اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

الحب في زمن الكوليرا: هل انتظر فلورنتينو فيرمينا 51 سنة فعلًا؟

رجل وامرأة مسنان يجلسان على متن باخرة نهرية عند الغروب في مشهد يوحي بالحب والانتظار الطويل
صورة توضيحية أصلية تستلهم رحلة الحب والزمن والشيخوخة في رواية "الحب في زمن الكوليرا".

لم يكن ينتظر امرأة فقط، بل كان يحاول أن يهزم الزمن نفسه

هل انتظر فلورنتينو أريثا فيرمينا داثا أكثر من نصف قرن فعلًا؟ الجواب المباشر هو نعم. تحدد رواية غابرييل غارسيا ماركيز المدة بدقة تكاد تكون ساخرة من فرط دقتها: واحد وخمسون عامًا وتسعة أشهر وأربعة أيام. إنها المدة التي بقي خلالها فلورنتينو متمسكًا بفكرة العودة إلى المرأة التي أحبها في شبابه، حتى استطاع بعد وفاة زوجها الدكتور خوفينال أوربينو أن يعلن لها من جديد أنه ما زال يحبها.

لكن كلمة "انتظر" قد تخدع القارئ إذا فهمها بمعناها الرومانسي البسيط. فلورنتينو لم يقض تلك العقود ناسكًا يعيش على ذكرى فيرمينا، ولم تتوقف حياته العاطفية والجسدية. الرواية تنسب إليه مئات العلاقات خلال سنوات الانتظار. ما ظل ثابتًا لم يكن الامتناع عن النساء، بل اعتقاده بأن فيرمينا تحتل مكانًا لا تستطيع أي امرأة أخرى أن تحتله. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل ما دام أكثر من نصف قرن كان وفاءً، أم هوسًا، أم طريقة صنع بها فلورنتينو معنى لحياته؟

هذه المفارقة هي التي تجعل "الحب في زمن الكوليرا" أكثر تعقيدًا من قصة رجل صبور كوفئ أخيرًا على إخلاصه. فالعدد الشهير، واحد وخمسون عامًا وتسعة أشهر وأربعة أيام، يمكن أن يبدو للوهلة الأولى شهادة انتصار للحب على الزمن. لكن كلما اقتربنا من حياة فلورنتينو نفسها، صار من الصعب استخدام كلمة واحدة مثل "الإخلاص" لتفسير ما جرى.


من أين جاءت هذه السنوات الإحدى والخمسون؟

في شبابها، تقع فيرمينا في علاقة عاطفية مع فلورنتينو، ذلك الشاب النحيل الذي يعمل في التلغراف ويجيد تحويل الحب إلى رسائل ووعود وكلمات كبيرة. تتشكل العلاقة إلى حد بعيد عبر الكتابة والمسافة. الرسائل لا تنقل الحب فقط، بل تصنع له عالمًا خاصًا، منفصلًا جزئيًا عن الحياة اليومية.

ثم يحدث ما يهدم هذا العالم بسرعة. حين تلتقي فيرمينا بفلورنتينو بعد غياب، لا تكتشف خيانة ولا سرًا مخفيًا. تكتشف، ببساطة وقسوة، أن الصورة التي بنتها عنه لم تعد تقنعها. تنهي العلاقة. لاحقًا تتزوج الدكتور خوفينال أوربينو، الطبيب المعروف اجتماعيًا، وتعيش معه حياة زوجية طويلة فيها الألفة والخلاف والعادة والرغبة والخيانة والمصالحة والشيخوخة.

أما فلورنتينو فيجعل الرفض نقطة تنظيم لحياته كلها. يصعد مهنيًا في شركة الملاحة النهرية، يكبر ويتغير جسده وتزداد خبرته بالعالم، لكن هناك جملة داخلية لا تتغير: سيأتي اليوم الذي تصبح فيه فيرمينا متاحة له من جديد.

وهنا تكمن غرابة الرقم. إنه لا يقيس مدة علاقة قائمة بين شخصين، بل يقيس المسافة بين علاقتين: حب شبابي عاش أكثره في الرسائل والخيال، ولقاء متأخر بين رجل وامرأة صارا شخصين مختلفين تمامًا عما كانا عليه في البداية.

لهذا لا تكون السنوات الإحدى والخمسون فراغًا بين حدثين. إنها الرواية نفسها تقريبًا. فالزمن لا يقف بينما ينتظر فلورنتينو؛ إنه يعمل في الجميع. فيرمينا تتزوج وتلد وتدير بيتًا وتعرف زوجها على مدى عقود. أوربينو يتحول من طبيب شاب يمثل الحداثة والنظام إلى رجل مسن يواجه هشاشة جسده. وفلورنتينو نفسه الذي يدعي الثبات لا يبقى ذلك الفتى الذي كتب رسائل الحب.

القصة بدأت جزئيًا من والدي ماركيز

للرواية صلة معروفة بتاريخ عائلة غابرييل غارسيا ماركيز، لكنها ليست نسخة مقنعة من قصة والديه. وقد شرح ماركيز بنفسه أن قصة الحب بين والده ووالدته كانت أحد المصدرين اللذين انطلقت منهما الرواية، وأن الجزء المتعلق بشباب فلورنتينو وفيرمينا يشبه تجربتهما بدرجة كبيرة.

كان والد ماركيز عامل تلغراف، وكان يعزف الكمان، بينما جاءت والدته من أسرة اعترض أبوها على ارتباطها به. تبادل الحبيبان الرسائل، واستعانا بالتلغراف، وحاول الأب إبعاد ابنته كي تنسى الشاب الذي لم يكن يراه مناسبًا لها. هذه العناصر انتقلت إلى الرواية بعد أن أعاد الأدب تركيبها.

لكن الفارق الحاسم أن والدي ماركيز تزوجا. وهذا بالضبط ما جعل الكاتب يذهب في اتجاه آخر. الواقع أعطاه بداية القصة، ثم احتاج الخيال إلى السؤال الذي لم يحدث في حياة والديه: ماذا لو افترق الحبيبان، وعاش كل منهما عمرًا كاملًا تقريبًا، ثم التقيا من جديد في الشيخوخة؟

هذه الطريقة في تحويل الذاكرة العائلية والجغرافيا الكولومبية إلى عالم مستقل تظهر في أعمال أخرى لماركيز. وفي مقالة "مئة عام من العزلة: هل كانت ماكوندو مدينة حقيقية؟" يمكن رؤية الطريقة نفسها من زاوية أخرى: الواقع يمنح الكاتب المادة، لكنه لا يحدد الشكل النهائي الذي ستتخذه الرواية.

وقد قال ماركيز في حديث عن ولادة "الحب في زمن الكوليرا" إن إحدى الصور التي قادته إلى الكتاب كانت صورة رجل وامرأة مسنين يرقصان على سطح سفينة. هذه المعلومة مهمة لأنها تنقل مركز الرواية من الحب الأول إلى الحب الأخير. الصورة التي تشغل الكاتب ليست مراهقين يكتشفان العشق، بل جسدان عجوزان يحاولان معرفة ما إذا كان الحب يستطيع أن يبدأ مرة أخرى بعد أن فعل الزمن فعله.

لكن هل كان فلورنتينو وفيًا حقًا؟

لو اكتفينا بعنوان الرواية ونهايتها، لأمكننا صنع حكاية رومانسية سهلة: رجل أحب امرأة، خسرها، انتظرها نصف قرن، ثم استعادها. المشكلة أن ماركيز ملأ المسافة بين البداية والنهاية بتفاصيل تجعل هذا التفسير غير كافٍ.

يدخل فلورنتينو خلال سنوات انتظاره في عدد هائل من العلاقات، وتذكر الرواية رقم 622 علاقة مسجلة. ليس هذا تفصيلًا عابرًا يمكن تجاهله من أجل المحافظة على صورة العاشق الوفي. إنه جزء من بناء الشخصية ومن السخرية التي تحيط باللغة التي يستخدمها فلورنتينو لوصف نفسه.

فهو قادر على أن يعتبر نفسه مخلصًا لفيرمينا، وفي الوقت نفسه يعيش حياة جنسية واسعة. إنه يضع تعريفًا شخصيًا للإخلاص: الجسد يمكن أن يذهب إلى أخريات، أما الموقع الذي منحَه لفيرمينا في خياله فلا ينتقل إلى أحد.

هذه ليست بالضرورة حقيقة موضوعية تقرها الرواية، بل الرواية التي يقولها فلورنتينو لنفسه عن نفسه.

وهذا الفرق جوهري.

فلورنتينو قارئ للقصص العاطفية وكاتب للرسائل، ويعيش الحب من خلال اللغة بقدر ما يعيشه من خلال التجربة. إنه لا يحب فقط، بل يبني قصة عن حبه. ومع مرور العقود تصبح القصة نفسها جزءًا من هويته. لو تخلى عن فكرة فيرمينا، فلن يخسر امرأة فحسب؛ سيضطر إلى الاعتراف بأن عقودًا من حياته بنيت حول وعد لنفسه ربما لم يكن له أساس خارج خياله.

لذلك يمكن قراءة انتظاره بوصفه شكلًا من أشكال الإصرار، لكن يمكن أيضًا قراءته بوصفه عجزًا عن تحرير الذات من قصة قديمة. الرواية لا تلزم القارئ باختيار تفسير واحد.

ولهذا أيضًا يبدو فلورنتينو مختلفًا عن العاشق الرومانسي التقليدي. العاشق التقليدي يثبت إخلاصه بالتضحية والامتناع. أما فلورنتينو فيعيد تعريف الكلمات حتى يستطيع الجمع بين النقيضين: حياة مليئة بالعلاقات، وإيمان كامل بأنه لم يتوقف يومًا عن حب امرأة واحدة.

هل أحب فيرمينا الحقيقية أم الصورة التي صنعها عنها؟

هذه هي المشكلة الأعمق في الانتظار الطويل.

حين يقع فلورنتينو في حب فيرمينا، يعرفها أساسًا من المشاهدة والرسائل والخيال. والعلاقة التي تنشأ بينهما في الشباب لا تحصل على الوقت الكافي لكي تختبرها الحياة المشتركة. لا بيت، ولا فواتير، ولا مرض، ولا أطفال، ولا تعب يومي، ولا اختلافات صغيرة تتراكم على مدى سنوات.

فيرمينا ستعيش كل ذلك مع أوربينو.

زواجها لا يقدم للقارئ حبًا مثاليًا. فيه مشكلات واحتكاك وخيبة وخيانة. لكنه، على خلاف حلم فلورنتينو، حب يعيش داخل الزمن. فالزوجان لا يحافظان على صورة ثابتة أحدهما للآخر؛ إنهما يشاهدان الجسد وهو يكبر، والعادات وهي تصبح ثقيلة، والخصومات وهي تتكرر، ثم يكتشفان أشكالًا من الألفة لا يستطيع الحب الشبابي تخيلها.

هنا تضع الرواية شكلين من الحب في جوار بعضهما، من دون أن تمنح أحدهما انتصارًا كاملًا.

هناك الحب الذي عاشه فيرمينا وأوربينو في الواقع، بكل نقصه.

وهناك الحب الذي احتفظ به فلورنتينو في الذاكرة والانتظار.

حين يموت أوربينو، لا يعود فلورنتينو إلى الفتاة التي أحبها. تلك الفتاة لم تعد موجودة أصلًا. والمرأة التي أمامه ليست صفحة بقيت محفوظة خمسين عامًا، بل أرملة مسنة تحمل داخلها زواجًا كاملًا وأسرة وذاكرة وخسارات وعادات لم يكن فلورنتينو جزءًا منها.

لهذا تبدأ المفارقة الحقيقية في اللحظة التي ينتهي فيها الانتظار. طوال عقود كان من السهل نسبيًا أن يحب فلورنتينو صورة فيرمينا البعيدة. الآن عليه أن يتعامل مع فيرمينا الموجودة أمامه.

انتظار لا يوقف الزمن بل يكشفه

في كثير من قصص الحب يعمل الزمن بوصفه عدوًا: يفرق العاشقين، يغير الظروف، يطفئ الرغبة. ماركيز يفعل شيئًا أكثر غرابة. يجعل الزمن شرطًا لولادة الحب الثاني.

لو عاد فلورنتينو وفيرمينا إلى بعضهما بعد خمس سنوات من افتراقهما، لكانت الرواية مختلفة جذريًا. قيمة السنوات الإحدى والخمسين ليست في طولها وحده، بل في أنها تسمح للحياة بأن تمر كاملة تقريبًا قبل أن تعيد الشخصيتين إلى النقطة القديمة.

وهنا لا يعود السؤال: هل يستطيع الحب أن يبقى نصف قرن؟ بل: هل الحب الذي يعود بعد نصف قرن هو الحب نفسه؟

الرواية تميل إلى إجابة مركبة. هناك استمرارية، بالتأكيد. فلورنتينو يحمل ذكرى البداية طوال حياته. لكنه حين يقترب من فيرمينا في الشيخوخة لا يستطيع ببساطة استعادة شبابه. عليهما أن يبنيا علاقة تناسب الشخصين اللذين أصبحا عليهما.

بهذا المعنى، لا ينجح الحب لأن الزمن فشل في تغييره، بل لأن الشخصيتين تقبلان أخيرًا أن الزمن غيّرهما.

وهذه نقطة تميز الرواية عن كثير من القصص التي تربط الحب باستعادة الماضي. في "مرتفعات وذرينغ" مثلًا يتحول التعلق بالماضي إلى قوة تلتهم الحاضر وتغذي الانتقام؛ وقد تناولنا ذلك في مقالة "لماذا أحب هيثكليف كاثرين ثم دمّر كل من حوله؟". أما ماركيز فيدفع حكاية التعلق القديم إلى الشيخوخة، ثم يجبر شخصيتيه على اكتشاف أن استرجاع الماضي حرفيًا مستحيل.

فيرمينا ليست جائزة في نهاية سباق

من أسوأ الطرق لقراءة الرواية التعامل مع فيرمينا بوصفها مكافأة يحصل عليها فلورنتينو لأنه "صبر". هذه القراءة تجعل الرجل صاحب مشروع يمتد خمسين عامًا، وتجعل المرأة الشيء الذي ينتظره في نهاية المشروع.

لكن فيرمينا صاحبة قرار منذ البداية. هي التي تنهي الحب الأول حين تدرك أنه لم يعد يقنعها. وهي التي تعيش حياتها الزوجية وتكوّن تجربتها المستقلة. وبعد وفاة أوربينو لا تقع فورًا في ذراعي فلورنتينو لمجرد أن الكاتب أكمل مدة الانتظار.

بل إن توقيت إعلانه الجديد للحب قاسٍ ومربك: يأتي وهي ما تزال في صدمة وفاة زوجها. بالنسبة إليه هي لحظة انتظرها عشرات السنين؛ وبالنسبة إليها هي لحظة حداد.

هذا الاختلاف بين زمن الشخصيتين مهم جدًا. فلورنتينو يعد الأيام، أما فيرمينا فلا تعيش حياتها بوصفها عدًا تنازليًا نحو عودته.

وهكذا تصبح السنوات الإحدى والخمسون حقيقة تخص وعي فلورنتينو أكثر مما تخص علاقة متبادلة بين اثنين. هو المنتظر. هي لم تطلب منه الانتظار.

وحين تبدأ العلاقة الجديدة لاحقًا، فإن أهم تحول يحدث عندما تتوقف عن كونها تنفيذًا لخطة فلورنتينو القديمة وتصبح اختيارًا جديدًا يمكن لفيرمينا أن تشارك فيه.

الحب والمرض: لماذا الكوليرا في العنوان؟

اختيار الكوليرا ليس زينة غريبة فوق قصة عاطفية. الرواية تقيم منذ صفحاتها المبكرة تشابهًا بين أعراض الحب وأعراض المرض. العشق عند فلورنتينو يصيب الجسد: يفقد الشهية، يتغير، يعاني، وتصبح حالته قابلة لأن تُقرأ كحالة مرضية.

لكن التشبيه ليس مديحًا للحب وحده.

إذا كان الحب يشبه المرض، فهو قادر على السيطرة على الإنسان، وإرباك حكمه، وإنتاج الأوهام بقدر ما يستطيع أن يمنحه معنى. وهذا يناسب فلورنتينو تمامًا. حبه مصدر قوة هائلة للبقاء، لكنه أيضًا مصدر لتبريرات أخلاقية مقلقة.

ولهذا لا ينبغي أن نضع علامة مساواة بسيطة بين الكوليرا والحب ثم نتوقف. ماركيز يستخدم التشابه بطريقة متحركة: أحيانًا يجعل المرض استعارة للرغبة، وأحيانًا يجعل الحب نفسه يبدو عدوى لا يستطيع الإنسان التخلص منها، وفي النهاية تتحول علامة الوباء إلى وسيلة تسمح للعاشقين بالعزلة عن المجتمع.

الكوليرا، التي يفترض أن تعني خطر الموت، تصبح في المفارقة الأخيرة ذريعة لتأجيل العودة إلى البر والاستمرار في الرحلة.

وهكذا يلتقي الحب والموت مرة أخرى، لا لأن الرواية تقول إن الحب مرض بالمعنى الطبي، بل لأنها تجعل الرغبة البشرية في الاستمرار أكثر وضوحًا عندما يصبح الزمن محدودًا.

الحب في الشيخوخة هو الرهان الأجرأ في الرواية

ربما كان السؤال الأشهر عن الكتاب متعلقًا بمدة انتظار فلورنتينو، لكن الرهان الأكثر تميزًا فيه يبدأ بعد انتهاء الانتظار.

الأدب، مثل الثقافة الشعبية، ملأ العالم طويلًا بصور الحب الشاب. يبدأ الجسد جميلًا، وتنفتح الحياة أمام الشخصيات، ويصبح الزواج أو الاتحاد خاتمة طبيعية للقصة.

ماركيز يعكس الترتيب. الجزء الذي يمكن أن يمثل نهاية رواية تقليدية يصبح عنده بداية متأخرة: رجل وامرأة تجاوزا السبعين، يعرفان أن المستقبل أقصر كثيرًا من الماضي، ويحاولان مع ذلك بدء شيء جديد.

الشيخوخة هنا ليست خلفية حزينة للحب. إنها جزء منه. الجسدان لم يعودا كما كانا، والحركة أصعب، والمرض أقرب، والذاكرة ممتلئة بالموتى. حتى لمس اليد لا يستطيع أن يتجاهل العظام والجلد والعمر.

لكن الرواية ترفض الفكرة التي تقول إن الرغبة تنتمي حصرًا إلى الشباب.

وهذه النقطة كانت جريئة بما يكفي لأن تستوقف دراسات طبية وأدبية لاحقة تناولت الرواية بوصفها نصًا مهمًا عن الشيخوخة، لا مجرد رواية رومانسية. فالحب المتأخر لا يمحو الجسد المسن ولا يعيده سحريًا إلى الصبا؛ بل يطلب من الشخصيات أن تعيش رغبتها داخل الجسد الموجود فعلًا.

بهذا المعنى يصبح الانتظار كله تمهيدًا لاختبار مختلف: هل يستطيع الإنسان أن يقبل الحب حين لم يعد يستطيع أن يتظاهر بأنه خالد؟

هل انتصر فلورنتينو إذن؟

يعتمد الجواب على معنى الانتصار.

إذا كان المقصود أنه حصل أخيرًا على فرصة ليعيش علاقة مع فيرمينا، فنعم. لكن اعتبار النهاية جائزة على خمسين عامًا من الانتظار يجعل الرواية أكثر بساطة مما هي عليه.

فلورنتينو لم يحفظ شبابه حتى تلك اللحظة. وفيرمينا لم تبق المرأة التي كانت في رسائله. وأوربينو لم يكن مجرد عقبة مؤقتة بين عاشقين "حقيقيين". لقد عاش مع فيرمينا أكثر من نصف قرن، وكان زواجهما جزءًا حقيقيًا من حياتها لا فترة فارغة ينبغي حذفها لكي تستعيد الحكاية مسارها الصحيح.

الأهم أن الرواية لا تعيد فلورنتينو وفيرمينا إلى نقطة البداية. الرحلة النهرية الأخيرة لا تقول إن الزمن عاد إلى الوراء. على العكس، كل شيء فيها يؤكد أنه لا عودة إلى الوراء.

النهر نفسه تغير. البيئة التي عرفتها الشخصيات تغيرت. المجتمع تغير. أجسادهم تغيرت. وما يمكنهما امتلاكه الآن ليس الشباب الضائع، بل الزمن القليل المتبقي.

وهذا ربما هو المعنى الأجمل والأكثر قسوة في الانتظار: فلورنتينو يقضي عقودًا وهو يتخيل أنه ينتظر استعادة حب قديم، ثم يكتشف أن الشيء الوحيد الممكن هو حب جديد مع المرأة نفسها.

إنه فرق بالغ الأهمية.

فالحب الحقيقي، إذا استخدمنا العبارة بحذر، لا يتحقق عندما تثبت الصورة القديمة صحتها، بل عندما يستطيع الإنسان رؤية الآخر بعد سقوط الصورة.

وماذا عن الرقم 622؟

يصعب الكتابة عن انتظار فلورنتينو من دون العودة إلى هذا الرقم، لأنه يمنع المقالة من التحول إلى مديح رومانسي.

تسجل الرواية مئات العلاقات في حياة الرجل. بعضها عابر وبعضها أكثر تعقيدًا، وبعضها يضع القارئ أمام جوانب أخلاقية قاتمة في شخصيته. لذلك فإن وصفه ببساطة بأنه "الرجل الذي ظل وفيًا خمسين عامًا" ليس دقيقًا.

الأدق أن نقول إنه ظل وفيًا لفكرة.

لكن الوفاء للفكرة ليس دائمًا فضيلة.

يمكن لفكرة الحب أن تمنح الإنسان قدرة على الاحتمال، ويمكنها أيضًا أن تجعله يعيد تفسير أفعاله بطريقة تحمي صورته عن نفسه. فلورنتينو لا يكذب بالضرورة حين يقول إنه لم يتوقف عن حب فيرمينا؛ قد يكون مقتنعًا تمامًا بذلك. غير أن صدق الاعتقاد لا يحسم قيمته الأخلاقية.

وهنا تتجنب الرواية الحكم السهل. فهي تسمح لنا بأن نتأثر بقدرته على الاحتفاظ بالأمل، ثم تضع أمامنا أفعالًا تجعل الإعجاب غير مريح.

وقد قرأ بعض النقاد هذه الازدواجية بوصفها تحذيرًا من الانخداع باللغة الرومانسية التي تحيط بفلورنتينو. فالسرد يمنحه جمال العبارة وقوة الحلم، لكنه يترك داخل الحكاية أدلة تكفي لكي نسأل عما إذا كان العاشق المثالي الذي يتخيله عن نفسه موجودًا فعلًا.

لماذا لم يكن زواج فيرمينا وأوربينو مجرد خطأ؟

من المغري في قصص المثلث العاطفي أن نقسم الرجال إلى اثنين: الحبيب الحقيقي والزوج الخطأ. لكن "الحب في زمن الكوليرا" لا تسمح بسهولة بهذا التقسيم.

أوربينو ليس فلورنتينو، وعلاقته بفيرمينا لا تبدأ بالطريقة الشعرية نفسها. لكنه يعيش معها الحياة التي لم يعشها فلورنتينو: المرض، المنزل، التربية، الملل، الخلافات، المصالحة، الشيخوخة.

الحب هنا لا يظهر دائمًا كعاطفة ملتهبة. أحيانًا يصبح معرفة دقيقة بعادات شخص آخر، واعتمادًا متبادلًا تشكل خلال عقود.

لهذا تكون وفاة أوربينو أكثر من إزالة عقبة من طريق فلورنتينو. إنها نهاية حياة كاملة بالنسبة إلى فيرمينا.

ومن دون فهم ذلك لا نستطيع فهم رفضها الغاضب لأول إعلان من فلورنتينو بعد موت زوجها. هو يرى أن لحظته جاءت أخيرًا؛ هي ترى رجلًا يقتحم حدادها بحساب عمره أكثر من خمسين سنة.

الحب يحتاج هنا إلى شيء لم يكن فلورنتينو ماهرًا فيه في شبابه: رؤية الزمن من وجهة نظر الشخص الآخر.

وفي هذا تختلف الرواية كذلك عن البناء الذي نراه في أعمال مثل "كبرياء وتحامل: لماذا رفضت إليزابيث دارسي؟"، حيث تتغير معرفة الشخصيتين إحداهما بالأخرى خلال مدة محدودة نسبيًا. عند ماركيز لا يكفي تصحيح سوء فهم؛ هناك حياة كاملة تفصل بين الحب الأول وإمكان الحب الثاني.

السفينة الأخيرة: هرب من الزمن أم قبول به؟

في نهاية الرواية ينتقل فلورنتينو وفيرمينا إلى السفينة، ويصبح النهر فضاء يمكنهما فيه أن يبتعدا عن المدينة والأسرة ونظرات المجتمع. وما يبدو في البداية رحلة يتحول إلى رغبة في عدم العودة.

لكن هذه النهاية ليست إعلانًا ساذجًا بأن الحب انتصر وانتهت المشكلات.

فالسفينة مساحة معلقة بين مكانين. لا هي بيت جديد مستقر، ولا هي عودة إلى العالم الذي غادراه. إنها أشبه بفاصل أخير تصنعه الشخصيتان لأنفسهما في مواجهة حقيقة لا يمكن التغلب عليها: كل رحلة لهما الآن محدودة بالعمر.

ولذلك تكتسب فكرة الاستمرار معنى مزدوجًا. إنها تحد للزمن، لكنها أيضًا اعتراف به. لا يستطيعان أن يصبحا شابين، ولا أن يمحوا العقود الماضية، ولا أن يعرفا كم بقي لهما.

كل ما يستطيعان فعله هو طلب دورة أخرى في النهر.

ثم أخرى.

وهنا تصبح الإجابة عن سؤال المقالة أكثر وضوحًا.

نعم، انتظر فلورنتينو فيرمينا واحدًا وخمسين عامًا وتسعة أشهر وأربعة أيام. لكن الرقم ليس أهم ما في الأمر. لو كانت الرواية تريد فقط الاحتفال بالصبر، لكفى أن تقول إنه انتظر طويلًا ثم نال ما أراد.

أما ماركيز فيجعل هذا الانتظار مختبرًا للزمن. خلاله يتغير الحب من الرسائل إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الهوس، ومن الهوس إلى عادة داخلية، ثم يواجه أخيرًا اختبار الواقع.

ولذلك لا تثبت النهاية أن الحب ظل خمسين عامًا كما كان.

إنها تثبت شيئًا أكثر إثارة: أن الإنسان قد يحمل قصة عن نفسه نصف قرن، ثم لا يعرف حقيقتها إلا عندما يحصل أخيرًا على فرصة ليعيشها.

فلورنتينو اعتقد طوال عمره أنه ينتظر استعادة الماضي. وما وجده في النهاية لم يكن الماضي، بل امرأة مسنة لا تشبه الفتاة التي حفظها في ذاكرته، ورجلًا مسنًا لا يشبه الشاب الذي كتب لها الرسائل.

وكان عليهما، للمرة الأولى تقريبًا، أن يلتقيا كما هما.

ربما لهذا تبقى "الحب في زمن الكوليرا" عصية على القراءة بوصفها قصة حب سعيدة أو قصة هوس مظلم فقط. إنها تحتمل الاثنين. تمنح الأمل لمن يرى أن العمر لا يلغي إمكانية الحب، لكنها في الوقت نفسه تشك في اللغة التي نجمل بها رغباتنا، وفي القصص التي نرويها لأنفسنا كي نجعل انتظارنا ذا معنى.

واحد وخمسون عامًا وتسعة أشهر وأربعة أيام رقم مذهل. لكن ماركيز يعرف أن السؤال الأدبي الأهم لا يتعلق بعدد الأيام.

بل بما يفعله الإنسان بنفسه وهو يعدها.

لو كنت مكان فيرمينا، هل كنت سترى في انتظار فلورنتينو كل تلك السنوات دليل حب، أم دليل عجز عن التخلي عن حلم قديم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق