حين يصبح حنان الأم وطنًا لا يُنفى
ليست قصيدة "إلى أمي"، المعروفة بمطلعها "أحن إلى خبز أمي"، قصيدة مناسبة عابرة عن برّ الوالدين، ولا اعترافًا وجدانيًا يمكن فصله عن سيرة محمود درويش وتجربة الفلسطيني الذي أُبعد عن بيته وهو ما يزال قريبًا منه. إنها نص قصير أعاد تعريف الوطن من خلال أكثر الأشياء بساطة وحميمية: رغيف تصنعه الأم، وقهوة تعدّها بيديها، ولمسة تعيد الابن إلى طفولته. ولهذا تجاوزت القصيدة ظرفها الشخصي، وصارت واحدة من أكثر قصائد درويش حضورًا في الذاكرة العربية؛ فالقارئ يجد فيها أمه، والمنفي يجد بيته، والأسير يرى في تفاصيلها الحياة التي حُرم منها، بينما يسمع الفلسطيني وراء الكلمات اليومية صدى أرض لا يستطيع الاقتلاع أن يمحوها.
تكمن فرادة القصيدة في أنها لا تبدأ من فكرة كبرى ثم تبحث لها عن صور، بل تبدأ من الحواس. الخبز يُذاق وتفوح رائحته، والقهوة تُشرب، واللمسة تُحس، ثم تتسع هذه الأشياء تدريجيًا حتى تحمل معنى الهوية كلها. ولا يعلن الشاعر أن الأم هي الوطن في عبارة تقريرية مباشرة؛ إنه يتيح للقارئ أن يصل إلى هذا المعنى بنفسه، لأن ما يشتاق إليه الابن ليس مفهومًا مجردًا، بل طريقة محددة في العيش لا تتكرر خارج حضن الأم. من هنا تنبع قوة النص: فالوطن الذي قد يبدو في الخطاب السياسي حدودًا ورايةً وشعارًا، يصبح في القصيدة مذاقًا ورائحةً ويدًا تعرف كيف تمنح الأشياء معناها.
قصيدة ولدت عند الحد الفاصل بين الأم والسجن
كتب درويش القصيدة في مرحلة مبكرة من تجربته، ونشرها ضمن ديوان "عاشق من فلسطين" في ستينيات القرن العشرين، يوم كان يعيش تحت الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين في الداخل، ويتعرض للاعتقال والملاحقة بسبب نشاطه وتنقله وكتابته. وقد ارتبطت القصيدة في الذاكرة بسجنه وزيارة أمه له، وهي خلفية تنسجم بوضوح مع خطاب الابن المحروم من حضوره اليومي في البيت. غير أن قيمة النص لا تتوقف على تثبيت كل تفصيل من الحكاية المتداولة؛ فالسجن حاضر في بنيته حتى من غير أن يذكر الشاعر زنزانة أو سجانًا. إنه يظهر في المسافة التي جعلت أبسط ما كان متاحًا في الحياة العادية موضوعًا للحنين، وفي شعور المتكلم بأن الزمن الطبيعي قد انقطع، وأن العودة إلى الأم تحتاج إلى رجاء يشبه المستحيل.
يضيء هذا السياق اختيار المفردات. فالأسير لا يحن إلى مأدبة فاخرة، وإنما إلى خبز أمه وقهوتها ولمستها؛ أي إلى أشياء كان يمكن، قبل الحرمان، أن تمر من غير انتباه. لكن المنع يعيد ترتيب القيم، فتغدو التفاصيل الصغيرة دليلًا على عالم كامل خارج القضبان. بهذه الطريقة يقاوم النص منطق السجن: فالسلطة تستطيع أن تفصل الجسد عن البيت، لكنها لا تستطيع أن تمنع الذاكرة من استعادة رائحة الخبز، ولا أن تحرم القهوة من قدرتها على فتح باب المكان الغائب. إن الحنين هنا ليس انسحابًا من الواقع، بل حفظ لما يريد الواقع القاسي أن يقطعه.
ومع ذلك لا ينبغي اختزال القصيدة في وثيقة عن اعتقال محدد. لقد عرف درويش المنفى قبل أن يغادر فلسطين بسنوات طويلة؛ فقد هُجّرت أسرته من البروة سنة 1948، ثم عادت سرًا لتجد القرية قد دُمّرت، فعاش الطفل وضع "الحاضر الغائب": موجودًا في وطنه، لكنه محروم من بيته الأصلي ومن الاعتراف الكامل بحقه في المكان. لذلك جاءت صورة الأم محملة بطبقات من الفقد أقدم من السجن نفسه. إنها الأم الواقعية، حورية درويش، وفي الوقت عينه صورة البيت الأول، والقرية التي لم تعد قائمة، والطفولة التي يحاول التاريخ اقتلاعها من صاحبها.
مدخل حسي يختصر عالمًا كاملًا
يفتتح الشاعر قصيدته بقوله: "أحن إلى خبز أمي"، فيضع فعل الحنين قبل الشيء المحنون إليه. هذه البداية لا تقدم تمهيدًا ولا وصفًا للمكان، بل تدخل مباشرة في الحالة النفسية. والفعل المضارع "أحن" يجعل الشوق جاريًا في لحظة القول، لا ذكرى انتهت. أما تكراره في الأسطر الأولى فيمنح الاعتراف إيقاعًا متصاعدًا؛ فالخبز يقود إلى القهوة، والقهوة إلى اللمسة، وكأن الذاكرة تستعيد الأم حاسةً بعد أخرى حتى تكتمل صورتها في الجسد.
وليس الخبز هنا رمزًا نقيًا منفصلًا عن مادته. إنه خبز حقيقي صنعته يد الأم، ولذلك يحتفظ بحرارته ورائحته وطعمه، ثم يكتسب من هذه الحقيقة اليومية طاقته الرمزية. هذه سمة بارزة في شعر درويش: لا يلغي الرمز الشيء، بل ينمو منه. فلو كان الخبز مجرد استعارة للوطن لفقد كثيرًا من أثره، أما بقاؤه طعامًا منزليًا مألوفًا فيجعل الوطن نفسه محسوسًا وقابلًا للتذوق. لقد دخل المعنى العام من باب المطبخ، لا من منصة الخطابة، فصار أكثر قربًا وأشد رسوخًا.
وتكمل القهوة بناء هذا العالم. القهوة في البيت ليست شرابًا فحسب، بل طقس صباح واستقبال وألفة، وهي مرتبطة باليد التي تختار مقدارها وتعرف مذاق من تشرب له. لذلك لا يقول الشاعر إنه يحن إلى القهوة بإطلاق، بل إلى "قهوة أمي". الإضافة هي التي تمنح الشيء فرادته؛ إذ يمكن العثور على الخبز والقهوة في أماكن كثيرة، لكنهما لا يعوضان ما تصنعه الأم، لأن الحنين متجه إلى العلاقة التي استقرت في الشيء. ومن هنا يصبح الاستبدال مستحيلًا: فالمفقود ليس مادة يمكن شراؤها، وإنما زمن مشترك وحضور إنساني لا ينتقل من يد إلى أخرى.
ثم تأتي اللمسة بعد الخبز والقهوة، فترد الأشياء إلى مصدرها. لقد بدأ الشاعر بنتاج اليد، وانتهى إلى اليد نفسها. وفي هذا الانتقال تقترب الأم حتى تكاد تحضر جسديًا أمام ابنها، غير أن حضورها يضاعف الإحساس بالمسافة بدل أن يلغيها. فما يُستعاد في اللغة يؤكد أنه غائب في الواقع. وهكذا تعمل الصور البسيطة في اتجاهين متعاكسين: تمنح المتكلم عزاء مؤقتًا، وتكشف في الوقت نفسه مقدار حرمانه.
الطفولة التي تكبر بدل أن تنقضي
بعد المدخل الحسي يقول الشاعر إن الطفولة تكبر فيه يومًا على صدر يوم. والمفارقة واضحة؛ فالطفولة في الحساب الطبيعي تصغر كلما ابتعد الإنسان عنها، لكنها هنا تكبر لأن الحرمان يغذيها. كل يوم يمر بعيدًا عن الأم لا يضعف الحاجة إليها، بل يزيدها حضورًا. وليست العودة إلى الطفولة نكوصًا ساذجًا أو رفضًا للنضج، وإنما بحث عن نقطة أمان سبقت انكسار العالم. فالابن الذي يواجه السجن والاقتلاع يستدعي زمنًا كانت فيه الأم قادرة على ترتيب الفوضى بلمسة، وكان البيت يبدو ثابتًا قبل أن يتدخل التاريخ بعنف.
تمنح عبارة "وأعشق عمري لأني" هذا الحنين منعطفًا مهمًا. فالمتكلم لا يحب الحياة لذاتها، ولا بسبب مجد ينتظره، بل لأنه إذا مات سيخجل من دمع أمه. إن الأم لا تمثل الماضي وحده؛ إنها السبب الذي يشد الابن إلى المستقبل. وبذلك تخرج القصيدة من الرثاء المتوقع إلى التمسك بالحياة، ولكنها تفعل ذلك في نبرة هادئة لا تتباهى بالبطولة. فالحياة تستحق أن تُعاش لأن في العالم قلبًا سيتألم لغياب الابن، وهذا الوعي بالمسؤولية العاطفية أقوى من أي وصية مجردة بالصمود.
يحمل "الخجل" في هذا الموضع معنى دقيقًا. إنه ليس خوفًا من الموت بقدر ما هو حرج أخلاقي من أن يترك الابن أمه لدمعها. وفي هذا القلب للعلاقة يصبح الضعيف في الظاهر مصدر قوة؛ فالأم الباكية هي التي تمنع الابن من الاستسلام، ودمعها ليس علامة عجز بل رابطة تعيد إليه إرادة البقاء. غير أن القصيدة لا تزعم أن الحب يهزم الموت فعلًا، وإنما تقول إن تعلق الإنسان بالآخرين يمنح حياته سببًا لا يستطيع الموت أن يسلبه قبل أوانه.
من نداء الابن إلى طقس العودة
في القسم التالي ينتقل الخطاب من الاعتراف إلى النداء: "خذيني إذا عدت يومًا". لفظة "إذا" لا "حين" تترك العودة معلقة على احتمال، وهي من أكثر الكلمات كشفًا للمأساة في النص. فالعودة التي يفترض أن تكون أمرًا طبيعيًا بين ابن وأمه صارت مشروطة بواقع لا يملكه. ومع ذلك لا يطلب المتكلم عند عودته مكانة المنتصر، بل يطلب أن يُعاد إدخاله في عالم الأم من خلال الأشياء التي تخصها، حتى كأنه يريد أن يتخلى عن فرديته المتعبة ويصبح جزءًا من حياتها اليومية.
يطلب الشاعر أن يُتخذ وشاحًا لهدب أمه، وأن تُغطى عظامه بعشب تعمد من طهر كعبها. تتغير اللغة هنا؛ فبعد الخبز والقهوة واللمسة تتصاعد الصور نحو طقس تطهير وولادة جديدة. غير أن الصورة لا تنقطع عن الجسد والأرض: الهدب والكعب والعشب والعظم مفردات محسوسة، وما يبدو روحيًا يظل متصلًا بالمادة. إن العودة المنشودة ليست دخولًا إلى بيت فحسب، بل استرداد للصلة الأولى بين الجسد ومصدره، وبين الإنسان والأرض التي مشى عليها.
وفي فعل "عمدي" ظلال دينية واضحة، لكنه لا يحيل إلى عقيدة محددة بقدر ما يستعير معنى التطهر وبداية حياة أخرى. فالأم قادرة، في خيال الابن، على أن تزيل عنه ما علق به من تعب السجن والمنفى، لا بالماء المقدس، بل بطهر جسدها اليومي. وهنا يرفع درويش الأم إلى منزلة عالية، لكنه لا يحولها إلى تمثال بعيد؛ فقداستها نابعة من قربها ومن عملها ومن أثر قدميها في الأرض. وهذا الجمع بين السمو واليومي هو الذي يحمي الصورة من الزخرفة المجانية.
أما طلبه أن يُشد وثاقه بخصلة شعر وبخيط يلوح في ذيل ثوبها، فيكشف رغبة طوعية في قيد مضاد لقيد السجن. هناك وثاق تفرضه السلطة فيعزل الإنسان عن ذاته، ووثاق يختاره الحب فيعيده إليها. وقد تبدو الرغبة في الارتباط بثوب الأم مبالغة عاطفية إذا قُرئت خارج السياق، لكن موقعها في القصيدة يوضح أنها رد على اقتلاع قسري؛ فالابن يريد رابطًا لا تستطيع الحدود قطعه، ولو كان خيطًا رفيعًا. وهكذا تتحول هشاشة الخيط إلى قوة رمزية، لأن ما يحفظ الهوية ليس دائمًا جدارًا صلبًا، بل أثرًا صغيرًا يمتنع على النسيان.
الأم والوطن من غير استعارة جاهزة
كثيرًا ما تُقرأ الأم في القصيدة بوصفها فلسطين، وهذه قراءة مشروعة يدعمها سياق درويش وتجربته، لكنها تصبح فقيرة إذا ألغت الأم الحقيقية. فالنص مؤثر لأن حورية، أم الشاعر، ليست قناعًا سياسيًا؛ لها خبزها وقهوتها وثوبها ونافذة بيتها. ومن هذه الخصوصية تتسع الدلالة الوطنية. ليست المعادلة أن كل مفردة ترمز آليًا إلى عنصر من عناصر الوطن، بل إن الأم تمنح الوطن صورته الحميمة، فيما يمنح الاقتلاع علاقتها بابنها بعدًا تاريخيًا. لذلك لا يصح أيضًا فصل القصيدة عن فلسطين باسم إنسانيتها العامة. صحيح أن أي قارئ يستطيع أن يرى أمه فيها، وأن شهرتها الواسعة جاءت من بساطة عاطفتها، غير أن هذه العالمية ولدت من تجربة محددة، لا من حذفها. الابن هنا فلسطيني عرف التهجير والإقامة المهددة والاعتقال، وحين يشتاق إلى خبز أمه فهو يشتاق إلى حقه في حياة عادية حُرم منها. إن التفاصيل المنزلية نفسها تصبح سياسية لأن واقع الاحتلال جعل الوصول إليها موضع صراع.
على هذا النحو تقدم القصيدة تصورًا للوطن يختلف عن التصور البطولي الصاخب. الوطن ليس دائمًا ساحة تضحية ولا جماعة تهتف بصوت واحد؛ قد يكون مذاقًا لا يعرفه إلا فرد، أو نافذة تنتظر عودة شخص بعينه. وهذا التصغير لا ينتقص من القضية، بل يعيد إليها الإنسان الذي يمكن أن يضيع وسط الشعارات. فالحرية، في معناها الأعمق، هي أن يتمكن الابن من شرب قهوة أمه من غير حاجز، وأن يعيش ما يبدو للآخرين تفصيلًا لا يستحق الذكر.
بناء يتدرج من الحنين إلى الاتحاد بالأصل
تقوم القصيدة على حركة واضحة رغم قصرها. تبدأ بثلاثية الحنين إلى الخبز والقهوة واللمسة، ثم تنتقل إلى نمو الطفولة والتعلق بالعمر، وبعد ذلك تفتح مشهد العودة المفترضة، قبل أن تنتهي بصورة الابن الذي لا يستطيع الوقوف من غير دعاء أمه. وهذا التدرج يمنع النص من البقاء في دائرة الشكوى؛ فكل مقطع يدفع الحالة خطوة إلى الأمام: من تذكر الأشياء، إلى اكتشاف سبب حب الحياة، إلى تخيل العودة، ثم إلى الاعتراف النهائي بأن الأم قوة تسند الوجود.
والضمائر تؤدي دورًا أساسيًا في هذه الحركة. يبدأ المتكلم بـ"أنا" المضمرة في الفعل "أحن"، ثم يتجه إلى "أمي"، وبعد ذلك يخاطبها مباشرة في أفعال الأمر والرجاء. ومع اقتراب النهاية يصبح وجوده معلقًا باستجابتها: ردّيه، خذيني، شدّي، ضعيني. لا يعني هذا أن ذات الشاعر تُمحى، بل إنها تعيد بناء نفسها داخل علاقة. فالهوية في القصيدة ليست ملكية فردية مكتفية بذاتها؛ إنها شيء يتكون بين الابن ومن منحه اللغة والطعام والطمأنينة.
تبدو الأفعال الأمرية للوهلة الأولى حادة، لكنها في السياق أقرب إلى التوسل. المتكلم لا يصدر أوامر إلى الأم، بل يسلّمها ضعفه ويطلب منها أن تعيد تشكيله. ويوازن هذا الانكسارَ حضورُ صور قوية، مثل النار وحبل الغسيل وسطح البيت، فتظل القصيدة متصلة بالعمل والحركة. حتى أكثر لحظاتها رقة ليست رخوة؛ إنها عاطفة تعرف ما تريد، وتحوّل الاحتياج إلى صيغة مقاومة للبتر.
لغة سهلة تخفي صناعة دقيقة
تبدو مفردات القصيدة مألوفة إلى حد يجعل بعض القراء يظنون أن أثرها نتاج الموضوع وحده، لكن سهولتها ثمرة اقتصاد صارم. لا توجد أوصاف كثيرة للأم، ولا سرد تفصيلي للزيارة أو البيت، ولا شروح للمشاعر. يختار الشاعر أشياء قليلة ذات كثافة عالية، ويترك العلاقات بينها تنتج المعنى. لذلك يستطيع النص أن ينتقل من الخبز إلى العظم، ومن القهوة إلى النار، من غير أن يبدو الانتقال اعتباطيًا؛ فكلها عناصر في دائرة الجسد والبيت والحياة.
ويقوم الإيقاع على التكرار والتوازي أكثر مما يقوم على قافية صارمة. يتكرر تركيب الإضافة في "خبز أمي" و"قهوة أمي" و"لمسة أمي"، فينشأ لحن يسهل حفظه، ثم تتوالى الطلبات في بنى متقاربة. غير أن التكرار لا يعيد المعنى نفسه؛ ففي كل مرة يضيف درجة جديدة من القرب. ولهذا كان تلحين القصيدة وغناؤها، ولا سيما بصوت مارسيل خليفة، امتدادًا طبيعيًا لموسيقاها الداخلية، كما أسهما في انتقالها من صفحة الديوان إلى وجدان جمهور واسع.
ومن اللافت أن القصيدة لا تذكر اسم الأم. هذا الغياب لا يمحو خصوصيتها، لأن التفاصيل تثبت وجودها الفردي، لكنه يفتح في الوقت نفسه مكانًا لأمهات القراء. لقد كتب درويش عن أمه هو، لا عن أم نموذجية مصنوعة لتناسب الجميع، ومع ذلك بلغ الجميع لأنه كان صادقًا في تعيين ما يخصه. هنا تظهر مفارقة الفن الجيد: كلما دقت التجربة في بعض تفاصيلها، أصبحت أقدر على إيقاظ تجارب بعيدة عنها.
صور الموت والحياة في قلب قصيدة الحنان
لا تخلو القصيدة من ظلال ثقيلة؛ فالشاعر يتحدث عن الموت والعظام والوقود والنار، وهي مفردات قد تبدو قاسية في نص عن الأم. لكنها تمنع العاطفة من التحول إلى حنين مريح. فالمتكلم لا يتذكر جلسة منزلية وهو آمن، بل يكتب من موقع يشعر فيه بأن الموت أو الغياب النهائي ممكن. لذلك يطلب أن يصير، إذا عاد، مادة نافعة في عالم أمه: حطبًا لنارها أو حبلًا على سطح دارها. إنه لا يطلب أن تخدمه الأم، بل أن تمنحه وظيفة قربها، مهما كانت متواضعة.
تجمع صورة الوقود بين الفناء والاستمرار. فالخشب يحترق ويزول، لكنه يمنح الدفء ويعين على إعداد الطعام؛ أي إنه يحول موته إلى طاقة في البيت. وكذلك حبل الغسيل شيء بسيط، لكنه يحمل أثر الحياة اليومية وثياب أهلها في الهواء والشمس. بهذا المعنى لا يتخيل الشاعر خلوده في نصب أو قصيدة، بل في خدمة صغيرة داخل بيت الأم. وهي رغبة تنقض صورة الشاعر المتعالي، وتعيد صاحب الصوت الجماهيري إلى موقع الابن الذي يكفيه أن يكون جزءًا من نظام منزلي مألوف.
وعندما يقول في الختام إنه فقد الوقوف من دون صلاة نهار أمه، يبلغ الاعتراف ذروته. الوقوف هنا جسدي ومعنوي في آن: قدرة على الحياة والثبات ومواجهة العالم. أما "صلاة النهار" فتصل دعاء الأم بحركة الزمن، كأن بركتها هي التي تتيح لليوم أن يبدأ. ولا يحتاج النص إلى إعلان قداسة الأم؛ فالصورة تمنحها قوة روحية نابعة من الحب والعمل والانتظار.
بين حرارة الصدق واحتمال المبالغة
يمكن لقارئ متحفظ أن يرى في بعض الصور ارتفاعًا عاطفيًا شديدًا، ولا سيما حين يتمنى المتكلم أن يُشد بخيط من ثوب الأم أو يتحول إلى وقود لنارها. كما أن اقتران الأم بالطهر والصلاة يقترب من المثال الذي يعلو على الإنسان الواقعي. غير أن الحكم على هذه الصور يقتضي مراعاة صوت القصيدة وموقعها؛ فالمتكلم محروم ومهدد، واللغة القصوى تقابل وضعًا أقصى. ثم إن النص يثبت الصور العالية في أشياء منزلية، فلا يترك الأم في سماء التجريد، بل يعيدها دائمًا إلى الخبز والقهوة والثوب وسطح الدار.
وقد أسهم شيوع القصيدة وغناؤها في إحاطتها بهالة وجدانية قد تعيق القراءة النقدية أحيانًا. فكثرة الاستماع تجعل الكلمات تبدو بديهية، وقد يتحول النص في المناسبات إلى رسالة عامة للأمومة، فتبهت علاقته بالسجن والاقتلاع. لكن استعادة هذا السياق لا تسلبه دفئه؛ إنها تكشف أن حنانه نفسه يحمل موقفًا من العنف. فحين يُحرم الإنسان من يومه العادي، يصبح الدفاع عن العادي فعلًا سياسيًا، وتصبح القهوة التي تعدها الأم نقيضًا لعالم يقوم على الحواجز والأوامر.
ولا يفسر اللحن وحده بقاء القصيدة. لقد منحها مارسيل خليفة حياة سمعية واسعة، لكن قابلية النص للغناء نابعة من تركيبه قبل التلحين: عباراته قصيرة، وتكراره مرن، وصوره واضحة، وحركته العاطفية متدرجة. لقد نجح اللحن لأنه التقط طاقة كامنة في الكلمات، ثم أضاف إليها ذاكرة جماعية؛ فصار كثير من الناس لا يستعيدون المطلع إلا بصوته ونغمته. وهنا تتجاور قصيدتان تقريبًا: نص درويش المقروء، والأثر الغنائي الذي صار جزءًا من تلقيه، من غير أن تلغي إحداهما الأخرى.
لماذا بقيت "أحن إلى خبز أمي" حية؟
بقيت القصيدة لأنها تمسك بخيط يصل الفردي بالجماعي من غير أن تضحي بأحدهما. إنها اعتذار ابن لأمه، وحنين أسير إلى البيت، وصورة فلسطيني لوطنه، لكنها أيضًا نص عن حاجة الإنسان إلى أصل عاطفي يسنده حين تتغير الأمكنة. لا تطلب من القارئ معرفة تاريخ طويل كي يتأثر بها، غير أن معرفته بالسياق تزيدها عمقًا وتمنع حصرها في عاطفة عامة.
كما بقيت لأن درويش عرف أن الخسارة الكبرى لا تُرى دائمًا في المشاهد الكبرى. قد تختصرها رائحة رغيف لا يصل إلى صاحبه، أو فنجان قهوة يفقد مذاقه خارج البيت، أو يد حُرم الابن من لمسها. لقد أعاد بهذه التفاصيل الإنسانية إلى معنى الوطن، وجعل الأم حاضرة بوصفها شخصًا ومكانًا وذاكرةً وقوةً على البقاء، من غير أن يضع بينها وبين الأرض علامة مساواة جامدة.
في نهاية المطاف، لا تقول القصيدة إن الإنسان يستطيع العودة كلما شاء، بل تعترف بأن العودة قد تظل احتمالًا مؤجلًا. ومع ذلك تمنح اللغة للابن طريقةً أخرى كي يعود: يسمي الخبز والقهوة واللمسة، فيستعيدها لحظةً ويحفظها من المصادرة. لذلك تبدو "أحن إلى خبز أمي" أكبر من حجمها؛ فهي لا ترفع صوتها، لكنها تصل إلى جوهر تجربة درويش المبكرة، حيث يصبح الدفاع عن الذاكرة دفاعًا عن الوجود، ويغدو حنان الأم وطنًا داخليًا لا تستطيع الزنزانة ولا المنفى أن ينزعه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق