اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

Shutter Island: هل كان تيدي يعرف الحقيقة؟ شرح النهاية وسر الجزيرة

مباني Medfield State Hospital في ماساتشوستس أحد مواقع تصوير فيلم Shutter Island
مباني Medfield State Hospital في ماساتشوستس، التي استُخدمت في تصوير أجزاء من Shutter Island. تصوير Jonathan Ralton، عبر Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 4.0.
حين يصبح التحقيق وسيلة للهروب من الذات: كيف جعل مارتن سكورسيزي الحقيقة أشد رعبًا من الوهم؟

في معظم أفلام الغموض نبحث مع البطل عن الحقيقة. في Shutter Island يحدث شيء أكثر قسوة: نكتشف تدريجيًا أن الحقيقة نفسها هي الشيء الذي يحاول البطل الهرب منه. ولذلك لا يصبح السؤال الأهم في النهاية: من خدع تيدي دانييلز؟ بل: متى عرف تيدي ما يحدث فعلًا، وهل كان الرجل الذي جلس على الدرج في المشهد الأخير لا يزال يعيش داخل وهمه، أم أنه استعاد الحقيقة واختار أن يتخلى عنها؟

الإجابة الموجزة: الفيلم لا يؤكد بصورة قاطعة أن تيدي كان يعرف الحقيقة طوال الوقت. بل يكشف أن "تيدي دانييلز" هو الهوية التي صنعها أندرو لايديس للهروب من ماضيه. وفي المشهد الأخير توجد قرائن قوية على أنه يستعيد وعيه بالحقيقة، ولو للحظة على الأقل. أما هل يتظاهر بالانتكاس عمدًا كي يُجرى له الفص الجبهي، أم أنه ينتكس فعلًا ثم تلمع الحقيقة في ذهنه لحظة قصيرة، فهذه هي المساحة التي يتعمد الفيلم تركها مفتوحة.

تنبيه: يتضمن الجزء التالي كشفًا مباشرًا لأحداث الفيلم ونهايته والمفاجأة المركزية في الحكاية.

قبل النهاية: من هو تيدي دانييلز أصلًا؟

صدر Shutter Island عام 2010 من إخراج مارتن سكورسيزي (Martin Scorsese)، وكتبت السيناريو لايتا كالوغريديس (Laeta Kalogridis) عن رواية دينيس ليهان (Dennis Lehane) الصادرة عام 2003. يؤدي ليوناردو دي كابريو (Leonardo DiCaprio) شخصية تيدي دانييلز، ويظهر مارك رافالو (Mark Ruffalo) في دور شريكه تشاك أول، إلى جانب بن كينغسلي في دور الدكتور جون كاولي وميشيل ويليامز في دور دولوريس.

تبدأ الحكاية كما لو أننا داخل فيلم تحقيق كلاسيكي. يصل المارشال الفيدرالي تيدي دانييلز إلى جزيرة معزولة سنة 1954 مع شريكه تشاك للتحقيق في اختفاء مريضة تدعى رايتشل سولاندو من مستشفى أشكليف، وهو مؤسسة مخصصة للمرضى النفسيين الذين ارتكبوا جرائم خطرة.

البحر مضطرب، والجزيرة مغلقة، والأطباء يتحدثون بنصف جملة، والحراس يتصرفون كما لو أن الزائر نفسه هو مصدر التهديد. ثم يأتي الإعصار فيقطع الاتصال بالعالم الخارجي، ويتحول المكان إلى متاهة فعلية ونفسية في آن واحد.

كل شيء في البناء الأول يدفعنا إلى اتخاذ موقف تيدي: المؤسسة تخفي شيئًا، الأطباء غير جديرين بالثقة، المرضى خائفون، والمنارة تبدو مركز السر الذي لا يريد أحد السماح له بالوصول إليه.

لكن سكورسيزي يبني الفخ منذ اللحظة الأولى بطريقة تجعل إعادة مشاهدة الفيلم تجربة مختلفة تمامًا عن مشاهدته للمرة الأولى. ما بدا دليلًا على المؤامرة يمكن أن يتحول، بعد معرفة الحقيقة، إلى دليل على أن المؤسسة تحاول التعامل مع رجل يعيش داخل منظومة وهمية معقدة.

الحقيقة التي يكشفها المشهد في المنارة

عندما يصل تيدي أخيرًا إلى المنارة، يتوقع أن يجد غرفة عمليات سرية أو تجربة حكومية أو دليلًا يثبت شكوكه. بدلًا من ذلك يجد الدكتور كاولي بانتظاره.

وهنا تنقلب الرواية التي عشنا داخلها.

تيدي دانييلز ليس مارشالًا جاء إلى الجزيرة للتحقيق. اسمه الحقيقي أندرو لايديس (Andrew Laeddis)، وهو أحد مرضى أشكليف. وتشاك أول ليس شريكه؛ إنه الدكتور ليستر شيهان (Lester Sheehan)، طبيبه، الذي شارك في تجربة علاجية واسعة سمحت لأندرو بأن يعيش وهمه حتى نهايته على أمل أن يصل بنفسه إلى الحقيقة.

أما رايتشل سولاندو، المرأة التي يحقق في اختفائها، فليست القضية التي جلبته إلى الجزيرة. وأجزاء من الأسماء التي يكررها عقله ليست عشوائية؛ إنها ترتيبات لغوية يصنعها ذهن يحاول تفكيك الحقيقة وإعادة تركيبها في صورة يمكن احتمالها.

لكن قلب الحقيقة ليس في الأسماء.

إنه في البحيرة.

زوجته دولوريس، التي ظل تيدي يتذكر أنها ماتت في حريق، لم تمت بالطريقة التي بنى عليها حكايته. كانت تعاني اضطرابًا نفسيًا شديدًا، وأغرقت أبناءهما الثلاثة. وعندما عاد أندرو إلى المنزل ووجد أطفاله موتى في الماء، قتل زوجته.

من هذه اللحظة ولد تيدي دانييلز.

فالهوية الجديدة ليست مجرد هلوسة غريبة؛ إنها دفاع نفسي هائل. إذا كان أندرو هو أندرو، فعليه أن يعيش مع حقيقة موت أطفاله، ومع شعوره بأنه لم يتعامل مع تدهور حالة زوجته قبل الكارثة، ومع حقيقة أنه قتلها بعد ذلك. أما إذا أصبح تيدي، فيمكنه أن يحول نفسه من رجل تحطم منزله إلى بطل يحقق في جريمة ارتكبها آخرون.

وهنا يتجاوز الفيلم مفاجأة "الشخصية ليست من نظنها". المفاجأة الأعمق أن الإنسان يستطيع بناء قصة كاملة كي يبقى قادرًا على الاستمرار.

هل كان تيدي يعرف الحقيقة منذ البداية؟

لا يقدم الفيلم دليلًا قويًا على أن أندرو كان واعيًا بالحقيقة طوال مدة التحقيق ويتظاهر فقط بأنه تيدي. العكس هو الأقرب إلى ما يقدمه السرد: الرجل يعيش الوهم بصدق، ولذلك تبدو انفعالاته وخوفه واندفاعه حقيقية.

إنه لا يمثل أمام الأطباء؛ إنه يعيش العالم الذي صنعه عقله.

لكن هذا لا يعني أن الحقيقة غائبة تمامًا عن ذهنه.

الفيلم مليء بلحظات تبدو كأن الواقع يحاول الصعود إلى السطح ثم يعاد دفنه. الأحلام، ودولوريس، والماء، والنار، ووجوه الأطفال، والعبارات التي لا تبدو مفهومة في البداية، كلها شقوق في الجدار الذي بناه أندرو حول ذاكرته.

ولهذا يمكن القول إن السؤال الأدق ليس: هل يعرف أم لا يعرف؟ بل: إلى أي درجة يستطيع وعيه الوصول إلى ما يعرفه أصلًا في مستوى أعمق؟

هو يعرف من دون أن يستطيع أن يعيش بما يعرفه.

وهذه إحدى أفكار الفيلم الأكثر إنسانية وإزعاجًا: المعرفة ليست دائمًا معلومة ناقصة نحتاج إلى اكتشافها. أحيانًا تكون موجودة، لكن الإنسان يبني حياته كلها لكي يتجنب النظر إليها.

لماذا كانت المؤامرة أكثر راحة من الحقيقة؟

عالم تيدي مليء بالأطباء الأشرار، والتجارب السرية، والأدوية، وغسل الدماغ، والمؤسسات الحكومية، والنازيين، والجواسيس، والمرضى المختفين.

يبدو هذا العالم مرعبًا.

لكنه بالنسبة إلى أندرو أكثر رحمة من الواقع.

في عالم المؤامرة يستطيع أن يكون الضحية والبطل معًا. هناك قوة شريرة خارجية تلاحقه، وهو الرجل الشجاع الذي يحاول كشفها. يستطيع أن يحمل السلاح ضد العدو. يستطيع أن يحقق. يستطيع أن ينتقم. يستطيع أن يحمي امرأة مختفية أو طفلًا أو شاهدًا.

أما في الحقيقة فلا توجد مؤامرة يمكن اعتقالها.

هناك منزل.

وهناك ثلاثة أطفال ماتوا في الماء.

وهناك زوجة قتلها بيده.

لهذا لا تكون المؤامرة علامة على أن عقل أندرو ابتعد عن المنطق فحسب؛ إنها أيضًا قصة أخلاقية بديلة تمنحه دورًا يستطيع أن يعيش معه.

هو لا يختار أن يكون الشرير في حكايته، بل يعيد كتابة نفسه محققًا يطارد الشر.

الماء والنار: كيف يكذب العقل بالصور؟

أكثر رمزين وضوحًا في الفيلم هما الماء والنار، لكن استخدامهما أكثر تعقيدًا من تقسيم بسيط يقول إن أحدهما حقيقة والآخر وهم.

تيدي يقول إن زوجته ماتت في حريق. النار لذلك تصبح جزءًا من السردية التي يستطيع احتمالها. تظهر دولوريس في أحلامه مرتبطة باللهب والرماد، وكأن العقل يكرر الصورة التي يريد تثبيتها مكان صورة أخرى.

أما الماء فيثير فيه توترًا عميقًا منذ البداية.

البحر الذي يعبره إلى الجزيرة، العاصفة، المطر، البحيرة، قطرات الماء، كلها تقود إلى الحقيقة التي لا يريد الاقتراب منها: أطفاله ماتوا غرقًا.

النار تمنحه قصة بديلة.

الماء يعيده إلى الذاكرة.

وهنا يعمل سكورسيزي مثل روائي لا يخبرنا أن الراوي غير موثوق، بل يجعل الأشياء نفسها غير موثوقة. الصورة التي تبدو جميلة أو مرعبة ليست مجرد صورة؛ إنها جزء من الطريقة التي يرتب بها عقل الشخصية ذاكرته.

وهذا قريب، من ناحية بناء الإدراك، من اللعبة التي ناقشناها في قراءة الفيل الأزرق حين يصبح عقل الشخصية نفسه موضع الشك، مع اختلاف العالمين تمامًا. في الحالتين لا يعود السؤال فقط: ماذا حدث؟ بل: هل يمكن الوثوق بالطريقة التي يصل بها ما حدث إلى وعينا؟

لماذا يبدو تشاك غريبًا منذ البداية؟

عند إعادة مشاهدة الفيلم، تتحول شخصية تشاك من شريك غامض بعض الشيء إلى واحدة من أوضح إشارات اللعبة.

إنه الدكتور شيهان، لكنه ملزم بأن يؤدي دور شريك تيدي. ولهذا يوجد دائمًا توتر صغير بين الشخصية التي ينبغي أن يمثلها والرجل الذي يعرف الحقيقة.

أحيانًا يتأخر جزءًا من الثانية في الاستجابة. أحيانًا ينظر إلى الآخرين كما لو كان ينتظر توجيهًا ضمنيًا. وحتى علاقته بالسلاح لا تحمل تلقائية رجل قضى حياته في عمل أمني.

هذه التفاصيل لا تعني أن المشاهد كان "يجب" أن يحل اللغز منذ البداية. الفيلم لا يصممها كمسابقة عادلة تمامًا بين المخرج والجمهور. إنها موجودة أساسًا لتجعل المشاهدة الثانية متماسكة: عندما تعرف أن تشاك طبيب، تستطيع أن ترى الطبيب يختبئ داخل شخصية الشرطي.

وهذه إحدى علامات الحبكة الناجحة في أفلام المفاجأة. الكشف الجيد لا ينبغي أن يمحو ما سبقه، بل ينبغي أن يعيد ترتيبه.

ولهذا يشبه Shutter Island من هذه الناحية أعمالًا مثل Fight Club، حيث تجبرنا المفاجأة على إعادة تفسير الشخصية والأحداث السابقة كلها، لا مجرد إضافة معلومة جديدة في الدقائق الأخيرة.

ماذا كان الأطباء يحاولون أن يفعلوا؟

التجربة التي يقودها الدكتور كاولي تقوم على السماح لأندرو بأن يعيش حكايته الوهمية كاملة، بمشاركة الأطباء والممرضين والمرضى، بدل مواجهته مباشرة بحقيقة يرفضها كلما قُدمت إليه.

الفكرة داخل عالم الفيلم بسيطة في جوهرها: إذا لم يستطع أندرو قبول الحقيقة حين يخبره بها شخص آخر، فربما يستطيع الوصول إليها بنفسه إذا أُعطي المجال ليمثل حكايته حتى تنهار تناقضاتها.

لكن الفيلم لا يقدم هذه التجربة باعتبارها نموذجًا طبيًا ينبغي نقله حرفيًا إلى الواقع. أشكليف مؤسسة متخيلة، والطريقة العلاجية الدرامية مصممة لخدمة الحبكة والأسئلة الأخلاقية للفيلم.

في الوقت نفسه، اختار ليهان ثم الفيلم سنة 1954 بعناية. ففي الولايات المتحدة كانت جراحات الفص الجبهي وغيرها من أشكال الجراحة النفسية قد استُخدمت بالفعل على نطاق واسع في العقود السابقة، ولم تكن سنة 1954 بعيدة تاريخيًا عن ذروة تلك الممارسات.

وهذا يمنح التهديد في الفيلم خلفية تاريخية حقيقية، حتى وإن كانت شخصيات أشكليف وقصتها متخيلة.

هل مستشفى أشكليف مكان حقيقي؟

لا. مستشفى Ashecliffe الذي تدور فيه الأحداث مؤسسة خيالية، كما أن قصة أندرو لايديس ورايتشل سولاندو ليست قصة حقيقية أخفاها التاريخ.

لكن السينما بنت هذا المكان المتخيل من أماكن حقيقية.

ومن بينها Medfield State Hospital في ماساتشوستس، الذي تظهر مبانيه في الصورة أعلى المقالة واستُخدم في إنتاج الفيلم. هذه المسافة بين المكان الحقيقي والمؤسسة المتخيلة مناسبة جدًا لفيلم يقوم كله على خلط ما هو موجود بما يعيد العقل صياغته.

حتى الجزيرة نفسها تعمل بهذه الطريقة. إنها مكان جغرافي في ظاهر الحكاية، لكنها تتحول تدريجيًا إلى صورة للعقل المغلق: الوصول إليها صعب، والخروج منها أصعب، وأجنحتها وممراتها وأبوابها المغلقة تشبه طبقات ذاكرة لا يسمح صاحبها لأحد بفتحها.

المنارة: المكان الذي ينتظر فيه تيدي الوحش

منذ وقت مبكر تصبح المنارة مركزًا للشك.

تيدي يعتقد أنها المكان الذي تخفي فيه المؤسسة أكثر أسرارها رعبًا. وبالمنطق التقليدي لأفلام المؤامرة، يجب أن يصل البطل إليها كي يهزم العدو.

وهذا ما يحدث، لكن بطريقة معكوسة.

يصل تيدي إلى المنارة فلا يجد الوحش الذي توقعه.

يجد نفسه.

وبذلك تصبح المنارة رمزًا يكاد يكون أدبيًا في وضوحه. إنها المكان الذي يفترض أن يصدر النور منه، والمكان الذي يقود السفن وسط العتمة، لكنها في هذا الفيلم المكان الذي تصبح فيه الرؤية مؤلمة.

الحقيقة تنير الغرفة، لكنها لا تنقذ الرجل تلقائيًا.

وهنا يفصل الفيلم بين مفهومين نخلط بينهما كثيرًا: معرفة الحقيقة والقدرة على احتمال الحقيقة.

أندرو يستطيع في المنارة أن يتذكر.

المشكلة هي: هل يستطيع أن يعيش بعد التذكر؟

الأطفال الثلاثة: النقطة التي لا تستطيع الحبكة إخفاءها

وسط كل الألغاز والأسماء والرسائل المشفرة والمؤامرات، توجد حقيقة شديدة البساطة لا يستطيع الفيلم السماح لنا بنسيانها بعد كشفها: ثلاثة أطفال ماتوا.

وهذا هو السبب في أن تحويل Shutter Island إلى مجرد "فيلم له نهاية صادمة" يظلمه.

المفاجأة ليست الغاية.

إنها الأداة التي تجعلنا نفهم حجم دفاع أندرو عن نفسه.

لو كشف الفيلم الحقيقة في بدايته ثم تابع رجلًا يعاني من الذنب، لكنا نظرنا إليه من الخارج. أما لأنه يجعلنا نسكن قصة تيدي ساعتين تقريبًا، فإننا نختبر قوة الوهم من داخله. نحن أيضًا نريد أن تكون هناك مؤامرة. نحن أيضًا نبحث عن المريض رقم 67، وعن الغرفة السرية، وعن الشرير المختبئ في المنارة.

وعندما تنهار الحكاية، نخسرها معه.

بهذه الطريقة لا يقول الفيلم فقط إن أندرو خدع نفسه؛ بل يجعل المشاهد شريكًا مؤقتًا في حاجته إلى الخديعة.

شرح المشهد الأخير: لماذا يناديه "تشاك" مرة أخرى؟

بعد المواجهة في المنارة يبدو أن العلاج نجح. أندرو يعترف باسمه، ويتذكر زوجته وأطفاله، ويفهم ما حدث.

لكن في صباح اليوم التالي يجلس مع الدكتور شيهان خارج المبنى، ثم يخاطبه بوصفه "تشاك".

بالنسبة إلى الأطباء تبدو هذه كارثة.

لقد عاد أندرو إلى الوهم مرة أخرى.

شيهان ينظر نحو كاولي، وتصبح النتيجة المتوقعة واضحة: التجربة فشلت، وسيُساق المريض إلى الإجراء الجراحي الذي كانوا يحاولون تجنبه.

لو انتهى الفيلم هنا لكانت القراءة الأقرب هي أن أندرو انتكس ببساطة.

لكنه لا ينتهي هنا.

قبل أن ينهض، يطرح أندرو على شيهان سؤاله الأخير عن أي المصيرين أسوأ: أن يعيش الإنسان وحشًا أم يموت رجلًا صالحًا.

هذه الجملة تغير كل شيء.

هل تظاهر أندرو بالانتكاس كي يخضع للفص الجبهي؟

هذه أشهر قراءة لنهاية الفيلم، ولها أساس قوي.

إذا كان أندرو قد عاد فعلًا إلى شخصية تيدي بالكامل، فمن أين جاءت الجملة الأخيرة؟

"تيدي" داخل الوهم يرى نفسه رجلًا صالحًا أصلًا. إنه مارشال، وزوج مكلوم، ورجل يقاتل مؤسسة شريرة. لا سبب واضحًا يدفعه إلى وصف حياته بأنها حياة "وحش".

أما أندرو الذي استعاد الحقيقة فلديه سبب مؤلم جدًا.

إنه يرى نفسه رجلًا فشل في حماية أسرته، تجاهل إشارات خطرة في حالة زوجته، ثم قتلها بعد أن وجد أبناءه موتى. سواء كان حكمه الأخلاقي على نفسه عادلًا أم قاسيًا، هو نفسه قد لا يستطيع العيش مع صورته بعد انكشافها.

وعندما يقول الجملة بهدوء، ثم ينهض ويسير نحو الرجال الذين سيأخذونه، يمكن فهم المشهد على أنه قرار.

هو لم ينس.

إنه يتظاهر بالنسيان.

وبهذا تصبح الجراحة بالنسبة إليه شكلًا غير مباشر من محو الذات: إذا لم يستطع أن يغير الماضي، يستطيع على الأقل أن يفقد الوعي الذي يجبره على حمله.

لكن الفيلم لا يمنحنا وثيقة تقول إن هذا هو التفسير الرسمي الوحيد.

ماذا قال دينيس ليهان عن النهاية؟

هنا تظهر أهمية التفريق بين النص وما يقوله صاحبه عنه بعد ذلك.

دينيس ليهان، مؤلف الرواية الأصلية، لم يقرأ الجملة الأخيرة بالطريقة الأكثر شيوعًا بين المشاهدين. بالنسبة إليه، أندرو لا يخطط بوعي كامل لخداع الأطباء والوصول إلى الجراحة، بل تمر به لحظة قصيرة من الصفاء يتذكر فيها من يكون، ثم تبتلعه الشخصية الوهمية من جديد.

هذه القراءة مهمة لأنها تمنعنا من تحويل التأويل الشعبي إلى حقيقة مؤكدة.

لكنها لا تلغي ما يستطيع الفيلم نفسه أن يوحي به.

فالعمل السينمائي، بعد عرضه، لا يبقى مجرد تنفيذ لنية الكاتب. اختيار دي كابريو لنبرة هادئة، ونظرة شيهان بعد الجملة، وطريقة سير أندرو نحو الرجال من دون مقاومة، كلها عناصر يستطيع المشاهد أن يقرأها بوصفها علامات على وعي أوسع.

لذلك يمكن الاحتفاظ بالقراءتين:

الأولى أن الانتكاس حقيقي، والجملة ومضة قصيرة أخيرة من أندرو قبل عودته إلى تيدي.

والثانية أن أندرو استعاد الحقيقة بالكامل، لكنه قرر أداء دور تيدي للمرة الأخيرة لأنه يفضل فقدان ذاته على الاستمرار في حمل الذنب.

الفيلم لا يغلق الباب تمامًا أمام أي منهما.

الرواية والفيلم: جملة واحدة غيّرت معنى النهاية

رواية Shutter Island التي نشرها دينيس ليهان عام 2003 تحتوي على البنية الأساسية نفسها: الجزيرة، التحقيق، أشكليف، تيدي، تشاك، والحقيقة المتعلقة بأندرو.

لكن الفارق الحاسم يظهر في النهاية.

الرواية لا تحتوي على السؤال السينمائي الشهير المتعلق بالعيش وحشًا أو الموت رجلًا صالحًا.

وهذا الحذف أو الإضافة، بحسب الاتجاه الذي ننظر منه، ليس تفصيلًا في الحوار.

إنه يغيّر طبيعة النهاية.

في الرواية يصبح ثقل الانتكاس أوضح. الرجل الذي اقترب من الحقيقة يعود إلى عالمه الوهمي، ويصبح فشل العلاج مأساة تبتلع الشخصية.

أما الفيلم فيزرع احتمالًا جديدًا: ربما لم يفشل العلاج.

وربما كانت المشكلة أشد قسوة من الفشل.

ربما نجح العلاج، ورأى أندرو الحقيقة، ثم اكتشف أن الشفاء من الوهم لا يعني أنه يريد الحياة بعده.

بهذه الإضافة يتحول السؤال من سؤال طبي عن نجاح العلاج إلى سؤال فلسفي عن الهوية والذنب والقدرة على مواصلة الحياة.

هل النهاية تعني أن الأطباء كانوا أشرارًا؟

من السهل خلال النصف الأول من الفيلم أن نصدق ذلك لأننا نرى المؤسسة بعيني تيدي. لكن بعد كشف الحقيقة تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.

الدكتور كاولي لا يبدو رجلًا يبحث عن فرصة لإتلاف عقل أندرو. على العكس، التجربة كلها محاولة أخيرة لتجنب ذلك المصير.

مع ذلك لا يحول الفيلم المؤسسة إلى مكان بريء أو مريح.

هناك سلطة هائلة يمارسها الأطباء على أشخاص محتجزين لا يملكون حرية الخروج، وهناك صراع ضمني بين تصورات مختلفة للعلاج في زمن كانت فيه الممارسات النفسية والجراحية تمر بمرحلة شديدة الاضطراب.

الفيلم يستفيد من تاريخ حقيقي للمؤسسات النفسية والجراحة النفسية، لكنه لا يقدم أشكليف بوصفه توثيقًا لمستشفى بعينه أو وصفًا دقيقًا للممارسة الطبية عام 1954.

وهو تمييز مهم، خصوصًا لأن المرض النفسي في الثقافة الشعبية يُستخدم كثيرًا أداةً للرعب. الأشخاص الذين يعيشون مع اضطرابات نفسية في الواقع ليسوا شخصيات فيلم غموض، ولا ينبغي استخدام أندرو نموذجًا عامًا لفهمهم.

هل Shutter Island قصة عن المرض أم عن الذنب؟

من الممكن مشاهدة الفيلم بوصفه قصة عن الوهم واضطراب الإدراك، لكن الذنب ربما يكون العنصر الأعمق في بنائه.

أندرو لا يحتاج فقط إلى واقع بديل لأنه غير قادر على تمييز الحقيقة.

إنه يحتاج إليه لأن الحقيقة تحمل حكمًا على نفسه.

لذلك يبني عالمًا أخلاقيًا مريحًا نسبيًا: يوجد شرير، وضحية، وتحقيق، ومؤامرة، وبطل.

الحياة الحقيقية أكثر فوضى.

زوجته لم تكن "شريرة" بالمعنى البسيط؛ كانت امرأة تعاني. وأندرو ليس الشرير الكرتوني الذي صنع المأساة عمدًا. لكنه رجل عاش سلسلة من القرارات والعجز والتأجيل انتهت بكارثة لا يمكن إصلاحها.

وهنا يصبح السؤال الإنساني للفيلم أقسى من اللغز: ما مقدار الحقيقة الذي يستطيع الإنسان تحمله حين لا يستطيع إصلاح ما تكشفه؟

الحرب ومعسكر داخاو: لماذا يحمل أندرو أكثر من مأساة واحدة؟

الفيلم لا يجعل مأساة الأسرة الجرح الوحيد في شخصية أندرو. ذكرياته عن الحرب وتحرير معسكر داخاو النازي تضعه منذ البداية أمام صور الموت الجماعي والعنف والعجز.

هذه المشاهد لا تثبت تشخيصًا نفسيًا محددًا، ولا ينبغي اختزال الشخصية في معادلة طبية سهلة. لكنها تمنح عالمه الداخلي تاريخًا طويلًا من الصدمة والموت.

الرجل الذي يجد أبناءه في البحيرة ليس رجلًا يواجه الموت للمرة الأولى.

لقد رأى من قبل ما يستطيع البشر فعله بالبشر.

ثم عاد إلى بيته ليواجه كارثة لا يستطيع وضعها في الفئة المريحة نفسها. لا يوجد نظام سياسي بعيد يمكنه أن يحمله المسؤولية. الكارثة حدثت داخل الأسرة.

ولهذا تصبح فكرة "الوحش" أكثر تعقيدًا. أندرو أمضى جزءًا من حياته يرى الوحوش خارج نفسه، ثم يجد نفسه في النهاية خائفًا من أن يكون واحدًا منها.

لماذا تنجح المفاجأة حتى عندما نعرفها مسبقًا؟

هناك أفلام تعتمد قوتها بالكامل على عدم معرفة النهاية. بعد أن نعرف السر، تقل قدرتها على إثارة الاهتمام.

Shutter Island يعمل بطريقة مختلفة.

في المشاهدة الأولى نبحث عن الحقيقة.

في الثانية نراقب كيف يهرب أندرو منها.

ننتبه إلى نظرات الحراس، وإلى الطريقة التي يتعامل بها كاولي معه، وإلى تشاك، وإلى الماء، وإلى النساء اللواتي يحاولن إرسال رسائل، وإلى الترددات الصغيرة التي كانت تبدو سابقًا مجرد عناصر غموض.

وهذا يجعل الفيلم قريبًا من الأدب الذي يستخدم الراوي غير الموثوق أو وجهة النظر المحدودة. الحكاية لا تكذب علينا بعبارة مباشرة؛ إنها تقيدنا بوعي الشخصية، فنرتب العالم بالطريقة التي يرتبه بها.

ثم تتغير الشخصية، فتتغير الحكاية نفسها من دون أن تتغير الأحداث التي شاهدناها.

ما الذي يعنيه اسم Shutter Island؟

العنوان في معناه المباشر اسم الجزيرة، لكنه يكتسب بعد مشاهدة الفيلم إيحاءً إضافيًا يصعب تجاهله.

الجزيرة مغلقة.

العاصفة تغلقها أكثر.

المستشفى محاط بالجدران.

الجناح C مغلق.

المنارة مغلقة.

وعقل أندرو نفسه مغلق حول حقيقة لا يسمح لها بالخروج إلا في شظايا.

كل طبقة في المكان تكرر الطبقة التي قبلها: جزيرة داخل البحر، مؤسسة داخل الجزيرة، جناح داخل المؤسسة، غرفة داخل الجناح، وسر داخل الإنسان.

لهذا يبدو تصميم المكان أكبر من وظيفة الديكور. الجزيرة ليست خلفية للحكاية؛ إنها الشكل الجغرافي لحالة البطل النفسية.

هل كان "تيدي" كذبة أم جزءًا حقيقيًا من أندرو؟

من السهل القول إن تيدي شخصية وهمية وأندرو هو الحقيقة، لكن الفيلم يصبح أكثر إثارة إذا لم نتوقف عند ذلك.

تيدي لم يأتِ من فراغ.

هو النسخة التي يريد أندرو أن يكونها: رجل قادر على حماية الضعفاء، الوصول إلى الحقيقة، مطاردة المجرمين، مقاومة المؤسسة، وعدم الوقوف عاجزًا أمام موت الأبرياء.

بمعنى آخر، الوهم لا يخفي أندرو فقط؛ إنه يكشف رغبته العميقة في أن يكون شخصًا مختلفًا.

ولهذا فإن فقدان تيدي في المنارة ليس مجرد تصحيح اسم في الملف الطبي.

إنه موت هوية كاملة.

إذا كان على أندرو أن يعود إلى ذاته، فعليه أن يخسر الرجل الذي اختلقه كي يستطيع احترام نفسه.

ومن هنا تصبح الجملة الأخيرة أشد قوة. "الموت رجلًا صالحًا" قد لا يشير فقط إلى الموت الجسدي أو الجراحة. ربما يشير إلى الرغبة في أن تكون آخر نسخة يحتفظ بها عن نفسه هي تيدي: الرجل الذي جاء إلى الجزيرة لأنه يريد إنقاذ شخص ما.

إذن: هل كان تيدي يعرف الحقيقة؟

ليس بالطريقة التي تقول إنه كان يخدع الجميع منذ وصوله إلى الجزيرة.

الأدلة التي يقدمها الفيلم أقرب إلى أن أندرو عاش شخصية تيدي باعتبارها واقعه الفعلي، وأن العلاج أجبره في المنارة على الاعتراف بما دفنه.

لكن المشهد الأخير يغير السؤال من الماضي إلى اللحظة الراهنة.

عندما ينادي شيهان باسم "تشاك"، يمكن أن يكون قد انتكس.

وعندما يطرح سؤاله الأخير، يمكن أن يكون أندرو قد عاد للحظة.

أو يمكن أن يكون لم ينتكس أصلًا، وإنما اختار أن يجعل الأطباء يعتقدون ذلك.

هذه المسافة الصغيرة بين الاحتمالين هي التي جعلت النهاية تعيش طويلًا بعد انتهاء الفيلم.

ولو حسم سكورسيزي الأمر بلقطة إضافية أو اعتراف واضح، لخسر الفيلم شيئًا أساسيًا. لأننا كنا سنغادر الجزيرة وفي أيدينا إجابة.

أما الآن فنغادرها ونحن نحمل سؤال أندرو معنا.

الحقيقة ليست دائمًا خلاصًا

في القصص البوليسية التقليدية، الوصول إلى الحقيقة يعيد النظام إلى العالم. نعرف القاتل، ونفهم الدافع، وتُغلق القضية.

Shutter Island يفعل العكس.

الحقيقة لا تعيد النظام.

إنها تحطم النظام الوحيد الذي استطاع أندرو أن يعيش داخله.

والمفارقة الكبرى أن الأطباء ينجحون، على الأقل للحظة، في المهمة التي أمضى الفيلم كله وهو يقاومها. يصل المريض إلى الواقع.

لكن الفيلم يسألنا بعدها السؤال الذي لا تسأله أفلام الألغاز عادة: ماذا لو كانت الحقيقة صحيحة، لكنها غير قابلة للعيش؟

لهذا لا يبقى Shutter Island فيلمًا عن مفاجأة النهاية، ولا عن مستشفى مخيف في جزيرة معزولة. إنه فيلم عن الحاجة البشرية إلى الحكاية. نحن نرتب الماضي في قصص لكي نفهم أنفسنا، وأحيانًا لكي نستطيع احتمال أنفسنا.

تيدي دانييلز هو أخطر قصة كتبها أندرو لايديس، ليس لأنها كاذبة فحسب، بل لأنها كانت بالنسبة إليه أرحم من الحقيقة.

وربما يكون المشهد الأخير مؤلمًا لهذا السبب تحديدًا: بعد أن ننتظر طوال الفيلم أن يستعيد الرجل ذاكرته، نكتشف أن استعادتها قد لا تكون النهاية السعيدة التي تصورناها.

إذا كان أندرو قد استعاد الحقيقة فعلًا في اللحظة الأخيرة، فهل كان سيره نحو الجراحة هزيمة أخيرة للمرض، أم قرارًا واعيًا من رجل وجد أن نسيان نفسه أرحم من العيش معها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق