون طريقته الأساسية في رؤية العالم. لذلك تتكرر أحيانًا
آلية واحدة: تشخيص المجرد، أنسنة الطبيعة، تحويل الجسد إلى مكان، مزج شيء كوني
بتفصيل منزلي. ومع التكرار يمكن لبعض
الصور الأقل إحكامًا أن تبدو كأنها تُنتج بالطريقة نفسها التي أنتجت بها الصور
الأقوى. فليس كل انحراف دلالي شعرًا بالدرجة نفسها. وأعتقد أن الديوان كان
سيزداد كثافة لو مارس الشاعر قسوة أكبر في الحذف، لا داخل القصائد فقط وإنما في
الاختيار بينها أيضًا.
حين يكون الحذف أكثر شعرية من الإضافة
ثمة لحظات يبلغ
فيها النص ذروة ممتازة ثم يواصل الكلام. وهذه إحدى الملاحظات
النقدية التي تظهر بوضوح عند القراءة المتصلة للديوان. فبرقان شاعر مولّد للصور، وهذه موهبة، لكنها تغري أحيانًا بإضافة
صورة ثانية وثالثة بعد اكتمال الأولى. وحين تكون الصورة الأولى قد أنجزت الصدمة،
قد تعمل الصور اللاحقة على تخفيفها بدل تعميقها. وعلى سبيل المثال فإن عبارة:
العزلة أكثر قتامة
مما توقعت
أوسع من جرح في خاصرة العالم
وجافة مثل كوكب
لم تحط على سطحه فراشة أبدًا
تملك اكتمالًا
داخليًا قويًا. وما ينجح فيها أن الصورة تتقدم خطوة خطوة حتى تصل إلى "الفراشة"،
ثم تغلق المشهد. وهذا النوع من الاقتصاد هو المكان الذي يبدو
فيه صوت برقان أكثر نضجًا.
ما الذي تفعله الحرب بالخيال؟
ربما السؤال الأهم
الذي يتركه "تحت سماء واحدة" ليس: كيف يصور نضال برقان الحرب؟ بل: ماذا تفعل الحرب بخيال الإنسان؟
والجواب موزع في الديوان.
تجعل
السماء غير السماء.
والأرض
غير الأرض.
تلتهم
الظلال المخبأة في الذاكرة.
تجعل
النايات قطع غيار لأسلحتها.
تحيل
دفتر العائلة جثة هائلة.
تُسقط
أطراف الشجرة/الإنسان.
تفقأ
عين الصباح وتُيَتِّم السماء.
وتحيل
القصائد صراخًا نيئًا ومواعظ جوفاء.
الحرب إذن ليست
موضوعًا داخل هذا العالم؛ إنها قوة تخرب العلاقات بين الأشياء. وهنا تحديدًا يظهر سبب
أهمية الخيال عند برقان، فإذا كانت الحرب تعيد ترتيب العالم على هيئة موت، فإن
الشعر يحاول إعادة ترتيبه بطريقة أخرى.
الحرب تجعل الدفتر
جثة. والشعر يعيده أولًا إلى حديقة.
الحرب تقتل
الياسمينة. والشعر يجعل النسيم يأخذ ذراعها فيموج
ويحلّق معها.
الحرب تفصل الإنسان
عن الأرض. والشعر يجعل الشجرة تتلبس جسده.
بهذا المعنى تصبح
الاستعارة نفسها فعل مقاومة.
من «تحت سماء واحدة» إلى أخلاق المشاركة
عندما نعود في
نهاية القراءة إلى عنوان الديوان، نكتشف أن "السماء الواحدة" ليست مجرد
رومانسية إنسانية. إنها تحمل مسؤولية. فإذا كنا جميعًا تحت سماء واحدة، فإن الحرب
التي تقع "في الجوار" تستطيع أن تسقط أطراف شجرتي أنا أيضًا. وهذا بالضبط ما تقوله
العبارة:
تتلبسني شجرة
حتى أن أطرافي تتساقط
كلما عصفت حرب في الجوار
و"الجوار"
هنا كلمة أساسية؛ فالحرب ليست بعيدة ما دامت تقع تحت السماء نفسها. وربما لذلك يبدأ الديوان
بأغنيات تنطلق من "شجر أرجاء العالم" وتنتهي إلى "شجرة المحبة
نفسها"، ثم يمتلئ لاحقًا بالمقابر والحروب والموتى. وهكذا فإن السماء التي
جمعت الأغنيات تجمع الضحايا أيضًا. إنها رؤية إنسانية، لكنها ليست خطابية؛ تتكون من
الصور أكثر مما تتكون من التصريحات.
الخلاصة: إعادة الحياة إلى الصلات المقطوعة
تكشف القراءة المتأنية
لـ"تحت سماء واحدة" أن نضال برقان يبني عالمه الشعري على عدد من
الثنائيات التي لا تبقى متقابلة طويلًا: الحياة والموت، الحب والحرب، الإنسان
والطبيعة، الجسد والوطن، الكلام والصمت، الواقع والمجاز. إنه يفتح الحدود بينها حتى تتسرب الواحدة إلى
الأخرى. فالمحبوبة قد تكون شهيدة، والشهيدة يمكن أن
تصبح بلادًا، والبلاد جثة، والإنسان شجرة، والدفتر حديقة، والحرب تدخل غرفة
المعيشة، والقصائد تتحول صراخًا نيئًا ومواعظ جوفاء. لكن الحركة ليست في اتجاه
الخراب وحده؛ فكما تسقط أطراف الشجرة، فإنها "تنبت من جديد". وكما تشوّه
الحرب وجه الحقيقة، فإن المخيلة تستمر في "حياكة ملابس جديدة للحقيقة". وكما
تمتلئ البلاد بروائح الدم، يستطيع أحدهم، ولو في اللغة وحدها، أن يزرع النجوم في
حوض النعناع. وهنا، على الأرجح، تكمن القيمة الأعمق
للتجربة. فنضال برقان لا يقدم الشعر بوصفه قوة قادرة
على إيقاف الحرب. وهو أكثر وعيًا من أن يمنحه مثل هذه البطولة الوهمية. القصيدة لا
تعيد الموتى ولا تصلح البلاد بمجرد كتابتها. لكنها تستطيع شيئًا آخر أقل صخبًا وأكثر صدقًا: أن تمنع الخراب من احتكار معنى
الأشياء.
الحرب تقول إن
الشجرة خشب يمكن أن يحترق. والقصيدة تذكّر عود الثقاب
بأن أمه شجرة وأن عائلته غابة.
الحرب تقول إن دفتر
العائلة أوراق قابلة للتمزيق. والقصيدة تقول إنه "حديقة
بكامل عصافيرها".
الحرب تجعل الإنسان
رقمًا بين الضحايا. والقصيدة تعيد إليه قلبًا
وذاكرة واسمًا وعصفورًا وياسمينة.
ولهذا فإن أفضل ما
في "تحت سماء واحدة" ليس كثرة مجازاته ولا غرابة عناوينه، بل إصراره على
إعادة الصلات التي يقطعها العنف: صلة الإنسان
بالطبيعة، والحاضر بالذاكرة، والحب بالعالم، والكلمة بمعناها.
ومع أن الديوان لا
يحافظ في جميع نصوصه على المستوى نفسه من التكثيف، وأن بعض المقاطع كان يمكن أن
تستفيد من حذف أكثر صرامة، فإن صوته يصبح واضحًا ومقنعًا كلما ترك للصورة أن تعمل
وحدها، وكلما قاوم إغراء الشرح. فهناك، في تلك اللحظات تحديدًا، يبلغ نضال
برقان منطق تجربته الخاص: شاعر يرى العالم هشًا وقابلًا للتحطم، لكنه لا يستسلم
لشظاياه؛ يلتقطها واحدة واحدة، ويعيد تركيبها في علاقات لم تكن موجودة من قبل. وربما تكون صورة الشجرة
التي تتلبس الإنسان أجمل تلخيص لهذا العالم كله: تتساقط أطرافها كلما عصفت حرب في
الجوار، ثم تنبت من جديد.
تلك ليست صورة
للطبيعة فقط.
إنها، في جوهرها،
صورة الشعر نفسه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق